عروض تباينت فنياً وجغرافياً... والجديد قليل

10-12-2010

عروض تباينت فنياً وجغرافياً... والجديد قليل

أسدل الستار، أخيراً، على اعمال مهرجان دمشق للفنون المسرحية في دورته الخامسة عشرة، بعدما أخذ نصيبه من النقد مثلما حظي بالثناء، خصوصاً لدى منظميه. بين المدح والذم ثمة مساحة للتأمل والتساؤل عن دور هذا المهرجان في تنشيط الحركة المسرحية، وإعادة بعض الحيوية إلى الحراك المسرحي الكسول، لا سيما أن هذا الضيف الطارئ، الخجول يظهر مرة واحدة كل سنتين، الأمر الذي يفضي إلى استنتاج منطقي يقول أن ليس في مقدور المهرجان «النهوض بالمسرح»، ذلك أن هذه «المهمة الطموح» تستدعي العمل الدؤوب المتواصل، ليأتي المهرجان، والحال كذلك، تتويجاً طبيعياً لتلك الجهود، ومحطة تكشف عن غث المسرح وسمينه خصوصاً في سورية، وبدرجة أقل في العالم العربي.

وإذا أعفينا المهرجان من القيام بهذا الدور الذي يتطلب سياسة ثقافية أكثر رحابة من هذه الظاهرة العابرة، وأردنا أن نحصي الأخطاء والهنات فسنعثر على الكثير منها، بدءاً من أماكن إقامة الضيوف، فبعضهم حظي بمكان مرفّه ذي خمس نجوم، وبعضهم الآخر وجد نفسه في مرتبة أدنى، إذ تقلص عدد النجوم حيث يقيم. لكن المشكلة لا تكمن في هذا التباين فحسب، فالضيوف الذين أقاموا في فنادق متواضعة جرت معاملتهم، كذلك، بهذا المنطق، إذ بدوا غرباء في مدينة لا يعرفون مسارحها وصالاتها، ولم يكلف المنظمون أنفسهم في تأمين وسائل النقل لهم أو إرشادهم أو إرسال منشورات المهرجان لهم حيث يقيمون، وما إن تأقلم هؤلاء مع هذا «الظرف»، وبدأوا في التعرف الى طرق مبتكرة للتواصل مع المدينة والعروض التي تشهدها حتى انتهى المهرجان.

الأمر الآخر تمثل في برمجة العروض التي تضمنت، مثلاً، ثلاثة عروض عربية في توقيت واحد، ونفي بعض العروض إلى مسرح قصي هو «مجمع دمر الثقافي»؛ البعيد عن مركز المدينة، والذي لا يستطيع جذب الجمهور كما مسرح «الحمراء»، و دار «الأوبرا» وصالة «القباني»، ناهيك عن عروض ألغيت على رغم إدراجها في البرنامج الرسمي، كما حدث مع العرض السويدي «مع الاحتفاظ بالشرف» الذي لم يعلم أحد بإلغائه إلا حين ذهب الجمهور إلى المسرح ليشاهد العرض، فعرف الأمر في تلك اللحظة وكان عليه أن يبحث عن خيار آخر. أما نشرة «المنصة» اليومية التي جاءت بطباعة أنيقة، وصور واضحة، وورق مصقول، فحفلت، بأخطاء كثيرة، طباعية وإخراجية ولغوية، وحوت بعض المقالات الضعيفة المستوى، وهي تعاملت مع العروض بانتقائية لا يعلم أحد معاييرها وأسسها، وسط تركيز على العروض السورية.

والملاحظ أن هذه النشرة ذكرت في عددها الأول أسماء ضيوف حار بعضهم في العثور عليهم في أروقة الفنادق وكواليس المسارح بلا جدوى، إلى أن اكتشف، أخيراً، أن ثمة «خللاً إدارياً، وخطأ مطبعياً» أدرج على أساسهما اسم عباس بيضون وتوفيق الجبالي وجواد الأسدي ومحمد إدريس ومحمد صبحي، وغيرهم.

أما بالنسبة للعروض، فلعل التعبير الذي استخدمه أحد الزملاء الإعلاميين حين وصف عروض المهرجان بأنه «عروض للهواة» يختزل بعضاً من ملامح هذه الدورة التي عرض خلالها نحو عشرين عرضاً عربياً، فضلاً عن نحو عشرة عروض سورية جديدة وقديمة، ورأى الناقد المسرحي السوري جوان جان، الذي يعمل في فصلية «الحياة المسرحية» التي تصدرها مديرية المسارح والموسيقى؛ الجهة المنظمة لهذه التظاهرة، أن الملاحظة الأبرز تمثلت في «غياب النصوص المسرحية المتماسكة والجيدة»، وهو طالب بضرورة «وجود جوائز في المهرجان»، لأن اتباع مثل هذا التقليد، وفق رأيه، «يساهم بالارتقاء في نوعية العروض المقدمة للمشاركة، أما الاكتفاء بعرض المسرحيات من دون لجان تحكيم لتقييمها، فيضعف من سوية العروض».

