الاحتيال في تأجير السيارات مسلسل لا ينتهي

05-05-2010

الاحتيال في تأجير السيارات مسلسل لا ينتهي

(رئيسة المجموعة: سوزان نصر الله حمادة، لبنانية الجنسية - في قبضة العدالة •مدير العمليات:

باسم أنور إدلبي - متعهّد العقود بالباطن •طارق عبيد - مواليد اللاذقية، يعمل في حلب، مقيم في إدلب -وكيل العقود في حلب •نعيم جعفر - مدير العمليات في حلب: علاء المحمد وكلّهم مطلوبون للعدالة. •الوسيط لدفع الفدية: أبو عدي، غير مطلوب للعدالة. •مقر الاستلام ودفع الفدية: قرية كفر البطيخ، محافظة إدلب. •مقر العمليات الرئيس: مدينة جرمانا – دمشق. •الضحايا: 200 مواطن من دمشق، حلب، حماة، طرطوس •المفقودات: 200 سيارة تقريباً. •قيمة الفدية: 150 - 200 ألف ليرة سورية...) ‏

لا يعرف حتى اللحظة، هؤلاء المواطنون الذين يعتقدون أن قضية كل منهم هي استئجار سيارته من قبل سوزان أو علاء أو باسم، أنّ القضية تتعدّى مجرّد اختفاء السيارة في دمشق أو حلب وحماه ثم تلقيّهم اتصالاً من كفر البطيخ يطالبهم فيه بدفع فدية لاستعادة سياراتهم.. القصة التي لا يعرفها هؤلاء الضحايا وربما كثيرون من المحققين الجنائيين الذين يعملون على هذه القضية بالمفرّق، أنّ القصة هي قصة «شبكة» حقيقية ظهرت من مفردات الاعترافات التي سجّلها الأمن الجنائي في طرطوس على سبيل المثال مايلي: «تهريب السيارات إلى الخارج، جوازات سفر مزّورة، آلة تزوير عالية التقنية،..». ‏

احتيال متكرر ‏

ما يكشف عنه هذا التحقيق سيساعد كل من يفكر في يوم من الأيام أنّ يؤجّر سيارته، وسيكشف أنّ القرارات الناظمة لعملية تأجير السيارات في سورية، وحتى بصيغتها الجديدة المرتقب صدورها من وزارة النقل لا تحمي المؤجّر ولا المستأجر من ظاهرة الاحتيال التي بدأت بمحاولات صغيرة لاستئجار السيارات ومن ثم تأجيرها للآخرين، لتتحوّل الشبكة المشار إليها وأمثالها إلى مجموعة عصيّة على القانون، تعمل في وضح النهار وتساوم أصحاب السيارات المخطوفة على الفدية من دون أي تردد أو خوف من أجهزة التنصّت الجنائية. ‏

ببساطة ستكتشفون أنّ العقوبة القصوى التي يوقعها القانون على زعماء هذه الشبكة وبموجب نص قانون العقوبات نفسه تشجّع على التفرّغ للاحتيال، فعقوبة المحتال بموجب المادة 641 من قانون العقوبات هي الغرامة من مئة ليرة إلى خمسمئة ليرة والحبس من ثلاثة أشهر إلى سنتين، وهو ما «شجّع المحتالين» وخلق ظاهرة العودة إلى الاحتيال في سورية من قبل أصحاب السوابق الذين وجدوها تجارة رابحة»، حسبما قال لنا رئيس فرع دمشق لنقابة المحامين الأستاذ جهاد اللحام. ‏

بيع وهمي ‏

هل سوزان حمادة موظفة في وزارة النفط، أم زوجة رجل مهم أم هي مجرّد ربة منزل لديها ثلاثة أطفال ومطلّقة؟ ‏

عشرات الشكاوى المقدمة للأمن الجنائي في ريف دمشق ومراكز الشرطة في «جرمانا، عرطوز، قطنا، حرستا» تؤكّد أنّ سوزان حمادة وباسم إدلبي، تقدّموا لأصحاب السيارات وعرّفوا عن المرأة سوزان بإحدى الصفات السابقة، وأنّ باسم إدلبي هو زوجها بحسب المحاضر التي بين أيدينا، بينما تعترف سوزان في محاضر الضبوط، بأنها منفصلة عن باسم برغم اعترافها بالعمل معه ضمن مكتب حصل باسم على الترخيص له، كما تقول باسم «بدي كار» لكن هذا المكتب لا يزال مجهولاً وربما على الورق فقط، برغم قيام الاثنين معاً سوزان وباسم باستئجار نحو 100 سيارة من دمشق وريفها على اسم هذه العائلة التي تدفع الجميع للثقة بها. ‏

