تحرير قطاع الخدمات وآثاره السلبية على حياة السوريين

10-01-2008

تحرير قطاع الخدمات وآثاره السلبية على حياة السوريين

جرى مؤخراً الحديث عن تحرير قطاع الخدمات عبر ندوات نقلها الاعلام، ليتلقاها المواطن مستفسراً.. فهل أثّر ذلك على الشرائح الدنيا في مجتمعنا من حيث الدخل، أم لا شيء يُذكر، وإنما هو خطوة لا بد منها ضمن نطاق الإجراءات الاقتصادية..؟!.
وكيف فهم الناس هذا الموضوع، هل لتعريفهم الكامل به أهميةً، بحيث يكوّن ذلك مساهمة تحتاجها مسألة التحرير، أم ليست للأمر علاقة بذلك..؟!.

استطلعنا بدايةً عدداً من الآراء، حيث ورغم عدم وجود فكرة واضحة لديها عن مفهوم تحرير قطاع الخدمات، فقد عكست كما لاحظنا الكثير من القلق، ومرده كما عبّرت، هو النتائج التي كانت تُحصد بعد تطبيق كل تجربة جديدة، او السير وفق ملامح تطبيق مصطلحات جديدة.
ومن الأمثلة على ذلك.. ما حدث عقب تحرير الأسعار، حيث اكتوى الناس بناره، وشهدت الأسواق انفلاتاً كبيراً في الأسعار، وصل إلى حدّ بات فيه المواطن ينام على سعر مادة ما، ويستيقظ على آخرمضاعف، وقد وصلت الظروف المعيشية كما عبّروا إلى وضع أكثر سوءاً، منذ التعامل مع منطق اقتصاد السوق، حتى بعد إضافة «الصبغة الاجتماعية عليه»، والكل ما زال في حالة ترقّب ممزوجة بالخوف... لما سيأتي، ضمن خطوات ما يُسمى «بإعادة توجيه الدعم».
وكما أشرنا، لا توجد فكرة واضحة عن هذا المفهوم وانعكاساته، ظناً بأن الجانب الخدمي المتعلق بالمياه والكهرباء وغيرها، سيتأثر بحيث سترتفع التعرفة، مما يعني نفقات جديدة ستُضاف إلى نفقات الأسرة، إضافةً إلى ارتفاع أسعار المواد والخدمات التي تتوقف تكلفتها على الكهرباء والماء...الخ.

نقلنا ملخص تلك الآراء وما رافقها من حالة قلق... إلى مدير منظمة التجارة العالمية في وزارة الاقتصاد بدر كوجان، وخاصةً ان الوزارة التي عقدت أكثر من ندوة في هذا الإطار، على اعتبار ان تحرير قطاع الخدمات، هو جزء من اتفاقيات المنظمة، فأوضح بدايةً وبلغة مبسطة، ان تحرير الخدمات يعني إضافة خدمات جديدة يستفيد منها المواطن، مع زيادة في موارد الدولة، حيث لها اعفاءات من الضرائب، عكس تحرير السلع، الذي يعني انخفاضاً في الرسوم الجمركية، وبالتالي تنخفض حصيلة الدولة من الموارد.
وللتوضيح أكثر، فعند إضافة خدمة جديدة على اي صعيد، فإن المواطن سيدفع للحصول عليها، ولكن الجهة التي ستقدم هذه الخدمة ستدفع الضريبة للدولة.
والقطاع الخدمي.. هو مساند للقطاعات الصناعية والتجارية، وبالتالي تحسينه، سيؤدي إلى رفع سوية التنافسية في القطاعات الأخرى، وخاصةً ان معدلات نمو القطاع الخدمي على الصعيد العالمي.. يتم بوتائر أسرع من نمو القطاعات الأخرى، وبالتالي... فإن المستقبل للقطاع الخدمي.

عندما يتم تحرير قطاع تزويد الانترنت، وهو في النهاية خدمة، فإن هذا سيؤدي إلى انخفاض أسعار تلك الخدمة، بسبب خلق منافسة قد تؤدي إلى تقديم الخدمة مجاناً، وبالتالي صار بإمكان المواطن الحصول على كم من خدمات المعلومات مجاناً (الطقس - الأسعار - الطيران ....الخ)، وهذه المجانية تتولد عندما تتعزز مصلحة الشركات الواسعة في مجال الانترنت، كونها يُشكّل لها جانب دعائي واعلاني كبير.

هاجس الناس الذي لمسناه في مجال الخدمات الأساسية المتعلقة بالكهرباء والمياه وغيرها، وتخوفهم بأن يؤدي ذلك إلى ارتفاع في تكاليف الحصول على تلك الخدمات، نقلناه إلى كوجان، الذي أوضح بأن الخدمات الأساسية قد لا يطالها، لأنه في النهاية هو خيار الدولة.. فالخدمات التي تقدمها الدولة هي خارج نطاق تحرير الخدمات في إطار منظمة التجارة العالمية... وقد تُقرر أية دولة تنشيط مجال خدمة أساسية معينة، بحيث يفتح المجال أمام مستثمرين، لتقديم خدمات فرعية متعلقة بالخدمات الأساسية، كأن يتم السماح مثلاً لمستثمرين، وضمن شروط معينة، تقديم خدمات في مجال شبكة الهاتف الأرضي، لكن هذه الخدمة أساسية تبقى في يد الدولة، وهذا ما حدث في قطاع التأمين والمصارف على سبيل المثال.
إذاً لا شيء ملزم في مجال تحرير الخدمات، وكله قابل للتعاون، كما يؤكد كوجان، ويبقى الموضوع الأساسي هو موضوع الالتزام.. فسورية مثلاً حررت قطاع التعليم، وفتحت المجال للتعليم الخاص، ولكن ضمن نطاق الطرف الواحد وبخيار الدولة، وعندما يتم إدراج ذلك القطاع في جداول الالتزامات المقدمة إلى منظمة التجارة العالمية، يصبح هناك التزام في إطار متعدد الأطراف، وحينها لا نستطيع التراجع عنه إلا بالتفاوض مع جميع الدول الأعضاء في المنظمة.. فالآن لا يحق لأحد ان يساءلنا، فيما لو قررنا إجراء اي تعديل في مجال تحرير المصارف او التعليم، كوننا لم ندخل المنظمة، وبمجرد دخولنا، هذا يعني حصولنا على استفادة دخول أسواق الخدمات في كل الدول وضمن جداولها، وبالتالي اي تراجع لن يكون مسموحاً.

