التداعيات الماثلة والمؤجلة لعمليات حزب العمال الكردستاني في تركيا

20-06-2010

التداعيات الماثلة والمؤجلة لعمليات حزب العمال الكردستاني في تركيا

الجمل: تزايدت وتيرة عمليات حزب العمال الكردستاني العسكرية ضد تركيا, وما هو لافت للنظر أن اضطراد هذه العمليات قد بدأ منذ لحظة الهجوم العسكري الذي نفذه الحزب ضد قاعدة اسكندرون العسكرية البحرية بالتزامن مع الهجوم العسكري الذي نفذته القوات الخاصة الإسرائيلية ضد قافلة سفن كسر الحصار على قطاع غزة: لماذا تصاعدت عمليات حزب العمال الكردستاني العسكرية في الآونة الأخيرة؟ وما مدى قدرة حزب العمال الكردستاني على فرض حضوره القوي بالوسائل العسكرية في الساحة التركية؟ وما هي التداعيات الماثلة والمؤجلة لهذه التصعيدات؟

التصعيد العسكري: المحفزات والاتجاهات:
تقول التقارير والمعلومات الجارية بأن منطقة جنوب شرق تركيا, المتاخمة لنقطة التقاء الحدود التركية-العراقية-الإيرانية, أصبحت تعرف باسم منطقة "مثلث الموت" وذلك بسبب المواجهات الععلم حزب العمال الكردستانيسكرية المسلحة المتزايدة الوتيرة بين حزب العمال الكردستاني, وقوات الجيش التركي, وتشير آخر التطورات الجارية إلى:
• قيام قوات حزب العمال الكردستاني بمهاجمة بعض المناطق العسكرية التركية.
• قيام القوات الخاصة التركية بالتغلغل في بعض مناطق شمال العراق, واستهداف بعض قواعد ومعسكرات حزب العمال الكردستاني.
• قيام الطائرات التركية بتنفيذ بعض العمليات العسكرية التي تضمنت قصف بعض مناطق تمركز حزب العمال الكردستاني, واستهداف عناصر قيادته الموجودين في هذه المناطق.
تشير التحليلات إلى العديد من التفسيرات التي سعت لجهة توضيح أسباب التصعيدات العسكرية الجارية في مناطق جنوب شرق تركيا بين حزب العمال الكردستاني, والقوات التركية, وفي هذا الخصوص نشير إلى التفسيرات الآتية:
• انتهت الهدنة المتفق عليها بين حزب العمال الكردستاني والسلطات التركية, وبسبب عدم استجابة أنقرا, فقد اختار حزب العمال الكردستاني اللجوء إلى الاستمرار في الخيار العسكري.
• طلب زعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان من السلطات التركية تخفيف ظروف احتجازه في السجن حيث يقضي حكما بالسجن المؤبد, وذلك كشرط لقيام أوجلان بتخفيف وتقليل أنشطة الحزب العسكرية المسلحة, وبسبب رفض السلطات التركية لهذا الشرط, فقد اختار أوجلان أن يترك للحزب حرية التصرف والقرار.
• توجد روابط وثيقة بين حزب العمال الكردستاني, ومحور واشنطن-تل أبيب, وبسبب توتر علاقات أنقرا المتزايد مع محور واشنطن-تل أبيب, إضافة إلى تدهور العلاقات الإسرائيلية التركية, الذي وصل إلى مستوى غير مسبوق, فقد سعى محور واشنطن-تل أبيب إلى إحياء مخطط استخدام حزب العمال الكردستاني في تنفيذ عمليات حرب الوكالة ضد تركيا, وذلك بما يحقق أولا معاقبة تركيا, وثانيا ردعها من مغبة التمادي في توجيه الانتقادات لإسرائيل.
حتى الآن, لا توجد أي مؤشرات أو بوادر تفيد لجهة لجوء حزب العمال الكردستاني إلى تقليل عملياته العسكرية, وعلى الجانب التركي, لا توجد أيضا أي بوادر أو مؤشرات تفيد لجهة أن القوات التركية سوف تتوقف عن مهاجمة عناصر وقواعد حزب العمال الكردستاني سواء في تركيا أو في شمال العراق.

