سؤال النهضة في أدبيات الخطاب الإسلامي المعاصر

20-11-2010

سؤال النهضة في أدبيات الخطاب الإسلامي المعاصر

شكّل سؤال النهضة في نهاية القرن التاسع عشر منعطفاً تغييرياً لدى عدد من مفكري العالم العربي والإسلامي، وبعث روح التجديد في العقل العربي، وأثمر نتاجاً فكرياً عميقاً من خلال ثورة ذلك السؤال الباحث عن أسباب التخلف والضعف والضمور الذي لف العالم الإسلامي آنذاك. حصل هذا الحراك الفكري بعد مرحلة التماس السلمي مع الغرب الناهض والمتقدم في مجالاته الحياتية المختلفة، وكانت مشاريع النهضة الأوروبية تبحث لها عن أراضٍ جديدة تطاولها يد القوة والفكر الجديد للتبشير بعالم حرٍّ آتٍ من الشمال. في تلك اللحظة القاتمة والمتخلفة في عالمنا العربي بدأت محاولات طرح السؤال النهضوي على يد عدد من شهود ذلك التماس الحضاري بين الشرق والغرب. وكان رفاعة الطهطاوي (1873) من أوائل من حملوا هذا اللواء، عندما بدأ ببث الوعي النهضوي في كتابه «تخليص الابريز»، ثم أكمل مساره خير الدين التونسي (1888) في كتابه «أقوم المسالك في معرفة الممالك» حيث بيّن شروط تجديد التمدن الإسلامي ووسائل نهوضه، كما قام عبدالرحمن الكواكبي (1902) بنشر ثقافة النهضة من خلال مقدمة كتابه «أم القرى» في شكل خاص وكتابه «طبائع الاستبداد» في شكل عام. ونشط الحراك النهضوي في شكل اكبر على يد محمد عبده (1905) من خلال جدال التجديد والتقدم الديني مع رينان وهانوتو وفرح انطوان وغيرهم. وكانت هذه الملامح الأولى لفكر نهضوي يستلهم روح الإسلام في فكرته مع تمكين وترسيخ لأدوات التغيير الأوروبي للواقع العربي آنذاك، ربما وجدوها بدايةً مناسبة للانطلاق تحاكي نموذجاً حضارياً صالحاً للاتباع، وهنا لما أقول بداية التفكير في البحث عن الجواب الفلسفي لسؤال النهضة أخص به الخطاب الإسلامي في عصرنا الحاضر، ولكن من حيث التأريخ العملي لطرح هذا السؤال، يمكن أن نجعل ابن خلدون (1406) رائداً في إثارة السؤال النهضوي حول كيفية بناء الأمم والحضارات وكيفية ضعفها وسقوطها في مقدمة تاريخه.

أكد هذا المنحى عدد من الباحثين الذين ربطوا مشروع الطهطاوي والتونسي بالنهج الخلدوني في دراسة النهوض والانحطاط من خلال إعمال الأسباب والمسببات والعلل، كما أن الاستفادة من مضامين المقدمة الخلدونية كان طاغياً في إنتاجهم الفكري ومحاولاتهم التجديدية (انظر: خطاب النقد الثقافي في الفكر العربي المعاصر للدكتور سهيل الحبيب ص 75 - 87، فكر ابن خلدون العصبية والقبيلة للجابري ص 252). ولكن مع بداية القرن العشرين ظهرت مشاريع فكرية أخرى تستلهم العودة الدينية كأساس للتحضر مع حفاظ أشد على الهوية من التأثر بالنماذج الغربية التي بدأت تغزو معاقل التعليم في الشرق الإسلامي، كان روادها محمد رشيد رضا (1935) من خلال مجلته «المنار»، والأمير شكيب ارسلان (1946) من خلال كتابه التساؤلي «لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم» والمفكر الهندي محمد أقبال (1938) في كتابه «إحياء الإسلام». بعدها بدأت مرحلة أخرى من العمل الإصلاحي اتجهت فيه الأمور نحو الحماية من التغريب الحضاري ما أدى إلى بروز عدد من الحركات الإسلامية في مقابل تنامي التيارات اليسارية والعلمانية التي جالت أفكارها بحثاً في سؤال النهضة ومأزق التخلف. وللأسف إن هذا الحراك المتسارع في النمو والإثارة الفكرية قد تحول عند الإسلاميين إلى سؤال الهوية والحفاظ عليها وقمع المخالفين والمناوئين، واختزل مشروع نهضة الأمة في مشروع حفظها بقيام دولة الإسلام المحقِّقة لتعاليمه وقيمه. ظهر ذلك التوجه في شكل واضح في كتابات الندوي والمودودي وسيد قطب ومحمد قطب وغيرهم، ثم أدت الصدامات العنيفة ذات البعد السياسي التي مرت بها الحركات الإسلامية إلى انشغال الكثير من مفكريها بالحفاظ على كياناتها بمواجهة أعداء التغريب وحملات التشوية، ما جعل سؤال النهضة وأدبياتها من ثانويات الخطاب الإسلامي بعد منتصف القرن العشرين، باستثناء مبادرات مهمة قدمها مالك بن نبي والطاهر بن عاشور وعلال الفاسي تجاوزت هموم المواجهات الفكرية والمدافعات السياسية التي أُدخلت الحركات الإسلامية في أتونها ولم تخرج حتى اليوم. ويمكن من خلال تلك المقدمة التأريخية لسؤال النهضة التعليق على مدى هامشية السؤال النهضوي في الخطاب الإسلامي المعاصر وانعكاس ذلك على مشاريع التجديد والتغيير الراهنة، ولعلي أعرضها من خلال النقاط الآتية:

