الخروج والسبي أسطورة واليهودية انتشرت بالتبشير

08-01-2010

الخروج والسبي أسطورة واليهودية انتشرت بالتبشير

خلافاً للمؤرخين الإسرائيليين الجدد الذين انحصرت أبحاثهم بعام 1948 وما تلاه, يغطي شلومو ساند في كتابه هذا كامل التاريخ اليهودي ليس كأحداث متراكمة بل كعرض نقدي للخطاب التارخي اليهودي بمختلف مراحله وتياراته.
يطرح ساند سلسلة من الأسئلة المحرّمة في اسرائيل, وبين اليهود عامة, تطول الأسس الرئيسية لبناء الرواية الصهيونية واليهودية عامة للتاريخ: هل يمكن الحديث عن «شعب» يهودي وجد واستمر آلاف السنين بينما زال الكثير من الشعوب الأخرى من الوجود؟ كيف ولماذا أصبحت التوراة كتاب تاريخ يروي نشوء «أمة» علماً بأن لا أحد يعرف بدقة متى كتب؟ هل هاجر اليهود فعلا من مصر؟ هل وجدوا أصلاً فيها ليهاجروا منها؟ إلى أي حد يمكن اعتبار حكم السلالة الأسمونية Les Hasmonéens في يهودا دولة / أمة مع العلم أن رعاياها لا يتكلمون اللغة نفسها؟ هل تمّ فعلاً نفي سكان مملكة يهودا بعد تدمير الهيكل أم أن ذلك لا يعدو كونه مجرد أسطورة مسيحية شقت طريقها الى التراث اليهودي الذي جيّرها فيما بعد لمصلحته؟ واذا لم يكن هناك نفي فمن أين أتى يهود العالم اذن؟ ثم ما الذي يجمع ثقافياً وإتنياً (بالمعنى المدني) يهود مراكش ويهود كييف مثلاً؟ واذا كان لا وجود لوحدة ثقافية بين الجماعات اليهودية المختلفة أتكون هناك «وحدة دم»؟ هل صحيح أن هناك «جيناً يهودياً» كما يدّعي الكثيرون؟ أفلا يعطي هذا لهتلر بعد موته الحق على الصعيد المفهومي؟ وأخيراً وليس آخراً هل اسرائيل دولة ديموقراطية فعلاً؟
للاجابة على هذه الأسئلة صاغ ساند أطروحته كما يلي: «شكّل اليهود دائماً جماعات دينية مهمة اتخذت لها موطئ قدم في مختلف مناطق العالم، ولكنها لم تشكل شعباً (ethnos) من أصل واحد وفريد تنقل من ثم عبر التشّرد والنفي الدائمين» ص. 63. ثم حدّد الهدف الذي طمح إليه من خلال هذا الكتاب ألا وهو كتابة تاريخ نقدي مضاد للتاريخ اليهودي الرسمي يساهم في دمج الهويات المحلية الناشئة بوعي نقدي وكوني للماضي مستوحياً كما يقول سؤال المفكر الفرنسي مارسيل دتيان Marcel Detienne : «كيف يمكن نزع الطابع الوطني (القومي) عن التواريخ الوطنية (القومية)؟».
أسطورة الخروج
سهّلت حرب الـ 1967 عمليات التنقيب بشكل كبير، لكن النتائج بدأت تبرز تناقضات الايديولوجيا الصهيونية لذلك كان يؤجل الإعلان عنها أمام الجمهور العام عشرين عاماً. عام 1970 حصل تطور في علم الآثار تحت تأثير مدرسة الحوليات التاريخية في فرنسا وارتدى الطابع الاجتماعي للبحث التاريخي أهمية أكبر من الطابع السياسي ووصل هذا التحوّل الى الجامعات الإسرائيلية. هكذا بدأت تناقضات الرواية الرسمية بالبروز وهو ما يزعزع الأساطير المؤسسة ليس فقط لدولة اسرائيل بل للتاريخ اليهودي عامة. هل هاجر ابراهيم حسب التسلسل الزمني التوراتي في القرن 21 -20 ق. م.؟ الرواية التوراتية لمرحلة «الآباء» تشير الى الفيليستنيين philistins والى الآراميين وكذلك الى الوجود الكثيف للجمال. لكن جميع الشواهد الأركيولوجية والكتابات والنقوش تتفق على أن الفيليستينيين لم يظهروا في المنطقة قبل القرن الثاني عشر ق.م. أما الآرامييون فإن جميع النقوش لا تشير الى أي وجود لهم قبل القرن الحادي عشر ق.م. كذلك لم توجد الجمال كحيوانات مدجنة في المنطقة قبل بداية الألف الأول ق.م. يشير ساند الى الباحث الأميركي توماس طومسون الذي يرى أن روايات مرحلة «الآباء» هي كتابة ايديولوجية واعية بكونها كذلك وأنها كتبت بعد قرون عدة وأن الكثير من الأسماء التي وردت في سفر التكوين لم تظهر فعلا قبل القرن السابع وحتى القرن السادس ق.م. يوضح ساند في هذا الاطار أن مدينة أور كانت أهم مركز ثقافي في ذلك العصر وأن النسب الثقافي كان أكثر أهمية من الملكية «الوطنية» للأرض ولذلك نُسب ابراهيم الى بلاد الرافدين. لهذه الأسباب وغيرها يرى ساند أن اسطورة هجرة ابراهيم لا تصمد أمام البحث الدقيق وهو ما ينسف الوعد الإلهي بأرض كنعان التي هي وضعت أصلاً لتبريره. هل يكون كتبة التوراة المجهولو الهوية من مدينة أور؟ يتساءل ساند.
