الحواجز والبوابات الثقيلة في العلاقات الثقافية السورية ـ الأمركية

08-12-2006

الحواجز والبوابات الثقيلة في العلاقات الثقافية السورية ـ الأمركية

تحقيق ـ سعاد جروس : بوابة حديدية مصفحة ومصمتة، ملونة بالأحمر والأبيض والأزرق، عليك أن تقف أمامها وتنتظر بضع دقائق حتى يطل الحارس من خلفها ليدعوك إلى الدخول، لتجد نفسك في غرفة صغيرة أشبه بزنزانة منفردة، يتوسطها قوس الكتروني. يطلب منك الموظف بكل تهذيب الخضوع للتفتيش بالمرور تحت القوس، وأن تضع حقيبة يدك على السكانر، أما الموبايل فسيبقى لديهم، ثم وبكل تهذيب يفتح لك الباب الثاني، تتوجه بعدها إلى الموظف أو المكتب المقصود بالزيارة في المركز الثقافي الأميركي بدمشق. ولن يطول الوقت عندما ستكتشف أن هذا البناء يعكس حقيقة العلاقات الثقافية السورية ـ الأميركية، علاقة تنطوي على حواجز وتفتيش واحتياطات مع الكثير من الحذر المبني على تاريخ متراكم من عدم الثقة، من دون أن يؤثر ذلك على التهذيب المتبادل، وربما المفرط بين الجانبين في العلاقات الثقافية على الأقل. من يعرف المركز الثقافي الأميركي في دمشق قبل غزو العراق، وما قبل فرض العقوبات الاقتصادية على سورية، وما قبل اغتيال رئيس وزراء لبنان رفيق الحريري، وما قبل سحب السفيرة الأميركية مارغريت سكوبي من دمشق؛ يدرك كم من المتغيرات طرأت على مكان كان يعج بالأنشطة الثقافية، حفلات موسيقية، وورشات عمل إعلامية وثقافية، وعروض أفلام، وحفلات راقصة، ومعارض تشكيلية وكاريكاتير، وحوارات عبر الأقمار الصناعية مع شخصيات مؤثرة في أميركا من أنشطة تدعى إليها النخبة الثقافية السورية والإعلامية لتشارك في حوارات تفاعلية يجري فيها تبادل للخبرات والآراء، تكاد اليوم أن تتلاشى تماماً، لولا عرض بعض الأفلام، بينما مكتبة المركز التي كانت تغص بطلبة الجامعات والباحثين، وكانوا يقصدون المركز لاستخدام الكومبيوتر حين كان انتشاره محدوداً في سورية، أو للحصول على مطبوعات أميركية حديثة من كتب ومجلات، ستراها اليوم مقفرة من الرواد، بعدما كان الطالب أو الباحث في العقد الماضي يضطر للانتظار لأكثر من أسبوعين، كي يتمكن من الحصول على بطاقة اشتراك في المكتبة. اليوم لا تضم أكثر من شخص أو اثنين كما رأينا، وكما قيل لنا، هناك حوالي عشرة زوار يقصدون المكتبة يومياً. وهي أيضاً مكتبة خلت من الكتب والمنشورات سوى بعض كتب عن الأدب الأميركي، والسبب كما سنفهم، أو كما سنحاول أن نفهم من دون أن نكون متأكدين تماماً، لأن موظفي المركز من السوريين يرفضون الإدلاء بأي تصريح للصحافة أن السبب في التخلي عن الكتب هو الاعتماد على توفير الانترنت المجاني، من جانب، ومن جانب آخر تخلي غالبية المراكز الثقافية الأجنبية عن نظام المكتبات التقليدي.
لينا «مترجمة» في إحدى المؤسسات التجارية تحدثت عن مكتبة المركز الثقافي الأميركي ايام «العز» في التسعينيات، بما معناه أيام «الزحمة»، حين كانت طالبة في الجامعة قسم اللغة الإنكليزية تقول، كنا نأتي إلى المركز، ونقضي الساعات الطويلة، لنُدّعم لغتنا الإنكليزية من خلال قراءة الكتب المتوفرة. لكنها اليوم لا تفكر أبداً بزيارته، ولا تعتقد أن أختها الصغرى الطالبة في كلية الآداب والمغرمة بالحياة والثقافة الأميركية قد ترتاده، بسبب الإجراءات الأمنية والنظام الصارم. تقول، رغم دماثة الموظفين، تشعر بأنك مشبوه بمجرد إخضاعك للتفتيش وعبورك تلك البوابات الثقيلة. وتتذكر لينا أول مرة دخلت فيها إلى المركز، كيف رحب بها الملحق الثقافي الأميركي شخصياً وأهداها مجموعة كتب عن الإعلام باللغة العربية، بعدما علم باهتمامها بالصحافة ونيتها العمل في هذا المجال.