أولاً: تأتي غالبية انجازات الصحوة وتأثيرات الحركات الإسلامية في مجالات مقاومة حملات التغريب ورد محاولات التشكيك بقيم الإسلام وتعاليمه، وقد قُدِّمت خلال اكثر من ثلاثة عقود مشاريع رائدة في ذلك، ولكن هذا النتاج جاء في مقابل تجييش المجتمع في خنادق المواجهة لصد تلك الحملات، حتى لو اختفت مبررات تلك المعارك من ساحات جيل اليوم، هذا الجيل الذي بقي يستلهم الحذر والقلق الشديد إزاء كل المنتجات الغربية كحالة واحدة صلدة لا تقبل التفكيك أو إعادة النظر، ولكن معطيات العصر وثوراته التقنية والتواصلية فتحت الأجواء المغلقة للوافد الثقافي والاجتماعي الغربي ما جعل فكرة التخندق تثبت سذاجتها واستحالتها في آنٍ واحد، وبالتالي برزت تساؤلات عدة طرحها جيل الشباب اليوم حول موقفهم من الغرب والاستفادة من المنتجات الفكرية والفلسفية لعصر النهضة الأوروبية، و مدى التعاون مع مؤسساته المدنية، وهل نجسّر القيم الأخلاقية التوافقية كمشتركات حضارية للحوار والتفاهم، إلى غيرها من التساؤلات التي لا يزال الخطاب الإسلامي المعاصر يبحث عن مخرج يتجاوز فيه هذه الأزمة وليس حلولاً واقعية تبعث جدواها في نفوس وعقول متلقيه.

ثانياً: هذه الصراعات المتكررة والمفتعلة استنزفت كثيراً من طاقات الحركات الإسلامية، وأدّت إلى تغوّل الجانب السياسي على طبيعة أدبيات واهتمامات هذه الحركات، وأصبح الخطاب الأيديولوجي هو المهيمن على تفكير أبنائها، وغابت مسألة النهضة والحضارة عن طبيعة الوظيفة الاجتماعية، وإذا سألت بعض أبناء الحركات الإسلاميّة عن رؤيته لطبيعة الأزمة الحضاريّة التي تعيش فيها الأمّة أجابك بأنّ السبب هو البعد عن الإسلام، ثمّ إذا سألته عن طريق الخروج من التخلّف أجابك: الإسلام هو الحل، لكنّك إذا سألته كيف؟ ولماذا؟ ومتى؟ وأين؟، أجابك بلغة إنشائية وعظية، بعيدة من لغة البرمجة وحسن صناعة الحياة وتوظيف قيم الإسلام في النهوض والعمران وتنمية البلدان.

ثالثاً: مشروعات النهضة هي برامج عمل تقتضي البناء والتغيير مهما كلف الأمر، ولكن بعض التيارات الإسلامية لجأ إلى مبدأ السهولة (قال به مالك بن نبي) الذي يجذب أصحاب النوايا الطيبة والفئات المخدرة المستكينة، ومن ثمَّ يستعاض عن متطلبات الحركة بوهج الشعارات وصراخ المطالبات العاجزة بالحقوق والحريات، بحيث يرضى الضمير المسلم بذلك الاشتعال الوقتي ثم يعود كل شي كما سبق من دون تغيير، إنها أشبه بالمشاريع الصوتية المدغدغة لعواطف الجمهور، والقليل منها ما ينفذ إلى العقول ولكن من غير بناءٍ فكري عميق ينظم الذهن ويدفع الفكر للحراك المجتمعي الراشد.

