سعاد جروس: لغو وتزنيط

02-09-2006

سعاد جروس: لغو وتزنيط

الجمل- سعاد جروس : ترددتُ بعض الشيء, قبل أن اسأل شيخ القصاصين زكريا تامر رأيه في ما حدث ويحدث في لبنان, ليس لشك في مواقفه المبدئية, وإنما خشية الاختلاف معه في الرأي حول «المقاومة الإسلامية» التي أُصر على تسميتها بـ«المقاومة اللبنانية», إذ لا يمكنني إلا أن أراها هكذا. بعد التردد سألت, فأتاني صوته صافياً تقياً واثقاً متحدثاً عن بطولة ارتقت الى درجة الإعجاز, جملة أو ربما جملتين, ووجدت نفسي أهتف بحماسة: ينصر دينك يا أستاذ زكريا أثلجت صدري, كنت متوجسة من واقعيتك وسخريتك الـمُرة. ولم أعد اسمع الباقي, لقد عززت رأيي المتواضع برأي أديب ومثقف كبير, وحسبي هذا بعد أيام من الجدل العقيم خضتها مع أصدقاء وكتاب وصحفيين, حول تداعيات ما جرى في لبنان, وعما إذا كان ما حققته المقاومة انتصاراً أم هزيمة, وأيضاً ما يتعلق بمشروعية التخوف من المد الديني والمد الشيعي والتغلغل الفارسي والتدخل السوري في لبنان... من نقاشات, اندلعت في 13 تموز €يوليو€ وتصاعدت ولم تخبُ لغاية الساعة, ما بين شد وجذب, بعدما انقسم المتجادلون إلى فرق, كل فرقة تنغلق على ذاتها وتتمترس خلف أفكارها, تناقشها فيما بينها وتتوافق حولها وتعززها بما يروقها من وقائع ومعلومات وتصريحات, تؤكد صحة توجهها وتؤكد ضلال مخالفيهم. فالذين يتحدثون عن الخطر الإيراني لا يذكرون خطر إسرائيل وأميركا, والذين يناقضونهم لا يرون إلا إسرائيل وأميركا. وبتفصيل أدق, بات بعض معارضي السلطة معارضين بالضرورة لحلفائها الدوليين وفي مقدمتهم إيران, وبعضهم الآخر صامت أو مراهن على أميركا. والعكس صحيح من الجانب الآخر, كل مناهض لأميركا ولسياستها التوسعية هو متفق مع مواقف السلطة في السياسة الخارجية, وبعضهم كذلك إما صامت أو مراهن على إيران. بناء على هذا الانقسام, ينشب جدل سفسطائي, لا ينفضّ إلا بعد أن ينتف المتجادلون ريش بعضهم بعضاً, ليعودوا إلى بيوتهم مجردين عراة من الريش إلا من ريموت كونترول ينقلونه بين القنوات بحثاً عن أسلحة لغوية جديدة, تبدأ من التخوين والممالأة ولا تنتهي بقصور الرؤية والجهل بالتاريخ. مشهد ما بعد الحرب يصعب التعبير عنه بلغة عربية فصيحة, بعدما أودع أكثر من 70€ من اللغة العربية مستودع النفايات, حسب رأي شيخ القصاصين زكريا تامر الذي قال: إننا الآن لا نستخدم من اللغة العربية أكثر من 30€!
معه حق, فكُتَّاب خطابات الثوار العرب المعاصرين, قضوا على اللغة بالشعارات الجوفاء, وتحولت معظم كلماتها الى كومة أوانٍ تقرقع كلما فكرنا بانتشال تعبير منها, وعبثاً نحاول تأكيد صلاحيته للاستخدام, كـ«مزبلة التاريخ» و«الامبريالية المتوحشة» و«الكفاح المسلح» و«نضال الشعوب» و«الاحتلال الغاشم» و«العدو الصهيوني» وغيرها الكثير من المصطلحات باتت من سقط المتاع, ويُتهم قائلها بالعودة إلى اللغة الخشبية التي أوقعتنا في حبائل انتصارات لم تكن إلا هزائم. وقد يكون هذا صحيحاً الى حد بعيد, فالذين صادروا مستقبل الشعوب, لم يعجزوا عن مصادرة اللغة وتتفيهها, بتحويلها إلى لغو فارغ, أسوة بحياة البشر, مجرد شيء لا قيمة له, في موازين المصالح الدولية وحتى الشخصية.