ماذا عن أسطورة الخروج من مصر؟ انها أيضاً محاولة ربط الأصل نفسه بمركز ثقافي شهير (مصر) التي تجد صداها في هذه الأسطورة. إن النقوش المصرية على نصب الفرعون مرنبتاح (1235- 1224 ق.م.) أثبتت أنه كان هناك كيان ثقافي صغير في كنعان اسمه اسرائيل الى جانب جماعات أخرى ادعى المصريون أنهم دمروه. كانت كنعان تحت السيطرة المصرية في القرن الثالث عشر ق.م. «هكذا يكون موسى قد قاد العبيد المحررين من مصر الى مصر. وإذا استندنا الى رواية التوراة فإن موسى قاد في الصحراء ستمئة ألف مقاتل وعائلاتهم أي ما يقارب مليوني نسمة وذلك خلال أربعين عاماً». ص. 167. كل ذلك دون أن يترك أي أثر أركيولوجي أو نقشي. كان المصريون يشيرون بكثير من الدقة الى الأحداث التي تقع في المملكة لكن لاوجود لأي مرجع أو حتى اشارة الى أن «أبناء اسرائيل» عاشوا في مصر ثم انتفضوا وخرجوا منها في أي عصر من العصور. يضاف الى ذلك أن جبل سيناء الشهير لم «يكتشف» أحد حتى يومنا هذا مكان وجوده. إن احتلال كنعان وإبادة سكانها, حسب كتاب جوشاوا, والتي تعدّ أول مجزرة في تاريخ البشرية, لم تقع لحسن الحظ وهي إحدى الأساطير التي دحضتها الأركيولوجيا كلياً.
الرواية التوراتية الأخرى, التي يعتبرها جميع المؤرخين الإسرائيليين حجر الزاوية في الذاكرة الوطنية والمرحلة الأكثر إشراقاً والأكثر تأثيراً في التاريخ اليهودي, دحضتها أيضاً الاكتشافات الأثرية الجديدة. انها مملكة داوود وسليمان التي يفترض أنها عاشت في القرن العاشر الميلادي. إن الحفريات التي تم القيام بها في 1970 في كل محيط المسجد الأقصى لم تثبت وجود أي أثر لهذه المملكة ولا حتى لأي أثر لسليمان الذي تجعله التوراة بمرتبة ملوك بابل وفارس نفسها. يقول ساند ان القدس في تلك المرحلة لم تكن سوى مدينة صغيرة وإن الملك سليمان لم يكن ليملك قصراً يتسع لزوجاته السبعمئة ولثلاثمئة خادم.
يخلص ساند بعد ذلك الى القول ان الأساطير المركزية هذه حول شعب يهودي قديم واستثنائي خدمت بإخلاص تام نشوء الفكرة القومية اليهودية والمشروع الصهيوني وأعطت تبريراً لعملية الاستيطان في الأرض الفلسطينية. لكنها بدأت تتفسخ في نهاية القرن العشرين, في اسرائيل نفسها وفي العالم, وتتحول الى مجرد خرافات أدبية تفصلها عن التاريخ الفعلي هوة سحيقة يستحيل ردمها.
الفصل الثالث يتناول بالبحث أسطورة المنفى. تقول الأسطورة إنه في العام 70 ميلادية دمّر الرومان الهيكل الثاني وطردوا اليهود. هكذا لم يبق أمام «الأمة اليهودية» الا التيه في العالم والحلم منذ ألفي سنة بأن تعود الى أرضها القديمة وتصبح شعباً حراً. الوظيفة الايديولوجية لهذه الأسطورة هي تأسيس إطار للهوية الإتنية وإنشاء ذاكرة مديدة قوامها إن الشعب – العرق المتخيل ما هو الا امتداد واستمرارمباشر لـ «شعب التوراة» اذ انه بدون نفي ليس هناك عوده.
