مهرجان دمشق المسرحي بين ملهاة الخطابة ومأساة التنظيم

08-11-2006

مهرجان دمشق المسرحي بين ملهاة الخطابة ومأساة التنظيم

تحقيق ـ سعاد جروس : أعلن وزير الثقافة السوري رياض نعسان آغا من على منصة حفل افتتاح «المهرجان المسرحي الثالث عشر» في دمشق، وداع العرب «لآخر شعور بالإحباط»، وأن لا مجال بعد اليوم للإحساس بالعجز. وكان لافتاً في كلمته تركيزه على السياسي ونسيانه الحديث عن المسرح، موضوع المناسبة التي ينتظرها المسرحيون السوريون والعرب كل سنتين مرة. والمنحى الذي اتخذته كلمة الوزير، يحمل دلالات، كان من السهل قراءتها خلال المهرجان الذي ينهي اعماله يوم الجمعة المقبل, بحيث بدت الثغرات اكبر من ان يتجاهلها الحضور او يصدق بان سببها هو «الضغط الكبير» الواقع على المنظمين.
بعد حفل افتتاح «المهرجان المسرحي الثالث عشر» في دمشق الأسبوع الماضي، وانفضاض المدعوين الرسميين، مكث عشاق المسرح ليشاهدوا العرض الأول «شكولا» للممثلة رغدة الشعراني وفيه تخوض تجربتها الإخراجية الأولى. كان أول وأبسط إحباط يتمثل في تغيير اسم العرض من «شو» إلى «شوكولا»، لما يحمله الاسم الأول من إيحاءات لا تناسب تجهم مسرحنا!! أو ربما لأن السيد الوزير أكد في كلمته أن لا ممنوع، إلا ما تمنعه الأخلاق العامة!!
انتهت ملهاة الخطابة، لتبدأ مأساة التنظيم المزمنة مع انصراف مرتادي المسرح إلى الصالات لمتابعة العروض. فقد تضمن اليوم الأول ثلاثة عروض في أوقات متزامنة على مسارح «دار الأوبرا» و«الحمراء» و«القباني». وقد تكون الحكمة من هذا التزامن، تقسيم الجمهور إلى زمر، منعاً للازدحام على عرض واحد؛ أو لاختبار مدى المنافسة بين العروض على جذب الجمهور. في عرض مسرحية «النفق» من إخراج فايز قزق، والذي قدمته مجموعة من طلاب وخريجي المعهد العالي للفنون المسرحية على «خشبة الحمراء»، تم حجز الصفوف الخمسة الأمامية لضيوف المهرجان الكبار من الرسميين والضيوف، إلا أن أحداً منهم لم يشق ظلمة المكان ببهاء طلته. فالسيد الوزير كان معذوراً، إذ تزامن موعد زفاف ابنه مع يوم الافتتاح. كما أن رئيس الحكومة راعي المهرجان لم يحضر حتى الافتتاح، ربما لأنه يفضل تشجيع الرياضة على تشجيع المسرح، ولا بد أن الحق معه، فمسرحنا لا يقدم سوى الهذيانات والوساوس. أما السادة الضيوف، فمن الأرجح أن قسماً منهم ذهب الى السوق، والقسم الباقي مكث في مسرح «دار الأوبرا» لمتابعة العرض الأول بعد الافتتاح. وهكذا بقيت الكراسي في «مسرح الحمراء» فارغة تنتظر، إلى أن ملأها جمهور المسرح الدائمون الذين تدفقوا بعد انتظار ساعة أمام الأبواب المغلقة في وجوههم والمفتوحة للخاصة. وسرعان ما امتلأت الصالة وافتُرشت الأدراج، لمتابعة عرض شبابي بكل معنى الكلمة، يتناول هواجس وهموم الشباب الجامعي النفسية والاجتماعية والإبداعية والجنسية وكل شيء، ما عدا السياسة التي بدت غير ذات موضوع بعد أن استوفاها خطاب السيد الوزير عن المقاومة، والشعب العربي الواحد، والقومية العربية وحرب تشرين، وانتصار المقاومة في لبنان كمفصل لولادة تاريخ جديد، بينما كان العنوان العريض للدورة الثالثة عشرة للمهرجان هو «المسرح والشباب». ولعله كان من الأفضل لو سمي «الشباب المسرّح من الحياة الثقافية» للتعبير عن حقيقة واقع الثقافة العربية، وأقرب للخطاب الرسمي الوردي. إذ بقي شبابنا كالأيتام، حالهم حال المسرح، في بلدان العالم العربي عموماً من دون استثناء، بعدما تُرك نهباً للإهمال خلا مناسبات احتفالية يتم التحضير لها كأي مناسبة؛ لزوم الدعاية والترويج السياحي، فيُعتنى بكل ما يتصل ببروتوكولات الافتتاح، وما يرافقها من تلميع، أما موكب الثقافة والإبداع، فيحظى بدور الميت الواجب ذكر محاسنه، والتأسف على شبابه المهدور. أما عن التنظيم اللازم لتحقيق نجاح حقيقي لهكذا فعاليات، فنصيبها الفوضى وارتجالات اللحظة الأخيرة.
