2006-04-08 17:10
كراش : فيلم يعيد تحليل بنية الخطاب العنصري الأمريكي

لا أعتقد أن أفضل طريقة لنقد فيلم يرغب في كشف الوجه القاتم لواقع مدينة لوس أنجلوس، هي مقارنتها مع مدن حقيقية أخرى تسير فيها الناس بشكل طبيعي.

لكن ما فعله الكاتب المخرج بول هاغيس في اللقطات الأولى من «كراش» كان أشبه بسرد تاريخي لمجزرة.

في البداية، نشاهد غراهام ووترز (دون شيدل) وريا (جنيفر إسبوزيتو) التحريين العاشقين بطريقهما إلى مسرح جريمة.

وسريعاً يعبّر غراهام عن موقفه من الغرباء المقيمين في المدينة، ليتابع كلامه قائلاً: أعتقد أننا فقدنا مشاعرنا العامة، ووقعنا في الغرام فقط كي نشعر بشيء.

إلى جانبه جلست ريا والساقطة الكورية الأصل، وهي امرأة متوسطة العمر، وتجادلتا بصوت مرتفع قبل أن يتبادلا عبارات عنصرية متجاهلتين الأخوة التي تجمعهما.

ففي فيلم «كراش»، لا حدود ولا قواعد للحوار.. سواء أكان عن العمل أو الاتصال بالأم أو الحب العاري، وكلها تتخذ أجواء عدائية.

ومن تلك النقطة، ينطلق هاغيس الكاتب التلفزيوني المخضرم، الذي سبق وكتب سيناريو فيلم «واحد مليون دولار يا صغيري» إلى الحديث عن تسع شخصيات تتصارع بسخرية، وسط مصادفات غير واقعية، للكشف عن الدافع العنصري المخبّأ داخل النفوس والأرواح، لكل من استخدم رموز الأرقام ٣١٠ و٣٢٣ و٢١٣ و٨١٨.

أنت أيضاً معني بكل ذلك.. لأن هيكل القصة اعتمد على مقارنات من فيلمي «شورت كات» و«ماغنوليا».. ونشعر فوراً بأننا نعرف المقصود من مسلسلات تلفزيونية سابقة تطرح أفكاراً محدّدة.

ونرى أن كل نزاع في «كراش» يستند إلى أفكار عنصرية معادية للإنسانية. ويتابع المخرج خطّه البياني السينمائي بقسوة وظلم واضحين.

قد يكون هناك مليون قصة في المدينة العارية، لكن الفيلم يحكي عن ٢٠ شخصية أساسية تنفق ٩٠ دقيقة في مناقشات قاسية.

وما يجعلنا نرغب في مشاهدته والتصفيق له، أو سماع حواراته، كون مخرجه وكاتبه عاش في المدينة معظم حياته، وعانى ذكريات أليمة، حين هاجمه مسلّحان قبل أعوام عدّة، وبقي يحمل آثار ذلك الهجوم.

وقد وصف المخرج ما تعرّض له بأسلوب عاطفي، سافر وخيالي، ورواه في حكاية زوجين ذكيين يسرقان السيارات ويعشقان لعبة الهوكي على الجليد.

فإذا ما حدث شيء في الغابة الغربية وتطابقت الأوصاف على شخصية أخرى.. فهل هذا صحيح؟

في حالة ريك وجين يبدو الأمر كذلك..

ريك مدّعٍ عام في مقاطعة لوس أنجلوس، غير قادر على تجربة أي شيء، باستثناء إرسال المجرمين إلى السجن.. فكيف يواجه سرقة سيارته.

قرر الزوجان العودة إلى منزلهما وقفل الباب ومناقشة ما حدث.

لكن ريك، الذي سرق لصوص سود البشرة سيارته، لن يتمكن من قول حقيقة ما حدث، خوفاً من خسارة أصوات المواطنين السود، أو مواجهة مساعديه من السود، من أجل تطبيق القانون وتنفيذ العدالة.

أما زوجته جين الغاضبة، التي لا تزال تعاني تأثير العنصرية، فتخاف حين تشاهد عامل الاقفال الأسود، وتعتبره عضواً في العصابة التي هاجمتها، ثم تصرخ على الخادمة..

ومن هذه المشاهد، تشعر بالفكرة التي يطرحها الفيلم عبر تلك الشخصية!..

هناك أيضاً الشرطي رايان (مات ديلون) يسأل جين: هل تعرّفينني من أنت؟

تجيبه: أنت لا تعرفني...

عملياً، يكشف فيلم «كراش» عن كره الأجانب على مدار الساعة، وهي عداوة يواجهها العامل دانيال (مايكل بينا) ورفيقه، عبر سرقة العمال الآسيويين من أحد الأسواق الحرّة بالمدينة.

هناك أنطوني (كريس لوداكريس بريدجز) وبيتر (لارنز تايت) وهما أسودان في العشرينيات، طُردا من مطعم إيطالي في حي راقٍ بعد معاملتهما بقسوة.

ويتحدّث بيتر قائلاً: السود أصحاب سمعة سيئة، فيما يعترف أنطوني بأنهم غير ذلك.

وخلال ساعة ونصف، نسمع جدلاً عنصرياً. ويقول أنطوني بفلسفة واضحة، أن العنصرية موجودة في كل زاوية.. حتى في حركة امرأة بيضاء تسير في الشارع وهي ممسكة بيد زوجها.

يضيف: نحن السود، وحدنا مطوقون بالعداوة من البيض ورجال الشرطة في لوس أنجلوس. لكننا لا نخاف.. لماذا؟ يرد بيتر: لأننا نحمل سلاحاً.

وخلال ثوان تعبر جين (ساندرا بولوك) وريك (براندان فرايزر) الشارع وسط الزحام.

يعودان إلى منزلهما حين يشاهدان أنهما مختبئان تحت السرير خوفاً من الرصاص.

وبسرعة، يتحوّل دانيال وعائلته إلى ضحيّة للص فارسي الأصل (شون توب).

يُضاف إلى ذلك، سلسلة أحداث يشارك في أحدها رجل كوري الأصل، يتاجر بشكل غير شرعي ببيع عمال تايلانديين، للعمل في المحال، وعامل أسود يرفض مساعدة رجل مريض، لأن ابنه عنصري، وشرقي أبيض يرتكب ثالث جريمة.. وعضو في النيابة العامة يهاجم السود الذين لا يتردّدون في سرقة أي شيء.

وكلّها شخصيات قاسية، بعضها مرتكب، وآخرون ضحايا.

في مقدمتها كاميرون (تيرانس هاورد) مدير تلفزيون أسود وزوجته كريستين (تاندي نيوتون).. وبعد عودتهما إلى منزلهما ينقضّ عليهما شرطي عنصري يُدعى رايان وزميله الشاب (رايان فيليب) ويوجهان لهما إهانات عنصرية ويهدّدانهما بوقْفهما.

وداخل المنزل يشكوان مأساتهما..

يسأل كاميرون: هل تعتقدين بأنهم يصدّقون ما نقول؟

بعدها، يشاهدان مسلسل «كرسبي شو» وهو الوحيد الذي يحكي قصص العائلات السود وأبطاله من السود، ويهاجمان عنصرية البيض.

عملياً، قدّم ممثّلو الفيلم صورة واقعية سوداء عن بعض مظاهر الحياة في لوس أنجلوس، حيث لا تزال التفرقة العنصرية مسيطرة.

 

المصدر : المشاهد السياسي