يرى ساند أن الرومان لم يمارسوا مطلقا الطرد المنظم لأي «شعب « وحتى الأشوريون والبابليون لم يمارسوا طرد الشعوب التي استعبدوها. المرجع الرئيسي لنظرية المنفى هو فلافيو جوزيف الذي ادعى أن عملية تدمير الهيكل راح ضحيتها مليون ومئة ألف نسمة وسبعة وتسعون ألف أسير وعشرات الآلاف من القتلى في المدن الأخرى. يردّ ساند بالقول ان عدد سكان القدس في تلك الفترة لا يمكن أن يتجاوز 60- 70 ألف نسمة وإنه لا يوجد أي أثر ولا حتى مؤشر لعملية طرد من يهودا في الوثائق الرومانية كذلك لا وجود لأي اكتشاف أركيولوجي يثبت وجود مخيمات لاجئين على الحدود. فلافيو جوزيف يفبرك أعداداً لا أساس لها فهو يقول إن عدد سكان الجليل ثلاثة ملايين نسمة في الوقت الذي تبين الأبحاث اليوم أن عدد سكان مملكة يهودا ومملكة اسرائيل مجتمعتين كان حوالى 470 ألف نسمة فقط.
ان مصطلح المنفى كان يعني في القرنين 2 و3 ميلاديين الخضوع السياسي وليس النفي، حسب ما يؤكد البروفسور ميليكوسكي الأستاذ في جامعة بار ايلان. هذا ويرى اسرائيل يوفال الأستاذ في الجامعة العبرية أن أسطورة المنفى قد صيغت في وقت متأخر جداً وأنه مصطلح ديني مسيحي اعتبر عقاباً لليهود لصلبهم المسيح وقد تمّ ضمّه الى التراث اليهودي في القرن الرابع ميلادي. مع الهيمنة المسيحية أصبح التزاوج بين الطرد والخطيئة, التدمير والمنفى جزءاً أساسياً من تعريف اليهود في العالم. لقد أصبح المنفى مصطلحاً ميتافيزقياً ولم يعد يرتبط بالوجود الجسدي أو عدمه في أرض الميعاد وحتى في الكابال (التفسير اليهودي الصوفي والرمزي للتوراة) أصبح من علامات الوحي الالهي. لهذا لم يطرح فكرة الهجرة الى أرض الميعاد الا نفر قليل اعتبروا ممن يعيش في الوهم حتى أن تلمود بابل يمنع الهجرة الجماعية الى القدس. ص. 191.
أخذ المؤرخون اليهود علما بتناقضات رواية الطرد بعد تدمير الهيكل فبدأوا يتحدّثون عن هجرة جزئية تمّت تحت الضغط ولم يشذ المؤرخون الصهاينة عن هذا المنحى. لكن المفاجأة الكبرى كانت عندما غيّر الصهاينة تاريخ بداية عملية النفي من القرن الأول الميلادي الى القرن السابع أي بداية الفتوحات الاسلامية. تمّت هذه العملية الايديولوجية لسببين: الأول يعود الى استحالة البرهنة على طرد اليهود عند تدمير الهيكل والثاني هو تقصير مرحلة المنفى ما أمكن لإثبات حق الملكية الوطنية لأرض فلسطين. بالرغم من هذه التناقضات حافظ المؤرخون, حتى الجديون منهم. على اسطورة المنفى وذلك للحفاظ على دورها التعبوي قومياً.
من المعروف أن عدد اليهود خارج مملكة يهودا عشية تدمير الهيكل الثاني (70 م) كان أكبر من عدد اليهود في هذه المملكة فمن أين أتى هؤلاء اذن؟ يرى ساند أن يهود بابل هم النخبة التي طردت بعد تدمير الهيكل الأول وأقامت هناك حيث كانت بلاد الرافدين مركزا ثقافيا عالميا ويرجح أن تكون فلسفة التوحيد نشأت هناك. ماذا عن يهود آسيا الصغرى وأفريقيا الشمالية وباقي حوض المتوسط؟ يجيب المؤرخون اليهود أن هؤلاء هاجروا تحت الضعط والإكراه وأن هجرتهم تشبه نموذج هجرة الفينيقيين واليونان والرومان في تلك العصور.