كانت العقود - والتي لدينا نماذج منها - على ثلاثة أنواع «عقد إيجار سيارة فيه بند ينص على منع تأجير السيارة للآخرين من قبل المستأجر، عقد إيجار سيارة بدون هذا البند، عقد إعارة سيارة ينص على عدم جواز تأجير السيارة أو إعارتها من قبل المستعير». ‏

ويقول أبو علاء صاحب مكتب لتأجير السيارت في الحجر الأسود بدمشق وهو إحدى الضحايا: «يلجأ الناس لهذه العقود المختلفة بسبب غياب التشريع الذي يحمي حقوق الطرفين»، ويضيف: «بالنسبة لمن يفهم في السوق مثلنا، فإنّه يلجأ لعقد الإعارة وهذا ما وقّعناه مع سوزان وزوجها، وقد كنّا محتاطين أكثر فلم نعطهم نسخة من العقد، برغم أنّهم جاؤوا أكثر من مرّة وتذرّعوا بحجج كثيرة، لكننا لم نعطهم النسخة». ‏

ويكشف رئيس فرع نقابة المحامين بدمشق الأستاذ جهاد اللحام، أنّ هذه العقود بكل أنواعها لا تحمي أصحابها حيث يقول: «بكل بساطة، فإنّ المستأجر الذي حصل على السيارة بطريقة الإيجار أو الإعارة أو أي طريقة أخرى، يمتلك دفتر الميكانيك ويمتلك السيارة، وهو قادر في هذه الحالة على إجراء بيع وهمي للسيارة إلى شخص آخر بمساعدة أي شخص يدّعي أنّه صاحب السيارة». ‏

وما يتحدّث عنه المحامي لحّام حصل فعلاً ضمن سلسلة أعمال هذه الشبكة، حيث اكتشف فرع الأمن الجنائي في حماة قبل أيام مجموعة من البيوع الوهمية لسيارات مستأجرة ومن مختلف المحافظات. ‏

‏ من مصدر للرزق ‏ إلى مصدر للابتزاز ‏

في الوقت الذي كان فيه بديع مدني الموظّف البسيط الذي فضّل شراء السيارة بالتقسيط ليدفع شقاء عمره في الدفعة الأولى من ثمن السيارة، ويبقى وأسرته مستأجرين في شقة صغيرة لا تشبه الشقق كما يقول، وكانوا يأملون تسديد أقساط السيارة البالغة 13 ألف ل.س شهرياً والاستعانة بما تبّقى من مبلغ الـ20 ألف ليرة سورية والتي هي قيمة تأجير السيارة، فوجئ مدني باتصال هاتفي يأتيه بناء على الإعلان الذي نشره في إحدى الجرائد الإعلانية عن حاجته لمستأجر لسيارته، كان الاتصال في الحادية عشرة ليلاً وكان الشخص الذي اتصل به وادّعى أنّه صاحب مكتب لتأجير السيارات في جرمانا، يلحّ على حاجة المرأة لاستئجار السيارة فوراً، يقول مدني: «أحرجوني وجاؤوا إلى بيتي وكتبوا العقد في الشارع، فكان عقد إعارة، لكنني لم أكتشف إلاّ لاحقاً بأنني أجّرت السيارة لامرأة غير سورية، ولو علمت ذلك لما فعلت». ‏

وما حصل مع بديع مدني حصل مع ماهر حمودة ومع بيبرس اسماعيل وأدهم خضر ووجدي سلامي وجلال زاعور وأحمد محفوظ وجمال علي الصالح، وغيرهم كثيرون ممن اعتقدوا أنّهم قد يجدون في تأجير السيارات مورداً يساعدهم على تحسين دخل أسرهم، لكن هؤلاء أكّدوا لنا ولمحاضر الشرطة التي اشتكوا إليها، أنّ حياتهم انقلبت رأساً على عقب بعدما تحوّلت السيارات التي اشتروها بالتقسيط من مصدر للرزق إلى مصدر للابتزاز - كما يقول جمال علي الصالح - فالخاطفون الذين انتقلت إليهم السيارات في ريف إدلب يطالبون بالفدية للإفراج عنها، وشركات السيارات بدأت تطالبنا بالأقساط المتراكمة وتهددنا بالحجز على بيوتنا. ‏