رابعاً: إن انتهاج طريق التكوين التربوي في الإصلاح مهم على مستوى الصلاح الفردي من دون التغيير المجتمعي الذي يتطلب كل القوى والفئات بقدر مشترك من التوافق العام على الأهداف وليس على معايير مثالية من الاصطفاء. إن مهمة الإصلاح تستوجب العمل على أساسات التغيير الثلاثة :إصلاح التفكير والتعبير والتدبير، والجانب التربوي يصب في علاج التعبير القولي والعملي بتهذيب النفس والسلوك الإنساني، في مقابل التقصير في علاج مشكلات التفكير العقلي والتدبير المعاشي. لذلك يُلاحظ أن الجماهير المتأثرة بالخطاب التعبيري التهذيبي مذهلة من حيث الإقبال والكثرة، ولكن عند حصول أي مواجهة فكرية مع عقله أو تحد واقعي لمثالياته بسبب انفتاح أو تعدد للثقافات والهويات، فإن قلقاً وتخبطاً يحصل للفرد يلجئه للانكفاء والانعزال أو الذوبان والتلاشي في الغير من دون مقاومة.

خامساً: يعمد بعض التيارات الإسلامية إلى التخويف والتحذير من الأطروحات الفكرية أو من ممارسات النقد والتقويم الذاتي، مع تهميش متعمد لقضايا الوعي الحضاري والنهضوي، تحسباً منها أن هذا الصنيع من أجل التماسك والبقاء وحماية الجموع من التفرق عند اختلاف الآراء، بينما هو نخر صامت داخل بنية التنظيمات قد يؤدي للفناء، لأن حاجة الواقع طاغية على مثاليات الخطاب، ومناقشة تلك المستجدات وبسطها الحوارات المفتوحة في الهواء الطلق ضرورة معاصرة يستحيل معها إنتاج القوالب الموحدة إلا أن تكون قد تجمدت أو غُيِّبت.

سادساً: تتجه بوصلة الخطاب الإسلامي في كثير من الأحيان للبحث عن أعداء من أجل التخندق للمواجهة، ظناً منها أن افتعال المعارك يضمن انكفاء الأتباع والجماهير نحوهم، وعدم التمرد والتماهي في الغير من المخالفين، ولذلك تكتسب المخالفة دائماً المفاصلة وتكتسي ثوب القدسية، هذه الركيزة حاضرة في كثير من أدبيات الخطاب الإسلامي بالتخويف والتحذير من العدو العلماني أو الطائفي أو الإسلامي المتساهل. هذا النوع من التترس الانعزالي وإضفاء التفرد بالحق والغيرة على الدين بهذه المقاومة الخادعة، أشبه بالمواجهة التي يفتعلها مصارع الثيران مع الثور الهائج الذي ينسى عدوه القاتل ويتجه بجهده وحربه على تمزيق القطعة الحمراء التي يراها تتراقص أمامه باستفزاز، إنه يناطح ويهاجم خيالاً لا حقيقة، إنه ينهك قواه ويبذل مجهوده في ميدان آخر لا يريده. والمتأمل في كثير من صراعات الإسلاميين يجدها لا تخرج عن هذا التسطيح، بينما الجهل والتخلف والاستبداد واستلاب الهوية وتنمية الوطن، قضايا ثانوية وأحياناً هامشية في خطابهم الإصلاحي؟!

سابعاً: الخطاب الإسلامي المعاصر عاطفي في التأثير وسطحي في التحليل ويضحي بالنفيس عند التنفيذ في كثير من مواقفه، لذلك أدواته في التغيير عادة ما تكون بسيطة وهشة عند التناول مع حدّة وشدة في المضي لها، لذا يتعامل مع المواقف والأحداث من خلال فهم ماضيها التاريخي، أو من وجهها المقابل او موجتها الأولى أحياناً، وواقع الصومال وأفغانستان والعراق وفلسطين ليس بعيداً من هذا التطبيق، كما يفسر السبب في الافتقار الشديد للمراكز البحثية والدراسات العلمية والاحتكام المعرفي لمناهج التوثيق والتحليل في رصد الظواهر والتعامل معها.

هذه بعض الرؤى والتأملات في واقع خطابنا الإسلامي المعاصر، لعلها تعيد بوصلة الاتجاه للمسار الصحيح قبل فوات الوقت وذهاب السائرين.

مسفر بن علي القحطاني

المصدر: الحياة

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...