مصادر دبلوماسية سورية مطلعة ردت سبب تراجع النشاط الثقافي الأميركي بدمشق إلى عراقيل كثيرة تضعها الجهات السورية المعنية، وازديادها كثيراً بعد سحب السفيرة الأميركية من دمشق. وكانت الأنشطة قد بدأت بالتراجع منذ فرض العقوبات عام 2004. فيما تقول الصحافية السورية في جريدة «سيريا تايمز» تماضر فاتح، هناك مقاطعة شعبية سورية للأنشطة الأميركية، وهذا هو سبب انكفاء الثقافية منها، إذ كيف تقام إن لم يكن هناك جمهور؟ أما سبب المقاطعة الشعبية حسب قولها، فهي أن المركز الثقافي الأميركي تابع للحكومة الأميركية بشكل صريح، والجميع يعرف موقف السوريين الرافض لسياسات إدارة الرئيس بوش. بينما ما زال المركز الثقافي البريطاني، يقوم ببرامج ثقافية مكثفة، لأنه يقدم نفسه كجهة مستقلة عن الحكومة البريطانية، ما يدعو لارتياح المقبلين عليه، رغم أن حكومة بلير شريكة الإدارة الأميركية في قرار الحرب على العراق. أما عن سبب عدم نشاط المكتبة وترويج الكتب الأميركية، كما كان الأمر سابقاً، فترى أن أميركا ليست بحاجة لترويج ثقافتها عبر النشرات والكتب، فهي موجودة في كل بيت عربي من خلال الأفلام والموسيقى والكومبيوتر والمنتجات الاستهلاكية، وإذا كان لدى الأميركيين وجهة نظر مشوهة عن سورية، فنحن الذين نحتاج إلى ترويج ثقافتنا وليس هم. وتعطي مثالاً على ذلك من خلال زيارتها الأخيرة، حيث قامت عائلة أميركية باستضافتها مع زميلة عربية بعيد الشكر، وعندما فوجئت الأميركية بأن تماضر سورية. قالت لها، نحن نعرف أن المرأة السورية مشعثة الشعر وفوضوية، ولا تتكلم لغات أخرى. تتابع تماضر، وهذا ما أدهشني، ولقد أقنعتها بخطأ الفكرة التي تحملها عنا، فتفهمت ذلك واعتذرت مني. فيما قال مسؤول سوري سابق رفض الكشف عن اسمه، بأن تاريخاً طويلاً من تدهور الثقة المتوالي بات يحكم العلاقات السورية بالولايات المتحدة الأميركية، ويذكر أنه ايام كانت السفارة ناشطة والمركز الثقافي حافل بالبرامج المتنوعة، تقرر إقامة أسبوع للسينما الأميركية. فطلبت الجهات السورية كإجراء روتيني لا بد منه إخضاع الأفلام للرقابة، فجُلبت الأفلام وطُبع برنامج الأسبوع السينمائي من دون المرور على الرقابة، وهو ما رفضته الجهات المعنية حينذاك، وبعد جدل تبين أن عدداً من الأفلام موضوعة على قائمة المقاطعة لأسباب جوهرية، وبالتالي لا يمكن السماح بعرضها، مما أدى إلى إيقافها، ولم يتم التفاهم إلا بتوضيح سبب الموقف السوري. وعلى الرغم من التجاذب الدائم إلا أن الحوار بقي قائماً وفعالاً. ويتابع المسؤول السابق، أن الجهات السورية كانت تطلب من الأميركيين الالتزام بالشروط المتفق عليها، أسوة بباقي المراكز الثقافية الأجنبية الموجودة في سورية، إلا أن موظفين من الدائرة الثانية في السفارة، كانوا يحاولون وبشكل مقصود إحداث خروقات لنظام المقاطعة بتمرير محاضرات أو أفلام من دون رقابة. وحول إذا كان بإمكان السوريين غض الطرف عن التجاوزات الأميركية. قال المسؤول السابق: من الصعب جداً، فلسورية أراض محتلة، وهناك القضية الفلسطينية، ولا يجوز التهاون بكل ما يتعلق بهما، ومن غير المقبول رسمياً وشعبياً تمرير ما يتعارض مع السياسة الهادفة لتحرير الأراضي المحتلة.
