(وثائق سورية):بلاغ فوزي القاوقجي إلى الرأي العام العربي والعالمي

24-11-2009

(وثائق سورية):بلاغ فوزي القاوقجي إلى الرأي العام العربي والعالمي

     من تدقيق البلاغ الذي أذاعته الحكومة البريطانية بتاريخ 7 أيلول 1936 عطفاً على تعيين قائد عام وإرسال نجدات جديدة إلى فلسطين ومن استعراض أحوال هذه البلاد العربية منذ الاحتلال البريطاني حتى يومنا هذا تبين لمجلس الثورة العربية أن الحكومة البريطانية كانت وما زالت تتبع سياسة اللف والدوران إزاء الحقوق العربية في سورية الجنوبية وأنها تمكنت بأخاديعها من فصل فلسطين عن سورية الكبرى وعزلها عن البلاد العربية المحررة وهي جادة في جعلها في أحوال سياسية وإدارية واقتصادية تكفل إنشاء وطن قومي يهودي على حساب المصالح والحقوق العربية مهملة حتى ما أوجبه عليها صك الانتداب نفسه من التزامات دولية نحو العرب وهي:
1- حكومة البلاد راجع المواد 11و13و17و28 من صك الانتداب.
2- ترقية أنظمة الحكم الذاتي وتشجيع الاستقلال المحلي راجع المادة 6 حقوق ومركز الأهالي ورد مكلفاً في هذه المادة بحيث يفهم من ذلك شموله الحقوق السياسية والكيان العربي في فلسطين دون قيد أو شرط.
 ولكن يظهر أن الحكومة البريطانية المستخذية للصهيونية قد كانت وما زالت تتجاهل هذه النصوص الأساسية الخاصة بالتزاماتها نحو العرب وبدلاً من إقرارها الحقوق الوطنية في فلسطين وتشجيعها الاستقلال المحلي قد استعاضت عن ذلك مدة ثمانية عشر عاماً بإدارة يهودية بريطانية تستمد وجودها وصلاحياتها من حكومة لندن رأساً ومن الوكالات اليهودية في فلسطين وجعلت همها إبطال العمل بالتزاماتها الدولية نحو العرب إرضاء لليهود الذين تمكنوا من تسخيرها لأطماعهم ففتحت لهم باب هجرة طاغية ألحقت ومازالت تلحق أعظم الأضرار بحقوق ومركز الأهلين خلافاً لصراحة المادة 6 من صك الانتداب حتى لتكاد تزيح هذه الهجرة الطاغية الشعب العربي عن مركزه وتقضى على كيانه الموروث وحقوقه الوطنية المقدسة.
 ولقد كان مؤسفاً للغاية أن تثابر الحكومة البريطانية على سياسة التحيز لليهود واتباع خطة التهويد وإجلاء الشعب العربي الموعود من قبلها بالاستقلال عن وطن آبائه ولجان تحقيق بريطانية رسمية أجمعت على وجوب إنصاف العرب فلم يؤبه لتقاريرها ولم تنفذ توصياتها بل ظلت السياسة البريطانية راكبة رأسها ممعنة في الكيد للعرب تعمل ليل نهار على زيادة المظالم بدلاً من ازالتها. حتى انتهى الأمر بالعرب إلى اليأس من إنصاف الحكومة البريطانية واعتقاد جازم بسوء نيتها. فكان لزاماً عليهم أن يتحدوا هذه السلطة الأجنبية الغاشمة مهما كلفهم ذلك من ضحايا على اعتبار أنها سلطة غير مشروعة سواء بالنسبة لإخلالها بعهد عصبة الأمم أو بالعهود أو بالوعود الرسمية المقطوعة للعرب أم بمبادئ الحقوق الطبيعية الواجبة الاحترام.
 ذلك ما جعل الشعب العربي في فلسطين يعلن اضرابه العام ويقوم مضطراً بأعمال العنف لا ليهدد الحكومة البريطانية كما تزعم بل ليلفت نظرها ونظر العالم إلى أعظم مظلمة عرفت في تاريخ البشر.
 بيد أن الحكومة البريطانية وقد فتحت عينها على سيول الدماء واركام الأشلاء لم تر تعد لضحايا غدرها وختلها بل ظلت تحاول التغافل عما جنت واقترفت حتى إذا تقدم إليها زعماء العرب المعتدلون بمطالبهم الثلاثة المشروعة وهي:
أ-قيام حكومة وطنية مسئولة.
ب-منع الهجرة اليهودية منعاً باتاً لما ألحقت وتلحق من إضرار بحقوق ومركز الأهالي.
ج-منع بيع الأراضي للأسباب نفسها.