وقد نجح مهرجان دمشق المسرحي المعتبر من أهم المهرجانات العربية المتواصلة للمسرح، في نمذجة الفوضى والإرباك، بحجة باتت اعتيادية عنوانها: الضغط الكبير؛ ضغط لم يخفف منه تحضير عامين كاملين كما هو مفترض. فبطاقات حفل الافتتاح وزعت وفق معيار «خيار وفقوس»، ولأن الفقوس عادة ما يكون أكبر كماً، مكث العدد الأكبر من البطاقات في غرفة مدير المهرجان، تُعطى لمن يطلبها استجداءً. أما العروض ففتحت مجاناً للعموم، من دون بطاقات دخول ولا أرقام مقاعد ولا من يحزنون، وبذلك أتيحت الفرصة لعشاق المسرح في التعبير عن وفائهم وولعهم الشديد بالمسرح من خلال قدرتهم على الانتظار، ومن ثم القدرة على «الطحش» و«الدفش» على الأبواب، في استذكار محبب لأيام الوقوف أمام المؤسسات الاستهلاكية الآيلة الى الانقراض، كي لا تغيب عن ذهن شبابنا تلك الأيام العجاف التي تجرع آباؤهم شظفها، فلا يستصعبون المتاعب بل يستسهلونها، ويقبلون على متع الحياة ومنها المسرح من دون وازع من فاقة أو قصر ذات اليد. ومما لا شك فيه أن هذه الطريقة لفتح العروض للعموم بالمجان، تربي لدى الشباب دافع النضال والاستشراس في سبيل الوصول إلى الهدف، مهما كان الزحام شديداً!!
المسرحي فايز قزق، وهو أستاذ ومخرج وممثل، اعتبر المسرح القائم حالياً عبارة عن محاولات مسرحية «حتى وزارة الثقافة لم تكن معنية بما يجري في المسرح من شؤون...». وفي الحقيقة «المسرحيون مرميون على قارعة الطريق». ولا يرى قزق أن لدى وزارات الثقافة عموماً، «الرغبة أو النية الصادقة أو البرنامج المهم الذي يمكن أن يؤدي إلى بناء مسرح وطني وتأصيله. في كل بلد استعاضوا عن كل شيء بالتلفزيون وثقافته وجنونه، ووضع البشر في المنازل لـ«فصفصة البزر» ـ اللب ـ والثرثرة حول مسلسلات «كاسندرا» و«فرندز»، وغيرها من العلف الإعلامي الخارجي والمحلي».
كلام قزق يطرح السؤال ذاته الذي طرحه الشاعر والناقد المسرحي علي سفر في برنامجه التلفزيوني الخاص بتغطية وقائع المهرجان: هل ثمة حاجة فعلية للمسرح؟ فايز قزق من موقعه، يعتقد أننا نحتاج إلى المسرح لكبح بؤر الشر فينا كأبناء للمدن التي ندعي أننا نبنيها، ونحتاجه لفهم العلاقة بين المرأة والرجل، والفرد والفرد، والمجتمع والآخر نحتاجه لوصل ما قطعه التلفزيون بوحشية من علاقات كانت سائدة بين البشر قبله. في المسرح نلتقي ونتحاور ونتصارع، نفكر نتأمل ونرتقي إلى درجة أعلى في التفكير، وبناء الحجة الفكرية والفنية، وعندما يتواجد المسرح الممتاز تتواجد أيضاً الحجة الفلسفية».
علي سفر من زاويته، يرى أن المسرحيين يتحدثون برومانسية عن الحاجة للمسرح، ولا تتم مناقشة حقيقية لعلاقة المسرح بوسائل الاتصال الأخرى، والتي كانت أحد محاور النقاش في المهرجان المسرحي السابق. ويشير سفر الى مسألة مهمة وهي أن ثورة الاتصالات لم تؤثر على المسرح في الغرب، لأنه يمثل حالة راسخة. التلفزيون هناك جاء ليخدم المسرح، بينما جرى العكس مع المسرح العربي، فقد جاء التلفزيون ليستنزفه!! ويتساءل، لماذا لا يتم إنشاء مختبر لدراسة تأثير وسائل الاتصال (التلفزيون والكومبيوتر) على المسرح، بدل وضع عناوين إنشائية عريضة للندوات على هامش المهرجان، ولا يتعدى النقاش دائماً حدود نعي المسرح. اللافت للنظر في المشهد المسرحي، أنه ورغم المشاكل القاتلة التي يعاني منها، لا زال هناك الكثير من الشباب يتابعونه، إما كمتفرجين أو كعشاق لممارسة هوايتهم على خشبته. فالناقد حسان عباس أكد «أن غالبية جمهور النشاطات