فدية ‏

لم يكن يعلم كل هؤلاء الناس - كما صرّحوا لنا وللشرطة - أنّ سياراتهم التي أجّروها بالمفرّق لسيدة تدّعي أنّها موظفة في وزارة النفط - كما قال كثيرون منهم أو ربة منزل- أن تتحوّل سياراتهم في صباح اليوم التالي إلى حلب ليستلمها طارق عبيد والذي هو صاحب مكتب لتأجير السيارات في حلب قيل إن اسمه (الطارق). ‏

وتعترف سوزان رسمياً وفي محاضر التحقيق، بأنّها تؤجّر السيارات لطارق عبيد بعدما تستأجرها من الناس، بما فيها السيارات التي أخذتها بعقود إعارة أو بموجب عقود استئجار تنص صراحة على منعها من تأجير السيارة للغير. ‏

تعترف سوزان بكل بساطة بأنّها تؤجّر تلك السيارات للغير، لكنّها لا تذكر ماذا تسمّي هذا العمل وهي التي تصرّ في كل أقوالها على نفي أنّ تتصف بـ«النصب والاحتيال». ‏

أمّا الرجل الذي يحتفظ حتى الآن بأكثر من 70 سيارة من دمشق بإحدى قرى ريف إدلب، ونقصد هنا طارق عبيد فهو يوضّح لنا القصة من وجهة نظره بعدما اتصلنا به على هاتفه الخليوي المعلن على الملأ برغم أنّه مطلوب للعدالة، قال لنا طارق عبيد في الاتصال الذي دام معه أكثر من نصف ساعة: «لدي تحويلات مالية مرسلة من قبلي عبر شركتي الهرم والإكسبريس إلى سوزان حماة تبلغ نحو ستة ملايين ليرة سورية، وهي تؤكّد أنني مستأجر منها تلك السيارات بشكل نظامي وهي وزوجها - سوزان وباسم - كانا يبلغانني بأنّ عقود الإيجار التي لديهما تخوّلهما تأجير السيارات للغير، وكنت أستأجر كل سيارة منهما بمبلغ 150 ألف ليرة سورية، تتضمن (100 ألف ل.س كتأمين عن السيارة تعاد حين تسليمها+50 ألف إيجارها عن ثلاثة أشهر). ‏

ومبلغ المئة والخمسين ألف ليرة سورية الذي يطالب به طارق عبيد لقاء تسليمه كل سيارة يسمّيه هو استعادة المبلغ الذي دفعه لسوزان ويسمّيه الضحايا «فدية». ‏

الخضوع للابتزاز ‏

أستاذ مدرسة في ريف دمشق اسمه (إحسان) يقول لنا: «دفعنا 175 ألف ل.س حتى تمكنّا من استعادة السيارة، وقد خضعنا لعملية معقّدة من الإجراءات والمراقبة التي جرت في قرية كفر البطيخ وما حولها حتى تمكنّا من استعادة السيارة». ‏

ويقول: «لقد تحوّلت مشكلة السيارة إلى مرض أقضّ مضجع العائلة، وتسبب بتدهور الحالة الصحية لوالدتي، لذا قررنا أن نشتري راحت بالنا ونخضع للابتزاز». ‏

وقد كان هذا الشعور نفسه هو ما دفع «أبو علاء» صاحب مكتب السيارات في الحجر الأسود لدفع مبلغ 150 ألف ليرة سورية واستعادة سيارته والسبب الرئيس كما يقول: «السيارة هي ملك لأخي، وقد تحوّلت إلى مرض لم يدعني أنام الليل، لذا قررت أن أدفع المبلغ وأرتاح من الشعور بالغدر الذي عشته». ‏

ويروي أبو علاء عن رحلة استعادة السيارة ودفع المبلغ: «بعد أن استقبلنا عدد من سائقي الدراجات النارية باستعراض للمضايقة والتفتيش، تمكنّا من الوصول إلى الوسيط «أبو عدي» بعد سلسلة إجراءات، وعشنا حالة من الرعب والترقّب والخوف على السيارة الثانية التي جاءت بنا من الشام، ثم تحدثنا مع الوسيط بلغة النخوة ودفعنا المبلغ، ثم خضع المبلغ للفحص من التزوير وخضعت المنطقة لإجراءات تمشيط وتفتيش حتى وقت متأخر من الليل إلى أن استلمنا السيارة». ‏