واقع تصح فيه تساؤلات أبي حيان التوحيدي اللغوية في كتاب «البصائر والذخائر» حول معاني بعض المفردات: ما الغبط, وما الخبط, وما العبط, وما الربط, وما السبط, وما اللبط, وما الزنط, وما الهبط؟!
يجيب التوحيدي: أما الغبط ومنه الغبطة غاية الفرح, فكأنه من عَبَط يعبط إذا فرح, وهي حالة الفرحين بانتصار المقاومة, الذين تعابطوا €تعانقوا€ ابتهاجاً بهزيمة إسرائيل, والتي بلغت بنظر مخالفيهم درجة العبط من عبيط, وهي بالمصرية الدارجة الهبل.
وأما خَبْطُ الشجر, فضربك إياه بالعصا لينتثر الورق, وهي حالة بوش وحلفائه في الخبط على شجرة العروبة اليابسة في أرذل العمر. والخَبَطُ ما انتثر منها, من ضعاف النفوس, أولئك الذين سطروا ملاحم شعرية بأمة العرب في زمان الوصل, وكانوا أول راكبي القطار الأميركي في زمان الفصل.
وأما الربط فالشَد, والرّباط مثله, ومثل المقاومة وقاعدتها الشعبية من النازحين التي شدت الرحال في ليلة لا ضوء قمر فيها, وعادت إلى البيوت المهدمة لتعيد الإعمار دون انتظار. وأما الرَّبَاط, فهو المكان الذي تربط فيه الخيل للسفر والغزو, وقد حدده أحمدي نجاد بامتلاك الماء الثقيل على طريق امتلاك النووي الخطير المثير للشر الأميركي المستطير.
وأما السِّبْطُ, فيقال: شََعرٌ سَبْطٌ إذا كان غير مفلفل, والكلام السَبْطُ: المتلاحم الأجزاء, المتفق التأليف, لا تنبو طباعك عنه, ولا تقشعر أذنك منه, وهو كلام السيد حسن نصر الله الذي ينتظر الملايين إطلالته بين حين وحين, ليُطمئن القلوب, ويعلن بأنه على العهد الأمين.
فأما اللََّبْطُ, فمن قول: لُبِطَ به, إذا خبل به, كأنه صرع من الشيطان أو ضرب من الجنون, وهو يشبه منظر عرَّابي الشرق الأوسط الجديد, كلما نغزت المقاومة في لبنان وفلسطين خاصرة الشرق الأوسط الجديد وهددته بالإجهاض, يضربهم مس من السفه, وعارض من السخف.
وأما الزنط, فتضعضع الحال, يقال زنط أمر بني عربان, إذا وصلوا إلى ما وصلوا إليه اليوم من تزنيط, بعد عقود من التفحيط, وتعني بالسوري المعاصر «تشفيط», وهي مفردة نحتها أولاد المسؤولين بعجلات سياراتهم الفارهة العائدة لدولتنا العامرة على زفت حياتنا البائسة, ممن لم يدعوا شيئاً حولنا إلا وطاوله التجليط وبات بحاجة ماسة الى تهبيط وتزبيط من أول وجديد بما فيها البني آدم, لتجد القوى الغاشمة على الأقل ما تهدمه إذا «قررت» غزونا, فمن المعيب أن تجد ثلاثة أرباع المحاربين القدماء في طلائع المنطبحين, والربع الباقي يستجدي مع جمهور المتفرجين موقفاً من كاتب كبير أو مثقف عتليت ليؤكد لنفسه أنه ليس على ضلال مبين.

بالاتفاق مع الكفاح العربي

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...