ساند يوجه أسئلة مدمرة فعلاً لرواية الهجرة هذه: كيف تأتى لشعب فلاحي صغير لم ينشئ امبراطورية أن ينتج هذا العدد من المهاجرين؟ اذا كان عدد المهاجرين لا يتعدى الآلاف (نخبة) كما ترى أغلبية الباحثين اليوم كيف قدر لهؤلاء أن يصبحوا عدة ملايين خلال قرنين من الزمن علماً بأن النمو الديموغرافي في ذلك العصر لم يكن سريعاً بسبب محدودية الأرض الزراعية؟ ثم ان الفينيقيين واليونان حين هاجروا لم تفرغ بلادهم من سكانها كما يدّعي المؤرخون اليهود بالنسبة ليهودا؟ كيف يفسر ذلك؟ واذا استمر الفينيقيون واليونان باستعمال لغتهم في مراكز هجرتهم فلماذا لم يكن المهاجرون اليهود يعرفون العبرية ولا الآرامية؟ لماذ اتخذ هؤلاء أسماء غير عبرية منذ الجيل الأول؟ واذا كانوا فلاحين لماذا لم ينشئوا مستوطنة عبرية - يهودية واحدة كما فعل الفينيقيون واليونان؟
التبشير
واضح اذن أن هناك عاملاً آخر يفسر وجود هذا العدد الكبير من اليهود خارج مملكة يهودا وأن المؤرخين اليهود لا يرغبون في الحديث عنه وهم إن أشاروا اليه وضعوه في آخر سلسلة العوامل التي تفسر الهجرة: انه التبشير والتحول (conversion) الى اليهودية. كذلك تمّ فرض اليهودية بقوة السلاح كما فعلت أول مملكة يهودية بقيادة سلالة الهسمونيين (les Hasmonéens) ذات الطابع الثقافي اليوناني الغالب والتي جمعت لأول مرة في التاريخ بين رجل الدين ورجل السياسة. Jean Hycran , مؤسس هذه السلالة, فرض اليهودية على جيرانه في الجنوب الى ما بعد بئر السبع عام 125 ق.م. وابنه Aristobule اجتاح الجليل وضمّه الى مملكة يهودا ودمّر ابنه الآخر Alexandre Jannée مدناً في الأردن الحالي وفي فلسطين لرفضها التهود.
أما أول مملكة تحوّلت الى اليهودية حارج يهودا فهي مملكة هيدبا Adiabène التي تهوّد زعماؤها في القرن الأول ميلادي وامتدت أراضيها من كردستان الى جنوبي أرمينيا الحالية.
من جهة أخرى كان الرومان متعددي الآلهة ومتسامحين مع الأديان الأخرى وهم سمحوا بالتبشير اليهودي طويلاً الى أن أصبح يهدّد آلهتهم فقاموا بطرد المبشرين في عام 19 ب. م. من العاصمة وتكرر ذلك مرات عدة. يقول ساند ان تسامح الرومان أدى الى أن يشكل اليهود قرابة 7- 8 بالمئة من سكان الإمبراطورية في مرحلة معينة. أدّى انتصار المسيحية في القرن الرابع الى وضع حدّ للتبشير اليهودي.
ماذا كان مصير سكان مملكة يهودا بعد انتصار المسيحية؟ تحوّلت الأكثرية الى المسيحية، لكن بقي هناك قلة من اليهود والوثنيين الهامشيين. وعندما أتى الفتح الإسلامي استقبله اليهود «كنعمة إلهية»، كما يقول ساند وذلك لتسامح الجيش الإسلامي و«ليبراليته» تجاه المعتقدات الأخرى شرط أن تكون توحيدية. لقد ساهم ذلك في عودة عدد من اليهود الذين غادروا المنطقة بسبب البيزنطيين وهو ما يعترف به المؤرخ الصهيوني دينور. أدّى الشبه بين اليهودية والاسلام وإعفاء المتحوّلين الى الإسلام من الضرائب الى اعتناق الكثير من اليهود للإسلام، وهو ما يعتبره الكثير من اليهود خيانة وتابو الى حد كبير. على هذا ليس الفلاحون الفلسطينيون بالنسبة للكثير من المؤرخين اليهود أحفاد الفاتحين العرب بل هم يهود اعتنقوا الإسلام. دامت هذه النظرة حتى ثورة 1936 حيث بدا المؤرخون الصهاينة بالتخلي عن حلم دمج الفلسطينيين «ذوي الثقافة الشرقية الدنيا والبدائية» ليتحوّل هؤلاء بنظر متعهدي الذاكرة اليهودية الى مهاجرين عرب وفدوا بكثافة خلال القرن الـ 19 م. واستمروا بالوصول خلال القرن العشرين بسبب جاذبية الاقتصاد الصهيوني المتطور. هل من تزوير أكبر من هذا التزوير؟
ينهي ساند هذا الفصل بالقول إن الكتب المدرسية طمست كلياً عمليات التبشير لتبيان أن كل الجماعات اليهودية خارج فلسطين هي من المنفيين مما يعطيهم الحق بالعودة، وبالأرض اضافة الى الانتماء الى شجرة العائلة اليهودية بدلا من أن يكونوا نتيجة تمازج عرقي بين جماعات انسانية مختلفة وهو ما يضعف الوحدة البيولوجية للأمة. لهذه الأسباب تم التعتيم الكامل على التبشير وتركت الأسطورة المسيحية عن المنفى تتغلغل في الساحة العامة خدمة للاستيطان.