ورداً على سؤالنا يقول طارق عبيد: «أبو عدي هو شخص وسيط فقط، وهو يساعد على تسليم السيارات وتقديم الضيافة لأصحابها ما دمت أنا لا أستطيع مقابلتهم لأنني مطلوب»، ويضيف: «سأبقى فاراً حتى أتمكن من تسليم كل السيارات لأصحابها بعد أن أحصل على أموالي التي دفعتها، لأنني لو سلّمت نفسي فسأدخل السجن ولن أستفيد ولن يستفيد أصحاب السيارات». ‏

‏ استعادة 15 سيارة ‏

من استطاع الدفع لطارق عبيد فقد استعاد سيارته، وهم حتى الآن 15 صاحب سيارة كما أخبرنا عبيد، والذي لم ينف أنّه بدأ بالتنازل في قيمة المبلغ الذي يطلبه، والذي يتوقف على طبيعة صاحب السيارة وأحواله المادية، ومنهم أحد المعوقين الذي وافق على تسليمه السيارة من دون أي مبلغ كما يقول. ‏

ولذا يحكي لنا أصحاب السيارات عن حالة التذلل التي يعيشونها، وهم يتوسلون للوسطاء ويشرحون عن أحوالهم المادية وعدم قدرتهم على دفع الفدية. ‏

هذا عن السيارات المؤجّرة لدى طارق عبيد، بينما يتولّى التفاوض على السيارات المحتجزة لدى طارق جعفر زوجته التي تتولّى الرد والتفاوض على هاتفه بعد أن أصبح مطلوباً (وقد جرّبنا الاتصال بها والاتصال بالوسيط «أبو عدي» ولدينا تسجيلات لبعض المفاوضات على الفدية بينهم وبين بعض الضحايا). ‏

فيما يختفي علاء المحمد عن الأنظار ويتولّى وسطاء مخفيون التفاوض مع الضحايا من دون تدخّل أو مساعدة من أي جهة رسمية. ‏

‏إذاعة بحث ‏

ما حصل من وجهة نظر المحامي جهاد اللحام سببه أولاً جهل كثير من المواطنين بأصول القانون وابتعادهم عن استشارة المحامين، حيث يقول: «المواطن عندنا يتناول الدواء بناء على وصفة جاره، ويكتب عقوده بناء على وصفة مكتب عقاري أو معقّب معاملات، وعندما يقع ضحية للاحتيال، يتمنّى لو دفع قيم استشارة المحامي الرمزية ليتجنّب الوقوع في خسائر تكلّفه شقاء عمره»، ويضيف: «تنوّع العقود التي أجّروا بموجبها سيارتهم يؤكّد هذا الجهل بالقانون لدى الكثيرين». ‏

ويجيب اللحام عن تساؤلات الكثيرين حول أسباب عدم إذاعة البحث عن كل السيارات حتى الآن من قبل الجهات الرسمية، بأنّ: «السيارة المؤجّرة لا تتم إذاعة البحث عنها حتى ينتهي عقد إيجارها، وهذا من ثغرات القانون التي لا تسمح للمؤجّر سوى بالمطالبة بقيمة الإيجار والتي يمكن للمستأجر عدم دفعها، و لا يسوغ ذلك حبسه لأنّ المدين في القانون السوري لا يحبس». ‏

‏ مطلوبة للعدالة ‏

يقول الضحايا في شكاواهم وتصريحاتهم لتشرين إن وزارة الداخلية كان يمكنها حمايتهم أو حماية أغلبهم من الوقوع في شرك هذه الشبكة أو على الأقل منع وقوع المزيد من الضحايا، حيث كشف لنا بعضهم أنّ عقودهم مع سوزان جرت في الوقت الذي كانت مطلوبة فيه للعدالة لكّن الداخلية التي تزودها مكاتب تأجير السيارات بنسخة من عقود الإيجار لم تنبّه هذه المكاتب إلى أنّ هذه السيدة التي تجرون معها عقود الإيجار مطلوبة للعدالة. ‏

حمود المحمود

المصدر: تشرين

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...