يُعيد الباحثون تراجع اهتمام الحكومة الأميركية بنشر ثقافتها إلى انتهاء مرحلة الحرب الثقافية الباردة التي شنتها لمواجهة الشيوعية، عقب الحرب العالمية الثانية، وكانت تديرها وتمولها وكالة المخابرات، والتي تولت تكوين واجهة ثقافية تحارب اليسار بوسائل الدعاية الثقافية، واستخدمت في ذلك الكتب والأفلام السينمائية والمحاضرات والموسيقى وترويج الذوق الأميركي في الطعام واللباس والغناء والرقص. وأنشئت عام 1950 منظمة كونغرس الحرية الثقافية تحولت عام 1967 إلى «الاتحاد الدولي للحرية الثقافية» أقامت فروعاً لها في خمس وثلاثين دولة، وأصدرت أكثر من عشرين مجلة ذات تأثير كبير إحداها كانت مجلة «حوار» العربية الصادرة في لبنان. وكتب في هذه المجلات شخصيات فكرية مشهورة مثل المؤرخ أرنولد توينبي، والفيلسوف برتراند راسل، وهربرت سبنسر.
عجاج أحمد طبيب، 65 عاما، يقول شهِدتْ فترة الخمسينيات والستينيات ولغاية السبعينيات فترة ازدهار دعمت أميركا خلالها ترجمة ونشر الكتب الأميركية، من خلال مؤسسة فرانكلين وعن طريق دور نشر عربية، وتمت ترجمة كتب كثيرة بسوية عالية ومن مختلف صنوف المعرفة علوم وأدب وسيرة ودراسات انسانية، قامت بنشر أهم الأعمال الأدبية والفلسفية والعلمية، لا سيما الروايات والمسرحيات، كرواية موبي ديك لهرمان ملفل، ومسرحيات يوجين أونيل، وتعريفنا بأعمال ادجار آلان بو وفوكنر وشتاينبك وكالدويل وولف، بينما كانت الكتب الدعائية قليلة. كان هناك إقبال عليها وإعجاب بالثقافة الأميركية. ويتابع عجاج مقارناً بين اليوم والأمس بأن اليوم تتم ترجمة الكتب الأميركية بجهود فردية بدون دعم مؤسساتي، وهي كتب يبادر إلى ترجمتها مثقفون العرب، غالباً ما تكون عن مواضيع سياسية راهنة تتوافق مع وجهة نظر معارضة للسياسات الأميركية ككتب تشومسكي مثلاً. كما يلاحظ ندرة ترجمة كتب الأدب المعاصر.
دار قدمس التي تعنى بالكتب المترجمة، وبما يقارب 50% من منشورات الدار، هي أميركية أكاديمية علمية حول التاريخ القديم، ومعظمها لباحثين عرب يعيشون في أميركا، ولا تهتم بنشر الثقافة الأميركية. ويقول الدكتور زياد منى مدير دار قدمس أن نسبة الكتب المترجمة على علاقة برغبة المؤسسات الخاصة ولا علاقة لها برغبة الحكومة الأميركية، فأميركا لا تهتم إذا اقتنع بها الآخر أم لا، لأنه إذا لم يقتنع ترسل إليه جيوشها لتقنعه، بينما في أوروبا ما تزال هناك مؤسسات تدعم الترجمة والنشر، في حين المراكز الثقافية الأميركية، برأي زياد منى لتعليم نمط الحياة الأميركية.