الفصل الرابع يخصصه الكاتب للتبشير اليهودي والأماكن التي وصل اليها وهو ما يسمّيه أماكن الصمت في الخطاب التاريخي اليهودي والصهيوني. كانت اليهودية تمارس التبشير في الأماكن التي لم تصل اليها الديانة التوحيدية كالجزيرة العربية, بلاد السلاف, جبال القوقاز, سهول الفولغا والدون, قرطاجة القديمة وحتى أسبانيا المسلمة وهي كانت تتسلل الى مناطق تعيش مرحلة انتقال من البداوة الى مجتمعات ملكية.
انتقلت اليهودية من مملكة يهودا الى الحجاز وغيره عبر تجار سواء أثناء سفرهم أو عبر من استقر منهم في الواحات الواقعة على مفاصل الطرق التجارية، وكانت جاذبيتها تعود الى كونها تتحدّث عن خالق للكون لا حدود لقدرته ولكونها تعد بالبعث.
في الربع الأخير من القرن الرابع الميلادي تهودت مملكة حِمْيَر التي عرفت أيضاً بمملكة سبأ واستمرت يهودية حتى الربع الأول من القرن السادس. يشير ساند الى تضارب الروايات حول من هوّد المملكة لكن التراث الاسلامي يعزو ذلك الى أبو كريب أسد. مهما يكن خاضت هذه المملكة صراعاً مع مملكة أكسوم (AXOUM) الأثيوبية الواقعة تحت النفوذ البيزنطي ليس لأسباب دينية فقط بل لأسباب سياسية وتجارية حيث كانت الأمبراطورية البيزنطية تريد السيطرة على مضائق البحرالأحمر. بعد سيطرة قصيرة لمملكة أكسوم عاد ذو نواس (العرب يسمّونه مسروك لشعره المجدّل) وفرض اليهودية في حمير وهو الذي أعمل ذبحاً بالمسيحيين. مما دعا ملك أكسوم الى التدخل بمساعدة بيزنطية فسقطت مملكة حمير عام 525 م. حاول سيف بن ذي يزن أحياءها بعد خمسين عاماً ففشل. يعتم التاريخ اليهودي على مملكة حمير لاعتناقها الاسلام.
لقي تاريخ اليهود في شمال أفريقيا التعتيم نفسه الذي تمّ على مملكة حِمْيَر واعتبر المؤرخون اليهود أن يهود المغرب هم أحفاد اليهود المنفيين بعد تدمير الهيكل الأول أو أحفاد أحفاد اليهود الأسبان, المنفيين هم أيضاً. يعود توسّع اليهودية في أفريقيا الشمالية على ما يبدو الى من بقي من الفينيقيين (LES PUNIQUES) بعد تدمير قرطاجة في القرن الثاني ق. م. يبدو أن قسماً من هؤلاء تحول الى اليهودية بسبب قرب لغتهم القديمة من لغة التوراة، ولكون قسم منهم كان يمارس الختان. ثم إن هؤلاء رفدوا بالعبيد الآتين من يهودا بعد تدمير الهيكل. يذكر ساند أن ابن خلدون روى أن قسماً من البربر ذي أصول فينيقية والقسم الآخر من أصول كنعانية جاء من سوريا واعتنق اليهودية. هناك ما يسمّيه المؤلف الملكة - اللغز كاهينا (الكاهنة) التي تنتمي الى البربر اليهود DJERAOUA والتي قاومت الفتح الاسلامي بشراسة وردت هجوم المسلمين بقيادة حسان ابن النعمان الى أن تم قهرها بعد خمس سنوات عندما طبق الجيش الاسلامي سياسة الأرض المحروقة في مملكتها. أما يهود اسبانيا فقد أتوا من أفريقيا الشمالية بعد الفتح العربي كما أثبت اللغوي الاسرائيلي WEXLER والذي يؤكد أن العبرية والآرامية لم تظهرا في النصوص اليهودية في أوروبا قبل القرن العاشر الميلادي.
مملكة الخزر
اذا كان التاريخ الصهيوني قد أهمل مملكة حمير ومملكة كاهينا فإن مملكة الخزر اليهودية أثارت اهتماماً اكبرلأنها أكبر وأقوى ولأن هناك مصادر خارجية أكثر حولها. امتدت أرضها من كييف في الشمال الغربي حتى كريميه (Crimée) جنوباً ومن الفولغا الى جورجيا الحالية. اجتاح الخزر مملكة الساسانيين وناوشوا السكان المحاذين لهم ووصلت اختراقاتهم الى الموصل. هناك روايات متضاربة عن تحوّل الخزر الى اليهودية، لكن ساند يرجح الفرضية التاليه: هاجر مبشرون يهود من بغداد وخراسان واليونان الى بلاد الخزر لاستحالة التبشير في الأمبراطوريتين الاسلامية والبيزنطية فلجأوا الى بلاد لا تزال وثنية تشكل مجالاً خصباً لعملهم. ينقل ساند عن المسعودي أن ملك الخزر أصبح يهودياً في عهد هارون الرشيد وأن ملك بيزنطية رومانوس فرض على يهود مملكته أن يتحولوا الى المسيحية مما دفعهم للهرب الى بلاد الخزر. كذلك ربما كان الخزر قد اصطحبوا معهم في غزوهم للموصل بعض يهود هذه المنطقة.