الثقافية الجادة هم من الشباب، ثمة تعطش لديهم للثقافة الجادة». فيما تحدثت د. هزار الجندي المدرسة في المعهد العالي للفنون المسرحية، عن طاقات هائلة لدى نسبة كبيرة من شباب المعهد من حيث المواهب والأفكار، لكنهم يفتقدون لفرص التجريب والاختبار. لا أحد مستعد لتمويل أعمالهم إذا رغبوا في عمل مسرحية، بينما تتلقفهم المراكز الثقافية الأجنبية كالمركز الفرنسي الذي يهتم بالمسرح، ويمنح الفرصة لمن يتلمس لديه قابلية لحمل ثقافته والتبشير بها. كما تلفت د. الجندي النظر إلى تجربة السوريين المسرحية راهناً، واعتبرت أنها مهمة على المستوى العربي وتكشف عن إمكانيات كبيرة، لكنها تفتقر للفرصة والاختبار الذي يطور التجربة. مشكلة التمويل يطرحها علي سفر أيضاً، وتأثيرها على غياب التنوع، الأمر الذي يجعل خيارات المسرحي محدودة. فهو إما يعمل مع مديرية المسارح وفق جدول الإنتاج لديها، وإما وفق الإنتاج الخاص، وهذا مكلف. ونادراً ما نجد أحداً، يمول عملاً مسرحياً، والمسألة الأخرى تتعلق بسوق الدراما التلفزيونية التي أجهزت على المسرح.
وجود ممولين، هو جانب من المشكلة، لكن ثمة جوانب أخرى منها ما ذكره قزق. وهي جوانب لها علاقة بالقوانين التي تتيح تدفق التمويل الى القطاع المسرحي. ويؤكد «أنه في سورية لا أمكانية إدارية ولا تنظيمية ضمن الساحة الثقافية لاحتضان الشباب، فما زال هنا مستشار من الجيل الخامس إلى الخلف، ومن يفتي هنا هم الشيوخ، وهناك أفكار عتيقة جداً يتم التشبث بها بالأسنان، مثل القوانين التي تحكم طريقة صناعة المواسم المسرحية، والطريقة التي تحكم سوق العمل. مشاكل المسرح أشبعت تشخيصاً، وباتت بحاجة فعلاً لحلول على الأرض، أهمها الحرية كأكسجين للنشاط الإبداعي. فعندما كانت هذه الفضاءات أكثر رحابة في الستينيات وحتى أواخر السبعينيات، أنتجت المسارح السورية (المسرح القومي، الجامعي، الشبيبي...) ونخبة من الفنانين المبدعين الذين يلمعون اليوم نجوماً في الفضاء العربي، لكن هذا المناخ تراجع بشكل مرعب في العقود الأخيرة. ولم يبق سوى المعهد العالي كمكان وحيد لتخريج فنانين شبان سرعان ما يتلقفهم سوق الدراما. ولأن حالة النهوض لا تتجزأ ازدهرت في الستينات الثقافة ومعها التعليم والاقتصاد والسياسة، أما في طور النكوص فتتراجع كافة مناحي الحياة.
وإذا كان المسرح يعكس هذه الآلية، فلا شك في تراجعه وتراخيه. ونظرة عابرة على واقع صالات العرض القليلة العدد، البالية والمهترئة، نتأكد أن المسرح ليس بخير على الإطلاق، فعددها لا يتجاوز أصابع اليدين، عدا أنها صغيرة، لم يُحسّن الترميم حالها. وحتى «دار الأوبرا» الفخمة التي تحوي عدة صالات تكاد تكون الوحيدة الجيدة، لا تُفتح للمسرحيين إلا بشق الأنفس. فهي رسمية كغرفة الضيوف في منازلنا الشرقية، يجب أن تبقى نظيفة ومغلقة بانتظار الضيوف، حتى لو انحشر كل أهل البيت في غرفة واحدة صغيرة ومعتمة! إلا أن ما يبعث على التفاؤل، هو بقاء الفن المسرحي بكل ما يحتويه من أنواع إبداعية، هاجساً لنخبة من الشباب يجدون فيه مساحة للتعبير عن رؤاهم وأفكارهم، لكن إلى أي حد يشكل ذلك حافزاً للمعنيين بشؤون الثقافة كي يمنحونها بعضاً من اهتمام، يخصص للسياحة والإعلام لدى وضع خطط التنمية الاجتماعية؟ يقول قزق: المسألة تتعلق بنشر المسرح في كل مكان، ندعي فيه أننا نبني مدينة حديثة حضارية بروح قوية وعناصر تفكير وتأمل وتواصل بين أبناء هذه المدينة؛ المدينة المنشودة بما تحمله من علاقات وتعقيدات متشابكة إلى حد لا يمكن للدجاجات والبيضات والدبكة الشعبية أن تفككها.

 

 

الجمل +الشرق الأوسط

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...