ناظم مهنا ناقد وقاص تعرف الى أميركا ضمن برامج تم من خلالها استضافة عدد من المثقفين السوريين لمدة شهر عام 1996، يقول: لدى الأميركيين فكرة استحوذت عليهم عن قدرتهم على غزو العالم عبر ثقافة المطاعم، وهذا غير مجد كثيراً، خاصة أن نمط الحياة الاقتصادية لمجتمع صناعي يختلف عن مجتمعاتنا المتخلفة اقتصادياً، بينما كان تأثير الثقافة الأميركية الجدية والحقيقية مهماً جداً على صعيد أدباء كهمنغواي وفوكنر وويتمان؛ من ناحية أن الكثير من الأدباء يطمحون لمقاربة عوالمهم. يصف مهنا الشعب الأميركي بأنه شعب طيب ومتعاون، وعبر عن إعجابه بحديقة جبران خليل جبران في غابة بواشنطن، وأنه لا يوجد نظير لها في عالمنا العربي. ويلحظ أن السينما الأميركية عممت صورة نمطية مشوهة عن أميركا كبلد للعنف. ويقول أمضينا شهراً كاملاً، ولم نر مشاجرة واحدة في الشارع، الكل يعيش بهدوء، ولا يشعر الزائر بالغربة فالوجوه مبتسمة ومألوفة. ويعيد ناظم مهنا حالة التشنج التي تحكم العلاقات الثقافية السورية ـ الأميركية الى كراهية السياسة الأميركية جراء احيازها الكامل لاسرائيل وأيضاً النتائج الكارثية للحرب على العراق. ويختم بالقول بأنها اسباب كافية ليكره المرء أميركا، رغم كل فضائلها الثقافية والحضارية.
فيما يتحدث الطبيب أحمد عجاج عن أزمة ثقة كرستها السياسات الأميركية، تولدت بعد الحرب العالمية الثانية وتفجرت بشكل صارخ بعد الحرب على العراق، ويقول: ان السوريين بعد الحرب العالمية الأولى وضعوا آمالهم على أميركا حتى أنه عندما جاءت لجنة كراين الى سورية أقيمت لها احتفالات حاشدة، وطالبوا عصبة الأمم إذا كان الانتداب سيفرض على سورية فليكن انتداباً أميركياً، فأميركا أشاعت في ذلك الوقت حق تقرير المصير للشعوب المستقلة حديثاً، وكانت نموذجاً للحرية والعدالة. وحين عادت بعد الحرب العالمية الثانية سلكت طريق الأحلاف، وكانت سورية والمنطقة العربية على استعداد للدخول في تحالفات معها ضد ما دعي بالخطر الشيوعي على الديمقراطيات الغربية، إلا أن الانحياز الأميركي التام لإسرائيل ضد الفلسطينيين وضد المصالح العربية، كان العقبة الكأداء في طريق أي تحالف، وتكرس ذلك في حرب الـ1967 عندما أخذت أميركا جانب إسرائيل ضد العرب، وكان هذا كافياً ليشن العرب حملة مقاطعة دبلوماسية وتجارية، وفقدان الثقة تماماً بأميركا والاشتباه بكل ما تقدمه للمنطقة.
لكن ماذا عن الثقافة الأميركية التي تختزل اليوم بالموسيقى والسينما والجينز والهامبرغر، ترى أليس هناك ثقافة أميركية يتماهى معها الشباب؟ تقول ليليان نجار، 33 عاما، موظفة علاقات عامة في شركة خاصة، الثقافة الأميركية ثقافة مغرية وحيوية ويحبها الشباب، لأنها تتلاءم مع رغبتهم بالتجديد والفعالية، وهي من طرفها كانت مدمنة على موسيقى البوب، والأفلام الأميركية، لكن هذا الاهتمام بدأ يتراجع مع تجاوزها سن الخامسة والعشرين ويكاد ينتهي اليوم، المظاهر الأميركية مرغوبة بسن معينة لأنها تشكل دافعاً للمشاركة والتفاعل وفيها الكثير من حب الحياة، سواء بنمط الرقص أو اللباس أو حتى طريقة الطعام، إنها الحياة المفضلة والجميلة. أما سبب تراجع جاذبيتها، فتؤكد أن السبب هو التقدم بالعمر والاستئناس أكثر بما يخاطب وجداننا المحلي، والميل إلى الاستقرار والهدوء، وما تفضيل الموسيقى العربية إلا لأنها الأكثر تعبيراً عنا من التقليعات الغربية السريعة. وبالتالي نفت أية أسباب سياسية، وقالت: إذا سألت أي مواطن سوري فإنه سيميز فوراً بين الثقافة الأميركية والشعب الأميركي، وبين السياسة الأميركية المرفوضة بل والمكروهة. كلام ليليان يجد مبرراً قويا له في بحث الأميركية كريستينا كوتشيسوفا أستاذة الإعلام والثقافة بجامعة نيويورك التي كتبت بحثاً مهماً عن الثقافة الأميركية وصفتها فيه بـ«ثقافة البهجة»، وكان من ضمن الأسباب المساعدة على انتشارها خلوها من التأكيد المبالغ فيه على أساليب اللياقة التقليدية في المعاملة، إذ تميزت ثقافة الطبقة الأميركية الوسطى (البيضاء) بقدر كبير من البساطة والمساواة والتخلي عن التعقيدات، مما ساعد على انتشار مفهوم البهجة، مقارنة ببعض المجتمعات الأوروبية التي عرفت الطبقية والتقاليد الاجتماعية المحافظة، ناهيك من كون الأميركيين شعبا حديثا صاحب تاريخ قصير، لا يمتلك الأشجان والأحزان والمآسي التاريخية التي تكتظ بها تواريخ وذاكرة الأمم الأقدم والأكبر عمراً. كما أن الديمقراطية الأميركية ومؤسساتها القوية والوفرة الاقتصادية أشعرت المواطن الأميركي بالاطمئنان والتفاؤل بخصوص المستقبل وبالراحة المادية، وهي مشاعر ضرورية لمساندة الشعور بالبهجة.