مدير مديرية منظمة التجارة العالمية، يشير صراحة.. ان تحرير قطاع الخدمات هو في النهاية لصالح المواطن، لأنه يفتح آفاق الحصول على الخدمة بأقل التكاليف، ويخلق المزيد من فرص العمل، ويزيد من تنافسية القطاعات الأخرى الزراعية والصناعية... الخ.
فلو أخذنا خدمة التبريد، فإنه في حال تم توافرها بشكل واسع، فإن القطاع الزراعي سيتأثر، بحيث يصبح بالإمكان الاحتفاظ بجزء من المحاصيل، وهذا يعني زيادة التنافسية في القطاع الزراعي، وكذلك في حال توفرت خدمة التعليب في أماكن الإنتاج  الصناعي بأساليب تعليمية راقية، فهذا يعني رفع مستوى كفاءة ذلك الإنتاج، بحيث قدمت منتجاً معلباً بشكل راقٍ، يعطيه فرصة أكبر للنفاذ إلى الأسواق، وهذا يعني خلق قيم مضافة ونحن بأمس الحاجة لها.
وكمثال آخر، في حال تم توفير خدمة الأبحاث والتطوير، فكم من نتائج ايجابية كثيرة سيتم حصدها!!.

العديد من الوزارات تقوم بتقديم مختلف أنواع الخدمات، ولكن إذا ما تم تحرير خدمات معينة، فإنه حتماً سيكون من واقع حاجة البلد لذلك، وهناك بعض الخدمات من الصعب على الدولة تحريرها، لأن موضوع تحرير قطاع الخدمات، هو خاضع لشروط سيادية تتناسب والظروف العامة للبلد، ولا يتم التحرير كيفما اتفق، وحتى عند انضمامنا إلى منظمة التجارة العالمية، فإنه سيتم وضع شروط قابلة للتفاوض.
ويبين كوجان ان مساهمة قطاع الخدمات في الناتج المحلي الإجمالي لدينا يتفوق على القطاعات الأخرى بنسبة كبيرة، ولذلك فإن آفاقاً كبيرة سنشهدها عند السير بخطوات تحريره.

أقيمت مؤخراً، ورشة عمل حول مفاوضات تجارة الخدمات في إطار منظمة التجارة العالمية، التي أقامتها وزارة الاقتصاد والتجارة، بالتعاون مع مؤسسة انفنت الألمانية، وتحدث معاون وزير الاقتصاد، غسان العيد، الذي اعتبر ان قطاع الخدمات من القطاعات الاقتصادية الهامة في سورية، الذي يضم الكثير من القطاعات الفرعية، كالسياحة والنقل والصحة والتعليم، ويعمل فيه 40٪ من قوة العمل، ويساهم بأكثر من 34٪ من الناتج المحلي الإجمالي، ويشهد نمواً بوتائر أسرع من غيره.
واللافت ان سورية قد قطعت شوطاً في تحرير هذا القطاع ولو بشكل تدريجي، وتجري مفاوضات مع الدول العربية لتحرير القطاع في إطار منظمة التجارة العربية الحرة الكبرى.. ومن الأمثلة على ما تم إنجازه في إطار التحرير، هو الوصول إلى المراحل الأخيرة من تحرير التجارة الخارجية، على ان تشهد المرحلة المقبلة تحريراً كاملاً للتجارة الخارجية لدى صدور القائمة السلبية المختصرة.
بعيد هذا الكلام، صدر العديد من ردود الفعل حول مسألة تحرير الخدمات وأثر ذلك على التنمية والعمالة وغير ذلك.

ليس المجال هنا لعرض «من مع ومن ضد»، بقدر ماهو اضاءة ليعرف المواطن حقيقة التوجهات وأثرها وانعكاسها عليه وعلى المجتمع ككل، ولكن أياً تكن التوجهات، فمن المهم أن تصل إلى النتائج المرجوة بأقل الخسائر، وبمشاركة كل الأطراف من المواطن إلى الباحث إلى الصناعي إلى صاحب القرار، فحتماً لابد من أن هناك ثمناً لابد من دفعه لأن في النهاية هناك معادلة ستكون وهي من سيحصل على الخدمة هو من يملك ثمنها حتى ولو كان هناك تنافسية، لأن الخيارات مهما اتسعت.. فهي ضيقة أمام الشرائح الدنيا في مجتمعنا، ولذلك لابد من السير بخط متوازٍ لرفع مستوى معيشة تلك الشرائح لتكون قادرة على تلمس النتائج الايجابية المتوقعة من أية خطوة تخطوها، والا ستكون نقمة عليها وسيتولد عنها الكثير من المشكلات.

غسان الصالح

المصدر: البعث

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...