هل شكل اليهود أكثرية في مملكة الخزر؟ الاسطخري يرى أنهم كانوا أقلية من النخبة الحاكمة بينما يرى ياقوت الحموي استناداً الى ابن فضلان أن الخزر وملوكهم كانوا جميعاً من اليهود. أما ساند فإنه يرجح أن تكون أكبر قبيلة خزرية قد تحولت الى اليهودية بينما بقيت قبائل أخرى وثنية وتحول عدد كبير الى المسيحية والاسلام. متى تم تدمير هذه المملكة؟ يبدو أن بداية النهاية كانت على يد امارة كييف التي انطلقت منها أول مملكة روسية تعززت وتحالفت مع بيزنطية. عام 1016 هاجم الجيش البيزنطي والروسي مملكة الخزر وقضوا عليها. هاجم السلاجقة الأتراك مملكة كييف سنة 1071 وفككوها.
نظر المؤرخون اليهود الغربيون, خاصة الأشكناز منهم, نظرة استعلاء الى مملكة الخزر لكن يهود أوروبا الشرقية وبعض المؤرخين السوفيات اهتموا بها. عام 1944 كتب أبراهام بولاك (أهم باحث في تاريخ الخزر برأي ساند) ان يهودية أوروبا الشرقية في معظمها مصدرها الأماكن التي فرض الخزر سيطرتهم عليها فرد عليه مؤرخ عنصري صهيوني: «لا أفهم لماذا يعتقد أنه يحمل لنا الفرح والفخر برد أصولنا الى الأتراك والمغول بدلاً من أصولنا اليهودية» ص.327 . منذ الخمسينيات وحتى يومنا هذا لم يكتب سطر واحد بالعبرية عن الخزر, يقول ساند. عام 1976 فجر آرثر كوستلر قنبلة كبيرة بنشره رواية بعنوان «القبيلة الثالثة عشرة» أراد من خلالها اثبات أن أجداد اليهود في أوروبا لم يأتوا من ضفاف الأردن بل من سهول الفولغا, وليس من كنعان بل من القوقاز مهد العرق الآري الذي يعتز به هتلر وهم جينياً أقرب الى الـ Huns, Ouigours, Magyars وليس لابراهيم واسحق ويعقوب. رمى كوستلر, على ما يقول, من روايته هذه الانتصار على هتلر قبل موته، لكنه لم يدرك الدور الذي يلعبه النضال ضد العنصرية واللاسامية في تدمير المخيال الصهيوني السائد ولم يدرك أيضاً الى أي حد يقوم اللغز الصهيوني بكامله على العلاقة بين ماض أسطوري وزمن إتني أزلي وفاقم الأمر كون الكتاب صدر في مرحلة استيطان واسعة بحاجة الى تبرير ايديولوجي وبغنى عن فضيحة من هذا النوع.
انهالت الهجمات على كوستلر من كل الأوساط واعتبره الكثيرون خائناً وصرح السفير الاسرائيلي في لندن أن الكتاب «عمل لاسامي موّله الفلسطينيون». ذلك أن الرواية الصهيونية الرسمية تقول إن يهود أوروبا الشرقية جاؤوا من ألمانيا بعد اقامة قصيرة في روما إثر طردهم من أرض اسرائيل. هذه الرواية تكمل الربط بين المقاربة الجوهرانية لشعب المنفى والتيه وبين مجد الثقافة الألمانية فكيف يمكن القبول برد الأصل اليهودي الى المناطق الأكثر تخلفاً؟ لكن ليس هناك أي دليل على هجرة اليهود من ألمانيا الى الشرق وحتى القرن السابع عشر كان اليهود في أوروبا الشرقية يتكلمون لغات مصدرها اللغات السلافية واللغوي الاسرائيلي Wexler يجزم أن لغة اليهود الشرقيين اليديش Yiddish قاعدتها سلافية وألفاظها من جنوب شرق ألمانيا. كذلك أن الأسماء اليهودية في أوروبا خزرية وسلافية وليست ألمانية.
يخلص ساند الى القول إن لا أحد له مصلحة في إحياء ذاكرة الخزر. إن الابتعاد عن التأريخ الديني لليهود وإجراء أبحاث أنتروبولوجية عن حياتهم اليومية يكشف عن غياب قاسم مشترك علماني ليهود أفريقيا وآسيا وأوروبا وبالتالي لا يسمح بالحديث عن «أمة» يهودية وهو ما تتحاشاه الرواية الرسمية لتاريخ اليهود.