ولو سلمنا بصحة استنتاجات هذا البحث سنفهم سر إعجاب العرب، وبالأخص الشباب بالثقافة الأميركية، وإذا أخذنا سورية نموذجاً سنلاحظ أنه ورغم عدم شيوع المؤسسات والشركات الأميركية المساهمة في نشر ثقافتها، إلا أننا لا شك سنلمس أن مظاهر تأثير نمط الحياة الأميركية واضحة في الشارع، مع أن الغالبية لا يفضلون القول أنها أميركية، فثناء، 29 عاما موظفة تقنية، في مؤسسة إعلامية لا تعتبر أن ميل الشباب الى نمط الحياة الاستهلاكية السريعة بسبب هيمنة الثقافة الأميركية، بقدر ما هو تأثر بالغرب عموماً. ويتفق معها (مضر) أن تأثير الثقافة الأميركية على السوريين يكاد لا يُلحظ، فلو عبرنا شوارع دمشق كلها لن نجد أثراً للعلم الأميركي الذي قد نراه في عواصم عربية أخرى على قمصان الشباب، والسبب برأيه يعود لسياسات أميركا في المنطقة، كما أنه في الأعوام الأخيرة وبالتزامن مع التهديد الأميركي بضرب سورية بعد احتلالها للعراق والتسبب بحالة الفوضى الأمنية، بتنا نلاحظ أن هناك تيارات شعبية مناهضة لأميركا، تتجلى في مقاطعة الأنشطة الثقافية. ويذكر مضر كيف قامت مجموعة أهلية بالاعتصام أمام خان أسعد باشا منذ أكثر من سنتين، حين افتتحت السفيرة الأميركية معرضاً تشكيلياً لفنانات سوريات. وللمفارقة يكاد هذا التأثير ينتفي حتى في عقر دار السفارة والمراكز التابعة لها، في حال اعتبرنا الحجاب الإسلامي تحد للسياسة الأميركية، فعدد المحجبات ازداد بعد تحجب نصف الموظفات السوريات في المركز الثقافي الأمريكي في السنتين الأخيرتين. إلا ان حلا، 40 عاما، موظفة في شركة أجنبية يقيم جزء من عائلتها في أميركا، تقول إنها تحجبت منذ فترة قريبة، ولا تعتبر حجابها نوعا من الرفض للثقافة الأميركية، بل على العكس، تحاول أن تأخذ من الثقافة العربية الإسلامية أفضل ما فيها، التدين والأخلاق؛ ومن الثقافة الأميركية أفضل ما فيها، تقديس الحريات واحترام الآخر، وتحاول المواءمة بينها، ولا تعتقد أن في ذلك أي تضاد، فهناك الكثير من الأميركيين المسلمين. وتؤكد أن لا مشكلة مع الشعب الأميركي ولا مع ثقافته، وهي تزور أميركا باستمرار من دون أن تواجهها أية مشاكل هناك. الصحافية تماضر فاتح التي ذهبت إلى أميركا ثلاث مرات من خلال برامج للأمم المتحدة، تشارك حلا في رأيها، ويزيد في إعجابها بأميركا إنها بلاد تحتوي على كل أطياف الشعوب والحضارات، وتمتعهم بحرياتهم كاملة، إن التنوع في أنماط الحياة يحثك على اختيار النمط الذي ترغب في العيش وفقه. إلا أنها لاحظت تغيراً كبيراً في أميركا في زيارتها الأخيرة منذ نحو عام عن زيارتها الأولى في التسعينيات، وشكت من تعقيدات السفر التي تتزايد والشعور بالإهانة والإذلال في المطار بسبب إجراءات التفتيش. وتقول: إنه أمر يدعو للاستياء، وقد باتت هذه الإجراءات المتخذة أسباباً أساسية في قلة الإقبال على السفر وتراجع حلم الهجرة الى أميركا الذي يلازم الشباب العربي عموماً كتوق للحرية والحصول على فرصة عمل وحياة أفضل.