حزب العمال الكردستاني التركي: القدرات والنوايا
شهدت منطقة شرق المتوسط حدوث ثلاثة تطورات خلال الأعوام الأخيرة الماضية, أدت إلى إحداث المزيد من التغييرات في خارطة التحالفات وتوزيع القدمناطق دعم السكان المحليين لحزب العمال الكردستانيرات, والتطورات هي:
• صعود حزب العدالة والتنمية الإسلامي التركي إلى السلطة في أنقرا, بما أدى إلى حدوث المزيد من التغييرات في توجهات السياسة الخارجية التركية.
• قيام القوات الأميركية بإكمال عملية غزو واحتلال العراق, بما أدى إلى تمركز أميركا في المنطقة, وسعيها إلى إعادة ترتيب عمليات الاصطفاف السياسي في المنطقة, وأيضا داخل الساحة السياسية العراقية.
• صعود القدرات التقليدية وغير التقليدية الإيرانية, بما أدى إلى تزايد أعباء محور واشنطن في استهداف المنطقة.
أثرت هذه التطورات في معادلة حسابات الفرص والمخاطر الخاصة بالفصائل المسلحة الانفصالية الكردية, وعلى وجه الخصوص حزب العمال الكردستاني, الذي أصبح يدخل ضمن معادلة غريبة التقلبات:
• عندما تتوتر علاقات أنقرا مع محور واشنطن-تل أبيب فإن حزب العمال الكردستاني يجد الدعم والسند الأميركي-الإسرائيلي, بما يتيح له شن العمليات العسكرية ضد تركيا..
• عندما تتحسن علاقات أنقرا مع محور واشنطن-تل أبيب فإن حزب العمال الكردستاني تنهال عليه الضربات ويواجه المزيد من الضغوط ليس بواسطة محور واشنطن-تل أبيب وإنما بواسطة القوى والحركات الكردية العراقية الشقيقة له.
تشير التسريبات الاستخبارية الجارية إلى ان حزب العمال الكردستاني قد استطاع خلال الفترة الماضية من تحسين قدراته محققا الآتي:
• توسيع عدد العناصر بحلول عام 2010م إلى 18 ألف عنصر مسلح بدلا عن 3 آلاف عنصر مسلح في عام 2007م الماضي.
• تعزيز هيئة القيادة العسكرية, بما أصبح يتضمن وجود خمسة من القادة الرئيسيين: مرات كيريالين – باهوز إيردال – سيميل باييك – زبير عيداد – حاجي أحمدي, وحاليا يستطيع كل واحد من هؤلاء تولي منصب القائد الأعلى, بكل سهولة.
• تنسيق الارتباط الميداني بسلسلة الفصائل الكردية المسلحة المتمركزة في شمال العراق, وعلى وجه الخصوص حزب الحياة الحرة (بيجاك) الكردي الإيراني, وبعض الجماعات المسلحة الكردية اليسارية الصغيرة.
• بناء التفاهمات التكتيكية مع القوى والحركات الكردية الرئيسية المسلحة والسياسية المسيطرة على إقليم كردستان العراقي, وعلى وجه الخصوص الاتحاد الوطني الكردستاني (طالباني) والحزب الديمقراطي الكردستاني (البرازاني) وذلك بما أدى إلى إرساء خطة تتضمن اعتماد مناورة تكتيكية تتيح لهذه الأطراف التكيف مع مستجدات علاقات مثلث أنقرا-واشنطن-تل أبيب.
• على خلفية التطورات الداخلية والإقليمية والدولية الجارية, تشير التوقعات إلى أن حزب العمال الكردستاني سوف يواصل نشاطه في المنطقة وفقا لمبدأ الجمع بين ثنائية التصعيد والتهدئة, بحيث يتم اللجوء لخيار التصعيد عندما يتوافر غطاء دعم محور واشنطن-تل أبيب, ويتم اللجوء لخيار التهدئة عندما ينعدم هذا الغطاء, مع ملاحظة أن اللجوء لخيار التهدئة يتضمن من الناحية الأخرى تصعيد عمليات التجنيد والتدريب وجمع المعلومات الاستخبارية, وهو ما حدث بالفعل خلال العامين الماضيين, فبرغم لجوء الحزب للتهدئة العسكرية فإنه استطاع استثمار التهدئة لزيادة قدراته الكمية والنوعية بما مكنه الآن من تنفيذ عمليات عسكرية أكثر جرأة وخطورة من عملياته السابقة.