الجين اليهودي
بعد الحرب العالمية الثانية أصبح استعمال مصطلح العرق صعبا نظرا للمجازر النازية التي ارتكبت باسمه فلجأت الإيديولوجيا الصهيونية الى الحديث عن «الجين اليهودي». تم تجنيد المختبرات العلمية ونشرت المقالات عن هذا الجين المزعوم في أهم المجلات العلمية الغربية ( The American Journal Of Genetics, Nature) . عام 2000 قامت هآرتز بنشر نتائج دراسة نشرت في مجلة علمية ألمانية تبين أن الفلسطينيين واليهود لهم الجينات نفسها. كانت تلك مرحلة أوسلو. اندلعت الانتفاضة الثانية بعد ذلك وبسحر ساحر نشرت الجريدة نفسها نتائج دراسة أخرى تبين انه لا وجود لأي شبه جيني بين الإسرائيليين اليهود وبين الفلسطينيين وأن الأشكناز واليهود الشرقيين يشبهون بعضهم كثيراً وهم قريبون جداً من الأتراك والأرمن وخاصة من الأكراد. بعد أقل من سنة برزت مشكلة جديدة ودائماً على صفحات الجريدة نفسها: إذا كان واضحاً أن الشرق الأوسط هو أصل الرجال اليهود فماذا عن النساء؟ إذ إن دراسة أجريت على تسع مجموعات نسائية يهودية أثبتت أن أصول هذه النساء ليست من الشرق الأوسط. والحل؟ لقد هاجر الرجال الى أرض اسرائيل بدون نساء واضطروا الى الزواج من نساء غير يهوديات! لكن هذا الحل بدا غير مقنع للكثيرين فخرجت أطروحة دكتوراه العام 2006 لتثبت أن 40 بالمئة من الأشكناز هم أحفاد «النساء الأربع» التي يتحدث التوراة عنها. سارعت معاريف للتذكير بأنهن ولدن في فلسطين. يذكر ساند كثيراً من هذه الدراسات «العلمية» ليبرز الاستغلال البشع للعلم من قبل الصهيونية في سبيل هدف واحد هو تبرير الاستيطان والاستيلاء على أراضي فلسطين. تلك هي إذن المقدمات لبناء دولة اسرائيل «الإتنية». لكن البيولوجيا لا يمكنها حل مشكلة الهوية كما أثبتت التجربة النازية وكان على العلمانية الصهيونية أن تلجأ الى الدين وتحوله الى قومية عنصرية وهو ما حصل فعلاً.
عندما أقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة تقسيم فلسطين والاعتراف بدولة اسرئيل فرضت في الوقت نفسه إعطاء الحقوق نفسها للفلسطينيين الذين بقوا داخل هذه الدولة. شكل الإسم الرسمي مأزقاً للدولة الناشئة: كيف تكون اسرائيل دولة يهودية, وهو مشروع الصهيونية, وتعطي حقوقاً متساوية للفلسطينيين؟ ترك بن غوريون العلماني مسألة الزواج بيد الحاخامين فصدرعام 1953 قانون يمنع الزواج المدني في إسرائيل وكان هذا دليلاً على أن «عربة اليهود العلمانية تبقى فارغة» على قول أحد الحاخامين. ثم صدر قانون العودة بداعي حماية المضطهدين لكن الحقيقة هي أن قاعدته هي الإتنية وليس الاضطهاد. ولما فتحت أبواب الهجرة وتدفق المهاجرون طرحت بشكل حاد مسألة: من هو اليهودي؟ بعد نقاشات طويلة صدر عام 1970 قانون يعرّف اليهودي كما يلي: «من كانت أمه يهودية ولم يرتبط بديانة أخرى». لكن المشكلة هي أن 30 بالمئة من المهاجرين الجدد, خاصة الروس, لم يستطيعوا إثبات يهوديتهم وهو ما يعتبره الكثيرون القنبلة الموقوتة.
صعود الليكود الى الحكم في الثمانينيات أدى الى لبرلة liberalisation وأتننة ethnicisation الدولة فانكفأت الى المجال الأهلي ethnocommunitarisme . من جهة أخرى أدت السيطرة على الضفة والقطاع الى نشوء نظام تمييز عنصري وإرساء ديموقراطية الأسياد اليهود، وهو ما عزز الشعور بالتفوق الإتني عندهم. هذا الواقع أدى الى نشوء معارضة فلسطينية من نوع جديد تسعى الى نزع الطابع الصهيوني للدولة. وتعززت هذه المطالبة بصعود جيل فلسطيني لم يعرف النكبة وهو يمتلك الثقافتين العربية والعبرية وبدأ يطالب بالحقوق الممنوحة للإسرائيليين اليهود نفسها. هنا بدأت تطرح اشكالية يهودية الدولة ومدى توافقها مع الديموقراطية.