سامر عابد عاش في الولايات المتحدة الأميركية لمدة عامين، وحاول الاندماج مع الأميركيين لاكتساب اللغة، وعمل في دار لنشر كتب الأطفال لتعليم لغة ثانية غير الإنكليزية. تحدث عن تجربته قائلاً إنه ورغم التغير الانقلابي الحاصل بعد أحداث 11 سبتمبر، إلا أن أميركا كمجتمع تبقى حلماً ننشده كنمط حياة. كما شكا من سيطرة اللوبي اليهودي على الحياة الأميركية، إذ من غير المسموح للعربي أن يقوم بتصحيح الصورة المشوهة عن قضاياه في أميركا. يتابع سامر، أمضيت الفترة الأولى أتناول حبوباً مهدئة لأتمكن من هضم الأفكار الرائجة هناك، فقد ذهبت من سورية، وأنا أملك خلفية ثقافية شيوعية نتيجة احتكاكي بخبراء روس عايشتهم من خلال عملي، فانتقلت أفكاري من الإنسانية الروسية وتمجيد الفقير، إلى أميركا حيث الفقير عنصر خطر يعالج بتحميله عبئاً من الديون، بجعله يحصل على فرصة عمل وسيارة وبيت ثلاث طبقات بالتقسيط لمدة خمسين عاماً، وحين حاولت الدفاع عن الفلسطينيين جاء من ينصحني بالصمت كي لا أخسر عملي. وأكد سامر أن لا وجود لصراع ثقافي، وإنما صراع مصالح بالدرجة الأولى والأخيرة. لكنه يعود ليؤكد أنه وعلى الرغم من ذلك، تبقى الحياة في أميركا حلماً لكل من لا يجد فرصة عمل في بلاده، ويعيش على الهامش. ومع أن غالبية الآراء السورية تتفق على الفصل بين الشعب الأميركي وثقافته، وبين سياسة إدارته، والتي ردها ناظم مهنا وتماضر فاتح وأحمد عجاج إلى وعي السوريين، نسمع صوتاً مخالفاً يأتي من لما زين الدين طالبة آداب، إذ تقول عندما كنت مراهقة تمنيت لو أني ولدت في أميركا وكنت أتشبه بشاكيرا واعتبرها مثلي الأعلى في الجمال والرشاقة، أما اليوم فأنا لا تعجبني أميركا، كل أميركا حكومة وشعبا وثقافة، وكل ما يمت إليها بصلة، فبعد ما حدث في العراق والتهديد بضرب بلدي، أصبحت أكره بوش وأخاف منه، وعندما أعاد الشعب الأميركي انتخابه رغم كل الويلات التي حصلت في العالم بسبب سياسته، بت أشك في أخلاقيات وتوجهات الشعب الأميركي، وأصبحت أقول إذا كانوا يكرهوننا، فلماذا لا نكرههم؟
ثمة أبواب مصمتة وموصدة، وجدران سميكة وعالية، وعسكر مدججون بالأسلحة ينتشرون في محيط السفارة والمدارس والمراكز الثقافية الأميركية في سورية. لن نحتاج لدقة نظر حتى نكتشف المظهر الجديد للثقافة الأميركية، حواجز من شكوك وخوف وريبة تكاد تقضي على البهجة الأميركية لتتحول إلى أسلاك شائكة، وإلى تجهم قد لا يختلف عن تجهمنا المزمن. وليس اعتباطاً عندما يمتنع موظفو المركز الثقافي الأميركي بأوامر من واشنطن عن التصريح للصحافة، بعدما كان المركز نفسه مفتوحاً لتدريب الصحافيين، وبات زائرهم السوري موضع شك من الجانبين، السوري والأميركي معاً، وكأنه لا يجوز أن تكون هذه العلاقة إلا خجولة منعاً للشبهات.

 

الجمل + الشرق الأوسط

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...