خيارات أنقرا: إشكاليات الأسئلة المتجددة الحرجة
أكدت المعلومات والإحصائيات الجديدة, المتوافرة, إلى أن المواجهات مع حزب العمال الكردستاني قد كلفت تركيا الخسائر والتكاليف الآتية:
• القتلى الأتراك: 26 إلى 30 ألف قتيل من عناصر الجيش التركي, إضافة إلى حوالي 6 آلاف قتيل من عناصر الأمن التركي, وحوالي 6 آلاف قتيلا من عناصر الشركة التركية, إضافة إلى سقوط ما بين 6 إلى 7 آلاف قتيل من المدنيين الأتراك.
• الخسائر الافتصادية الداخلية: بلغت جملة الخسائر المباشرة في مجال البنيات التحتية التركية حوالي 200 مليار دولار أميركي, وبحسب التقديرات التقليدية المتعلقة بخسائر النزاعات, فإن حجم الخسائر غير المباشرة يعادل في معظم الأحوال ثلاثة أضعاف حجم الخسائر المباشرة, وبكلمات أخرى فإن حجم الـ200 مليار دولار كخسائر مباشرة, قد ترتبت عليه خسائر غير مباشرة بحجم فرصه الضائعة للاقتصاد التركي تعادل 600 مليار دولار, ويجمع إجمالي الخسائر المباشرة مع إجمالي الخسائر غير المباشرة, فإن الاقتصاد التركي قد فقد خلال الفترة الممتدة من عام 1984م وحتى الآن بسبب المواجهات العسكرية حوالي 800 مليار دولار
• الخسائر الاقتصادية الخارجية: تعتبر منطقة جنوب شرق تركيا بمثابة الممر البري الحيوي الذي يربط الاقتصاد التركي باقتصاديات كل من سوريا والعراق وإيران, وبسبب تزايد التصعيدات والتهديدات العسكرية في هذه المنطقة, فقد ترتب على ذلك حرمان الاقتصاد التركي من مزايا تعزيز وتوسيع الروابط الاقتصادية الإقليمية, وهي خسائر لا تقدر بثمن ليس بالنسبة لتركيا وحسب وإنما بالنسبة لبقية اقتصاديات المنطقة الأخرى.
• الخسائر الإجتماعية: أدت عمليات حزب العمال الكردستاني إلى توتير العلاقات الكردية-التركية, وذلك بسبب ما ترتب على هذه العمليات من تعبئة سلبية فاعلة أسفرت عن الخصومات والعداوات التي ألحقت ضررا بالغا بالنسيج الاجتماعي الوطني التركي, وفي هذا الخصوص ما تزال المجموعات السكانية التركية التي تعيش في المحافظات الكردية تواجه المزيد من عمليات العنف الرمزي الاجتماعي, ونفس الشيء بالنسبة للأقليات الكردية التي تعيش في المحافظات التركية الوسطى والشمالية والغربية.
من غير الممكن إن لم يكن من المستحيل أن ينجح حزب العمال الكردستاني, من القيام بحسم الصراع العسكري لصالحه, وذلك لأن إلحاق الهزيمة العسكرية بالجيش التركي هي أي أمر غير وارد في ظل الوضع الحالي, ونفس الشيء بالنسبة للجيش التركي, فهو وإن كان قادرا على القيام بتوجيه الضربات القوية الناجحة ضد قواعد وعناصر حزب العمال الكردستاني, فإن تعاطف السكان المحليين في مناطق جنوب شرق تركيا وشمال العراق سوف يظل مصدر الدعم والسند الرئيسي الذي يتيح لحزب العمال الكردستاني القيام بتعويض الخسائر والحفاظ على تجديد قدراته, ولكن, وفي ظل معادلة توازنات الوضع الجزئي والكلي, فإن معاناة السكان المحليين الأكراد سوف تزداد, وعلى وجه الخصوص في مناطق جنوب شرق تركيا, وفي ظل التطورات المستقبلية وما يشهده العالم من انفتاح ثقافي-اجتماعي-اقتصادي-سياسي فمن المؤكد أن السكان الأكراد سوف لن يفضلوا الاستمرار في تحمل وطأة المعاناة من أجل ملف الهوية العرقية, ومن المؤكد أن يسعى هؤلاء الأكراد إلى استبدال ملف الهوية العرقية بملف المصالح الاقتصادية, خاصة وأن حزب العدالة والتنمية لم يتبن أي توجهات متشددة ضد الهوية الكردية في تركيا.. وسوف يخسر السكان الأكراد الأتراك كثيرا, إذا خرج حزب العدالة وصعد إلى حكومة أنقرا حزب الشعب الجمهوري أو الحزب القومي التركي..

 


الجمل: قسم الدراسات والترجمة

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...