«لكل ليلاه»: رشاقة الصورة تطغى على النص

03-08-2009

«لكل ليلاه»: رشاقة الصورة تطغى على النص

يبدو، من حيث الشكل، أن تسمية «دراما نسوية» التي أطلقت على الفيلم التلفزيوني «لكل ليلاه» الذي عرض للفنانين والإعلاميين في مسرح الدراما بدار الأسد للثقافة والفنون في دمشق تتناغم مع كل الأصوات الذي ذهبت إلى تفسير مصطلح مشابه هو «الأدب النسوي»، فهي دراما تصنعها النساء (المخرجة سهير سرميني والكاتبة ديانا فارس ونجمات العمل أناهيد فياض، رندا مرعشلي، جيهان عبد العظيم). وإن كان المصطلح هنا يُرد لمضمون العمل، فالفيلم يروي حكاية ثلاث شابات، لكل منهن حياتها وطريقة تربيتها الخاصة التي تنعكس في تصرفاتها وسلوكها، فـ «ندى» فتاة وحيدة ويتيمة، تقع أسيرة خوف أبيها عليها وتعلقه بها ولاحقاً ضحية علاقة حب فاشلة، و«هادية» تعيش ضمن جو أسري اجتماعي يراعي العادات والتقاليد ويتمسك بها، وبموجب ذلك تختار خطيبها بطريقة تقليدية أما الصديقة الثالثة «رنا» فهي الفتاة الجميلة المغرورة واللعوب، ابنة أسرة متفككة. أناهيد فياض، رندا مرعشلي والمخرجة سرميني
وبعيداً عن جدل صحة المصطلح أو عدمه، يبرز الفيلم التلفزيوني «لكل ليلاه» كواحد من الإنتاجات المتميزة لمديرية الإنتاج التلفزيوني في الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون إذا ما قيس بما أنتجته المديرية خلال السنوات السابقة، وهو تميز يبدأ من الجهد الواضح في محاولة المخرجة سرميني تقديم صورة تلفزيونية نجحت إلى حد كبير في التقاط حرارة الحدث، ولا ينتهي عند أداء مميز للممثلين ربما كان أبرز ما فيه إعادة اكتشاف قدرات رندا مرعشلي الحقيقية.
في نص العمل كان ثمة ما لم يختمر بعد في الحكاية، فالمبدأ الذي قام عليه البناء الدرامي للفيلم سرعان ما أصابه خلل في التوزان حين شهدنا حضورا متفاوتا للخطوط الدرامية الثلاثة المتعلقة ببطلات العمل، فبدا الخط الدرامي المتعلق بـ «ندى» مسيطراً مكتمل الملامح، بينما عانى الخطان الدراميان الآخران (المتعلقان بـ «رنا» و«هادية») من استعجال في كشف تفاصيلهما، لينتهي الفيلم من دون أن يختمر كل منهما: ففي أربعة مشاهد فقط لأسرة «هادية» أرادت الكاتبة فارس أن تختصر مشكلة الشخصية وتفسر تصرفاتها، وعرضت بعدد مشاهد أقل لمحيط «هادية» التقليدي، وبجملتين أو ثلاث كشفت عن تزمت خطيبها. هل كانت الكاتبة فارس تقوم بذلك لتكثيف الحدث الذي يقتضيه الفيلم التلفزيوني المحدد بوقت قصير؟ إن كانت تفعل ذلك فقد أخفقت مرتين، ففي المرة الأولى كان من الممكن أن تعرض لمشكلتي «هادية» و«رنا» من خلال حوارات بين الصديقات الثلاث، عوضا عن خلق شخصيات تتصرف وتتكلم على عجل وبشكل مباشر. فالمباشرة في الدراما تقتل متعة الحدث والإثارة فيه. وإن كنا سنذهب مع خيارات الكاتبة في حقها بفرد خطين دراميين منفصلين لكل من «رنا» و«هادية» عن «ندى» مع حفاظها على التكثيف الذي يتطلبه الفيلم التلفزيوني، فهنا نرى أن الكاتبة أخفقت مرة ثانية حين تجاوزنا أكثر من نصف وقت عرض الفيلم التلفزيوني، وكانت الكاتبة لم تزل في مرحلة التمهيد لحكايتها ولم تصل بعد إلى مرحلة التأزم في خطابات شاباتها الثلاث. لا يقلل الكلام السابق من أهمية تماسك الخط الدرامي للشابة «ندى»، ولو أن الكاتبة اختارت أن تكون حكاية «ندى» مع أبيها وحبيبها هي الأساس لكنا على الأقل أمام نص أكثر تماسكاً.
إخراجياً، تمتاز كاميرا المخرجة سرميني برشاقتها. هي تتحرك كثيراً ضمن عدد كبير من أماكن التصوير وهو الأمر الذي وفر كوادر تصوير جيدة، اجتهدت المخرجة سرميني في تقطيعها ضمن أكثر من احتمال في المشهد الواحد. كان استحقاق سهير سرميني كمخرجة في سعيها لابتكار حلول إخراجية لكثير من الحوارات التي تدار بين أبطالها فنجحت في كثير منها، ولا سيما لجهة تعاملها في معظم مشاهد الفنانين سليم صبري ورندا مرعشلي حيث نجحت الكاميرا في التقاط أحاسيسهما ضمن كوادر جميلة، إلا أن هاجس الابتكار هذا لم ينج من السقوط في بعض الحركات التي لا مبرر لها: فحركة الكاميرا، على سبيل المثال، التي تبدأ المشهد من أعلى المبنى تعرض واجهته وصولا إلى الشارع أو بالعكس، افقد التكرار معناها وجماليتها. وبالمثل كان التقاط مشهد «ندى» وخالها في أحد مطاعم دمشق القديمة من أعلى نافراً. وبكل الأحوال بدت ظلال المخرجة سرميني واضحة في العمل وهو الأمر الذي يعد حقا لها وهي في مرحلة تكريس اسمها كمخرجة درامية، وهو حق مارسه كثير من المخرجين قبلها، لكنه سرعان ما سيتحول إلى عيب مع تكرار التجربة لاحقاً.
العمل من بطولة سليم صبري، رندا مرعشلي، جيهان عبد العظيم، أناهيد فياض، نضال نجم، علي كريم، تولاي هارون، هالة حسني، وسيم الرحبي، فراس الفقير.

المصدر: السفير

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...