جاء الرد شاملاً وقاطعاً على لسان A. B. YEHOSHUA ممثل اليسار الصهيوني: اسرائيل ستبقى إلى الأبد دولة الشعب اليهودي المشتت وليس دولة لكل مواطنيها ومن لم يقبل بذلك فما عليه إلا الرحيل. عام 1988 أصدر رئيس المحكمة العليا قراراً مفاده أن يهودية الدولة لا تمنعها من أن تكون ديموقراطية كما أن فرنسية فرنسا لا تمنعها من أن تكون ديموقراطية برغم خطأ التشبيه الواضح بين الدولتين. كذلك صدر قانون للأحزاب يمنع من الترشح للإنتخابات كل حزب لا يعترف بأن اسرائيل دولة الشعب اليهودي مما يعني استحالة تحولها الى دولة ديموقراطية بالطرق الليبرالية الإنتخابية. يكمن الخطر هنا في أنه لا أحد يعرف كيف يحدّد معنى أن تكون الدولة يهودية.
في بداية التسعينيات قام عالم الاجتماع في جامعة حيفا SAMMY SAMOOHA بتطبيق مفهوم «الديموقراطية الإتنية» على اسرائيل وهو مصطلح اقتبسه عن JUAN JOSÉ LINZ أستاذ علم الاجتماع السياسي في جامعة YALE. يعدّد ساموحا أنواع الديموقراطيات كما يلي: الديموقراطية الليبرالية؛ الديموقراطية الجمهورية؛ الديموقراطية المتعددة الجماعات PLURISOCIALE ؛ الديموقراطية المتعددة الثقافات؛ ليخلص الى القول إن اسرائيل لا يمكن تصنيفها تحت أي من هذه الديموقراطيات لأنها لا تؤمن المساواة المدنية والسياسية الأساسية لجميع مواطنيها. اعتبر ساموحا أن اسرائيل تقع في أسفل الهرم بين الديموقراطيات وهي أشبه بديموقراطيات ليتوانيا, استونيا وسلوفاكيا. إنها دولة إتنوقراطية.
فتحت آراء ساموحا هذه علبة باندورا وانهالت الهجمات عليه من كل حدب وصوب وجاء معظمها من الحائزين على أعلى جوائز الدولة. ردود الفعل هذه سعت إلى إثبات عدم التناقض بين يهودية الدولة وديموقراطيتها وهي دلت على خطر طرح المساواة بين العرب واليهود في اسرائيل، وكذلك على خطورة مفهوم اسرائيل كدولة لكل مواطنيها( 25% منهم غير يهود , 20% عرب و 5% غير عرب).
يرى ساند أن الواقع قاس جدا بالنسبة للحقوقيين الصهاينة. لم يعد هناك في العالم أي بلد يمنع اليهود من الهجرة الى اسرائيل والهجرة المعاكسة أصبحت أقوى، وهو يوافق على وصف اسرائيل بالإتنوقراطية المحدودة الليبرالية نظراً لقوانينها ذات الطابع الديني والإتني. هذه الخاصية منعت اسرائيل من التطور والأهم من ذلك, حسب ساند, أن الأساطير التي بنيت عليها هي التي ستؤدي الى تفجيرها من الداخل. الأسطورة الأولى: ملكية الأرض التاريخية دفعت اسرائيل الى استعمار شعب آخر وخلقت لها مشكلة ديموغرافية هائلة. الأسطورة الثانية هي إتنيتها التي تمنع أي غريب من الدخول اليها، وهو ما أدى الى وضع غريب: كلما انخرط الفلسطينيون في الدولة الإسرائيلية كلما ازداد استلابهم وتعزز رفضهم لأسس هذه الدولة وذلك لاكتشافهم لحقوقهم الناقصة قياساً على الإسرائيليين اليهود. لقد ساهمت ممارسات اسرائيل العنصرية في غزة والضفة في تقوية هذا الشعور الى حد بعيد. ومع أن العولمة قد أفادت اسرائيل الى حد ما نظراً لانكفاء الجماعات الإتنية في الغرب, ومنها اليهود, على ذاتها, مما قوى تأييد هؤلاء لإسرائيل, يرى ساند أن المدى البعيد لا يبشر خيراً لإسرائيل لأن قوة المؤسسات في الغرب سوف تؤدي الى اندماج اليهود في مجتمعاته عبر الزواج المختلط وغيره.

1 ـ اعتمد هذا النص الطبعة الفرنسية:
Comment le peuple juif fut inventé, ed. Fayard, paris, 2008,446 pages.

عبد الهادي عيد

المصدر: السفير

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...