والواقع أن مستوى العروض بدا متبايناً من حيث الشكل والأسلوب، ومتشعباً من حيث المضامين لدرجة تصعب معها المجازفة بإدراجها تحت عناوين متقاربة، إذ تشابكت المواضيع تبعاً للجغرافيا الشاسعة التي قدمت منها هذه الأعمال المسرحية. العرض السوداني «ماستابا الرقصة الأخيرة» للمخرج والمؤلف عطا شمس الدين يروي حكاية عاشقين يسعيان إلى تغيير مفاهيم خاطئة يتمسك بها الكاهن أو «الأب» المتشبث بالتقاليد البالية للحفاظ على امتيازاته ومصالحه الشخصية. هذا التعاطي المختلف في النظر إلى قيم القبيلة التي تعيش في بقعة سودانية في زمن غير معلوم، يؤجج الصراع بين الجانبين وسط تركيز على استحضار مفردات البيئة الأفريقية الغنية بتشكيلاتها البصرية وإيقاعاتها الموسيقية الصاخبة، ورقصاتها المحمومة التي جسدتها بمهارة، هنا، الفنانة أمنية فتحي (ماستابا) التي سعت إلى هذا الخيار، وراحت تشعل الخشبة بحركاتها الرشيقة تعبيراً عن الرفض والاحتجاج، داعية إلى قيم بديلة تنهي القيود المكبلة للروح التي يحرسها «الأب» بشراسة. وغير بعيد من هذا المنحى التراجيدي جاء العرض التركي «مكان في وسط العالم» ولكن في قالب مسرحي مختلف تماماً، إذ اتكأ هذا العرض على الفرجة البصرية، وراح يوظف الستائر الشفافة والإضاءة المتقنة لخلق سينوغرافيا مفعمة بالتشكيلات البصرية.

وسط هذا الفضاء الملون، والمبهر نصغي إلى أسطورة الأميرة البائسة، وعاشقها الذي لا يتوانى عن ارتكاب الجرائم في سبيل الوصول إلى قلب الأميرة الذي يخفق للغير، فتأتي النهايات مأسوية لتذكرنا بالتراجيديات الإغريقية الكبرى. العرض المصري «صحوة ربيع» لليلى سليمان ذهب إلى فضاء مغاير، إذ طرح موضوعاً تناولته الفنون، خصوصاً السينما، بمعالجات مختلفة.

يبرز العرض جانباً من هواجس وهموم المراهقين الشباب وهم يكتشفون، على نحول خجول، التغيرات الفيزيولوجية للجسد، وظهور رغبات غامضة لا تفلح المدرسة ولا الأسرة في شرحها بصراحة، فيقــــع الشاب، عندئذ، في حيــرة مما ينتـــابه وهو يغــــوص في منهاجــــه المدرسي «الجاف والممل» من دون أن يعثــــر على أجوبة لأسئلته الملحة حول الجنس والجسد.

ولئن نجح العرض في توظيف التكنولوجيا واستثمر بنجاح لعبة المرايا المتشظية عبر توليف مسرحي سعى إلى الكشف عما يعتمل في دواخل هؤلاء الشباب، غير أن العرض في مجمله بدا ناقصاً، لم يفلح في تقديم معالجة ترقى إلى حساسية وجرأة الموضوع المطروح. ولم تغب محنة العراق عن هذا «العرس المسرحي»، ولن نتوقع من المسرح العراقي سوى سرد الهموم والمآسي، ولعل الموضوع الأكثر إيلاماً هو الهجرة التي تكاد تكون العنوان الأبرز في ليل العراق الطويل، سواء قبل سقوط النظام أو بعده، وهذا ما رأيناه في مسرحية «كامب» لمهند هادي الذي يتحدث عن أحلام العراقيين وهم ينتظرون كل صباح أمام مكاتب الأمم المتحدة في دمشق بحثاً عن سبيل للوصول إلى بلاد بعيدة، آمنة بعدما تحول بلدهم إلى ساحة للقتل اليومي.

وجاء العرض العراقي الثاني «صدى» لحاتم عودة ليكمل سابقه، إذ يرصد، بدوره، معاناة العراقي الذي فشل في العثور على وطن بديل، مثلما فقد الشعور بالانتماء إلى وطنه الغارق في رائحة النعوش. لكن العــــرض يحض على التمسك بالأرض التـــي لا تنسى عقوق أبنائها. شيء من هذا القبيل يتكرر في المسرحية الفلسطينية «هبوط اضطراري» لسلمان ناطور التي تتناول «غربة الإنسان الفلسطيني في وطنه، وفي منفــــاه بأسلوب يجمع بين السخرية اللاذعة والمعاينة المؤثرة والمبكية لعبثية الحالة الفلسطينية حين يضطر الفلسطيني إلى الهبوط الاضطراري من حلمه الجميل والعادل إلى واقع الاحتلال الخانق».

العرض التونسي «حقائب» لجعفر القاسمي، الذي حظي بالتقدير، تناول «لعبة التماهي بين الممثل وحقيبته، أو رحلة مع الممثل وفي الممثل باعتباره حقيبة تجر وتحمل وتدفع، والممثل هو الحقيبة المبهمة، فهل نفتح حقيبة هذا الممثل لنرى إحساسه، فضاءه، آلامه، أحلامه، صمته، حركته؟. أما العروض السورية فلها مقام آخر، لكن اللافت إقبال الجمهور السوري على مسرحه، في وقت كان يفترض أن يستغل فرصة المهرجان لمتابعة العروض العربية والأجنبية، فهذه الأخيرة تتعذر مشاهدتها خارج أيام المهرجان، على عكس عروض بلاده التي يستطيع مشاهدتها في أوقات أخرى، فضلاً عن أن غالبية العروض السورية كانت مكررة ومستعادة.

إبراهيم حاج عبدي

المصدر: الحياة

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...