الكلام والإيماء: أيهما سبق الآخر.. الشمبانزي تجيب عن ذلك

26-12-2007

الكلام والإيماء: أيهما سبق الآخر.. الشمبانزي تجيب عن ذلك

الجمل- د.عمار سليمان علي:   يلجأ معظم الناس أثناء كلامهم إلى حركات اليدين, وربما حركات أعضاء أخرى, وهي ما تعرف بلغة الجسد. وتشير لغة الجسد إلى عملية نقل للرسائل من خلال حركات الجسد, باستثناء تلك الحركات التي تشكل جزءاً من اللغة المنطوقة أو الرمزية. لبعض الإيماءات معان محددة تماماً, مثل تلك التي تستخدم للوداع أو للطلب من شخص ما أن يقترب. أما الإيماءات الأخرى فتكون عموماً مصاحبة للكلام, كتلك التي تستخدم للتأكيد عحسب السياق والموقف يمكن أن تعني هذه الإيماءة إما: أريد بعضاً من ذلك الطعام. أو: رجاء ساعدني.لى نقطة معينة. وعلى الرغم من وجود تشابهات عديدة في لغة الجسد بين مختلف الثقافات والحضارات, إلا أن هناك أيضاً اختلافات أساسية في مدى استخدام لغة الجسد من جهة وفي تفسير حركاتها من جهة أخرى, فعلى سبيل المثال يستخدم البلقان إيماءات الرأس لقول "نعم" و"لا" بشكل معاكس لما هي عليه في البلاد الأوروبية. ولا يفوتنا هنا أن نذكر أن الكثير من الناس المصابين بالصمم في كل أنحاء العالم يتواصلون مع الآخرين ـ المشابهين لهم وغير المشابهين ـ باستخدام الإيماءات والإشارات.
هنا يقفز إلى الذهن السؤال الصعب: أيهما سبق الآخر: الكلام أم الإيماء؟! وهل كان للإيماء دور في تطور اللغة؟!. شغلت هذه الأسئلة الباحثين والعلماء منذ القديم, وما تزال. وجديد هذا الموضوع الشائك هو البحث الذي نشر مؤخراً وأظهر أن قرود الشمبانزي والبونوبو (أو ما يسمى بالشمبانزي القزم)  يمكن أن تتواصل باستخدام إشارات اليدين بشكل أكثر مرونة مما تفعل باستخدام تعابير الوجه أو الألفاظ. واستنتج الباحثون أن هذا الاستخدام المرن لحركات اليدين لنقل معان مختلفة في ظروف متنوعة يقترح أن الإيماءات والإشارات ربما تكون قد لعبت دوراً هاماً في تطور اللغة.
فكر أولئك الباحثون ملياً حول الكيفية التي طورت المقدرة على اللغة المعقدة لدى الأنواع قبل الإنسانية. وتقترح إحدى النظريات الهامة حول الموضوع أن أسلاف القرود المقلدة للإنسان قد تواصلت بداية باستخدام الإشارات والإيماءات, وحالما تطورت الدارة العصبية الخاصة بلغة الإشارات والإيماءات, فإن هذه النواحي الدماغية نفسها يحتمل أن تكون تحولت إلى إنجاز التواصل اللفظي. وفي الواقع أظهر البحث أن القرود الحديثة تستخدم لتفسير إشارات اليد نفس الناحية من الدماغ التي يستخدمها الإنسان للتعامل مع اللغة المنطوقة.
أجري هذا البحث في مركز أبحاث الرئيسيات الوطني في أتلانتا, بمشاركة مجموعة من الباحثين منهم: فرانس ب.م دي وال, آمي س. بوليك. قام الباحثون بمراقبة التواصل بين 34 شمبانزي و13 بونوبو محجوزين لغرض البحث. سجل الباحثون كل إشارة يد, وكل تعبير وجهي, وكل صراخ صوتي وجهه أحد الحيوانات إلى حيوان آخر. كما قاموا بمراقبة: اللعب ذي المحتوى الاجتماعي, التزاوج, القتال, الأداء الجنسي, الأكل, وهلم جرا... مع التركيز على الإشارات والإيماءات التي ترافق كلاً من تلك العمليات.
وجد العلماء من خلال بحثهم أن التعابير الوجهية الفردية والألفاظ المنطوقة كانت تلازم بشكل محكم سياقاً مفرداً, الأمر الذي يعطيها القليل من المرونة في المعنى وفي الاستعمال. إنما وعلى العكس من ذلك كان بإمكان القرود أن تستعمل نفس إيماءة اليد أو نفس الإشارة في سياقات متعددة. على سبيل المثال: مد الراحة المنعطفة أثناء الأكل يبدو أنه طلب للمزيد من الطعام, أما في محطات القتال فنفس الإشارة تعني الرغبة في الحصول على دعم ومؤازرة.
يقول بوليك, الذي شارك في البحث, ويعمل حالياً زميلاً في الجمعية العلمية للطب النفسي في واشنطن العاصمة:"الإيماءة هي خطوة مرحلية باتجاه التواصل الرمزي". وفيها لا توجد علاقة بين شكل الإيماءة والمعنى الذي تدل عليه. إن استعمال الإيماءة أو الإشارة  لنقل معنى يتغير حسب السياق يشير ضمناً إلى مقدرة على إعادة تعريف الإيماءات والإشارات. إذن ـ يقول بوليك ـ ليس هناك صلة بين الإيماءة أوالإشارة وبين السياق العاطفي, كما هو الحال مثلاً في صرخة القرد.
الشمبانزي والبونوبو هما أكثر الأقارب التطوريين قرباً من الإنسان. فسلالة الإنسان تفرعت عن سلالة الشمبانزي ـ البونوبو منذ حوالي ستة ملايين سنة, والجد المشترك الأخير للبونوبو والشمبانزي عاش منذ حوالي 2,5 مليون سنة. إن أي تشابه في كيفية استعمال نوعي القرود لإشارات اليد يحتمل أن يكون موروثاً من ذلك الجد المشترك, مما يمنح العلماء والباحثين نافذة على التاريخ.
من جهتها سوزان كولدن ميدو التي تدرس اللغة والإشارة الإنسانية في جامعة شيكاغو تعلق على الموضوع قائلة:"أعتقد أن هذا هو أفضل أنواع الأدلة التي يمكن اكتشافها". وتعني: حول كيفية تطور اللغة. ثم تضيف:"لا تبوح الحفريات والمستحاثات بأي شيء تقريباً حول كيفية التواصل لدى الجد الأعلى البعيد للبشر, لذلك يستطيع العلماء فقط التخمين أو الاستنتاج من التاريخ, بمراقبة الإنسان الحديث والرئيسيات الأخرى". وتقدم ميدو مثالاً :" تستخدم القرود المقلدة حركات اليدين للتواصل, أما القرود العادية والحيوانات الأخرى فلا تفعل. والإيماءات والإشارات هي كلية الوجود في التواصل الإنساني, "وفي كل الثقافات والحضارات نحن نومئ تماماً كما نتكلم".
ولكن, وعلى الرغم من ما سبق, لا يوافق العلماء على أن الإيماءات والإشارات قد أثرت في تطور اللغة, وعلى سبيل المثال تقترح كولدن ميدو أن تطور حركات اليدين بالتوازي مع الألفاظ الصوتية, هو أكثر ترجيحاً من كونها سابقة لها!.

الجمل

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...