 عمدت على عادتها إلى الختل والمراوغة وسياسة اللف والدوران معلنة بصراحة أنه غير مستعدة لإدخال تغييرات على سياستها حيال فلسطين وأنها سترسل لجنة ملكية للتحقيق في حدود صك الانتداب مع العلم أن المطالب الثلاثة التي تقدم بها المعتدلون من العرب لم تكن في الواقع دعوة إلى إدخال تغيير في السياسة البريطانية الواجبة الإتباع حيال فلسطين كما يزعم مجلس الوزراء الانجليزي بل دعوة إلى تنفيذ ما أجمع عليه خبراء بريطانيون ولجان تحقيق بريطانية رسمية وإلى احترام الالتزامات البريطانية نحو العرب المثبتة في صك الانتداب المزيف نفسه.
 وقد ورد فيه الاعتراف بحكومة مستقلة للبلاد الفلسطينية منفصلة عن الدولة المنتدبة (المواد 11و13و 17 و28) وتعد للوقوف وحدها أي للاستقلال التام عملاً بالمادة (22) ومنع الهجرة اليهودية عندما تلحق ضرراً بحقوق ومركز الأهالي المادة (6) ولكن يظهر أن هذا كله مما تحاول الحكومة البريطانية تجاهله عمداً استبقاء للسلطة بيده من جهة وإذعاناً لمشيئة اليهود وترويجاً لأطماعهم من جهة أخرى حاسبة العرب من السلع تباع وتشرى.
 إن حكومة الثورة العربية في سورية الجنوبية تأسف أسفاً عميقاً لعسف الحكومة البريطانية وتماديها في أطماعها الاستعمارية. ولطغيان السلطان اليهودي على سياستها إزاء العرب وهي إذ تحاول أن تضع تسوية دائمة للمسألة الفلسطينية كما تدعى. كان يجد ربها أن تصدر تصريحاً رسمياً بتأييد مطالب العرب المنطوية على أقل ما يمكن أن يطمئنهم على مستقبلهم وكيانهم الوطني بل إنه لمن دواعي العجب أن لا تغتنم الحكومة البريطانية فرصة تدخل أصحاب الجلالة والسمو ملوك وأمراء العرب وبعض كبار رجالهم بدافع من حسن النية والحرص على مستقبل علائق الأمتين العربية والبريطانية فتصدر ذلك التصريح الرسمي المعقول تبريراً لواسطة أصحاب الجلالة والسمو في نظر الأمة ولدى حكومة الثورة عندما يباشرون دعوتهم إلى حل الإضراب أو توقيف أعمال العنف بل إن تفسير الحكومة البريطانية لهذه الوساطة الشريفة كهدية بلا عوض وركوبها مركب التهديد الخشن والتحكم الممقوت وإطالة أمر الفتنة بلا جدوى في هذا الجزء المقدس من بلاد العرب إن دل على شيء فإنه لا يدل إلا على تقهقر السياسة البريطانية واستسلامها للحكم الصهيوني والأطماع اليهودية استسلاماً مطلقاً كلما طال أمده. زاد في اشتعال نار العداوة والبغضاء وأفقدها ثقة العالمين العربي والإسلامي وهي الثقة القيمة التي ستدفع الإمبراطورية ثمنها غالياً في الشرق.
 لقد أمعنت حكومة الثورة العربية نظرها في موقف الحكومة البريطانية من وساطة ملوك وأمراء العرب وفي إشادتها على سبيل التهديد برحابة صدر السلطات البريطانية في فلسطين في الوقت الذي تزهق هذه السلطات أرواح الأهلين الآمنين وتنسف مدنهم  وبيوتهم وتصادر أموالهم وحرماتهم وتسبى نساءهم وتروع أطفالهم كما أمعنت النظر في إقرارها إرسال نجدات عسكرية إلى فلسطين ملوحة بالأحكام العرفية وباستعدادها لصب مظالم الأحكام على رأس الشعب الآمن فاقتنعت أن حكومة لندن مازالت فريسة للمطامع الصهيونية التي تزين لها الاستمرار في خطة العسف والظلم ومصادرة الأماني القومية المشروعة بقوتي الحديد والنار توسيعاً لشقة الخلاف بين الأمة العربية والشعب البريطاني وهي الخطة التي لا تتفق قط مع ما تدعيه الحكومة البريطانية في بلاغها الأخير من أن هدفها الدائم هو تأمين وصيانة العلاقات الودية مع الشعوب الإسلامية. ومن دواعي العجب أن لا تدرك الحكومة البريطانية وهي الحكومة المجربة أن القوة الغاشمة ليست هي الوسيلة الصالحة لإقامة سلم دائم في فلسطين بل هو العدل وإحقاق حق الأمة. وان الانتداب ليس بعلاقة أبدية بل هو وسيلة من وسائل مساعدة الشعب إلى أن يقف وحده متمتعاً باستقلاله التام. وإن الشعب العربي الذي خاض غمار الحرب العالمية إلى جانب الحلفاء معتمداً على عهودهم وشرف وعودهم لتحقيق حريته واستقلاله لم يعترف قط في سائر البلاد العربية المحررة بمشروعية الانتداب الذي فرض عليه فرضاً لأغراض استعمارية مفضوحة بل رفضه ومازال يرفضه باتاً بإباء وإن تجارب ثمانية عشر عاماً قد أثبتت فشل الانتداب البريطاني في فلسطين كما ثبت من قبل فشله الانتداب في البلاد العربية الأخرى حتى استعاضت عنه بريطانيا نفسهم في العراق، وفرنسا في سورية الشمالية بمعاهدة تعترف باستقلال البلاد التام ولم يبق من العدل والمنطق السياسي أن تظل فلسطين وهي جزء لا يتجزأ من البلاد العربية أقل حظاً من أخواتها في ممارسة حريتها السياسية وحقوقها الاستقلالية المؤيدة بحكم المادة (22) من عهد جمعية الأمم ومبادئ الرئيس ولسن والتصريح البريطاني الفرنسي المشترك عام 1918 وعهود ووعود إنجلترا الرسمية للعرب.
 وإذا كانت الحكومة البريطانية لا تنوي التخلي عن انتدابها كدولة مستعمرة تحاول استبعاد فلسطين واستغلالها باسم الانتداب ووعد بلفور الباطل فإن عرب فلسطين ومن ورائهم العالم العربي بأسره قد اعتزموا أن لا يتخلوا عن بلادهم ووجودهم كأمة تريد الحياة الشريفة مهما كلفها ذلك من تضحيات وضحايا. أما مطالب الثورة العربية في فلسطين فقد بسطها بلاغنا العام رقم (1) تاريخ 11 جمادى الآخرة سنة 1355 و 28 أغسطس سنة 1936 وهي المطالب القومية المشروعة التي لا يرضى عنها المجاهدون بديلاً.
 إن لجنة التحقيق البريطانية الجديدة ليست في الواقع بحاجة للتحقيق في ظلامات العرب وهي ترى مظلمتهم الكبرى بارزة في تجريدهم من حقوق سيادتهم القومية في بلادهم وحرمان فلسطين العربية من حقوقها السياسية وإدارتها إدارة مباشرة منذ الاحتلال حتى يومنا هذا للتمكن من اغراقها بسيول الهجرة اليهودية الطاغية وإجلاء الشعب العربي عن وطنه المقدس ظلما وعدوانا. وها قد كشفت الحكومة البريطانية لآخر مرة عن سوء نيتها إزاء العرب بحسبانها وساطة ملوكهم وأمرائهم وسيلة من وسائل التخدير لا أمراً يتعلق بشرف أولئك الملوك والأمراء الكرام إزاء الأمة العربية التي يحرصون عليها حرصاً عليهم ويشعرون بشعورها وآلامها بأكثر مما يتصور ساسة الانجليز لذلك لم يكد يعرض أولئك الوسطاء الكرام أسس وساطتهم المعقولة حتى ظهرت  الحكومة البريطانية وكشفت عن نواياها المبيتة الخبيثة  التي كانت وستظل هي العامل الوحيد في استمرار الاضطرابات وفي فشل كل وساطة شريفة قائمة على حسن النية. وإن حكومة الثورة العربية ليؤسفها الأسف الشديد أن تعلن بأن الصداقة العربية البريطانية التي تجازف بها الحكومة البريطانية الحاضرة بتحريض من اليهود ستنتهي إلى عداء عربي بريطاني خطر حتى إذا شعر البريطانيون بعظم الكارثة التي تنتظرهم في الشرق أدركوا أن الحديد والنار لا يوطدان السلام وأن الظلم الصارخ لا يضمن مستقبل الإمبراطورية بل يعد الأمة العربية ومن ورائها العالم الإسلامي بأسره ليوم عصيب سيجعل من فلسطين قبر المصالح الإمبراطورية وسمعتها في المشرق والمغرب.
                                                                فوز الدين القاوقجي

المصدر:ملف وثائق فلسطين، ج1، ص 573.

الجمل- إعداد: د. سليمان عبد النبي

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...