الشباب في برامج الفضائيات

10-06-2009

الشباب في برامج الفضائيات

لو تأملنا صورة بعض المذيعين الشباب الذين يقدمون برامج تخاطب الفئات العمرية الشابة على الفضائيات العربية، لوجدنا أن بينها قواسم مشتركة عديدة في الشكل والمضمون. وباعتبار أننا نتحدث عن مجال بصري، فلا بأس لو بدأنا من الشكل... حيث تحضر على الشاشات أشكال غريبة لمذيعين شباب، يرتدون الجينز المجعّد والمهلهل، ويربطون خصلات شعرهم الطويلة بقطع من المطاط، أو يضفرونها بطرق مثيرة للاستغراب، إن لم يتبعوا تسريحات الشكل العشوائي، في حال لم تطل خصلات الشعر وتنسدل على الرقاب أو الأكتاف!
ألوان الملابس فاقعة، تملؤها الكتابات الأجنبية والأشكال الغريبة بما فيها شعارات القراصنة أحياناً، أو شارات (خطر الموت) التي ترسم على خزانات الكهرباء ذات التوتر العالي في الأماكن العامة.. جلساتهم تخلو من اللياقة لدرجة أننا نجد بعضهم يلف ساقاً فوق ساق وحذاؤه في مواجهة الكاميرا بزاوية قائمة... فالجلسة (شباب) والوضع (Free) حسب تعبيرهم، والرقة تغلب على المذيعين الذكور من الشباب، بينما نرى لدى الإناث صيغة متقشفة وعملية لحضورهم الأنثوي الذي ينحو منحى بسيطاً إلى حد يزدري أبسط مقومات الأناقة في شخصية المذيعة!
إذا أرهفنا السمع لما يقوله هؤلاء الشباب على الشاشة، فسيلفتنا أول ما يلفتنا، تلك الكلمات الأجنبية التي تستخدم في سياق حديثهم باللغة المحكية، منذ تحية البداية الأولى، إلى اسم البرنامج أو (program) والـ (logo) إلى الأرقام وانتهاء بكلمات الشكر والأسف والاعتذار وصيحات الإعجاب والدهشة، رغم أن كل لهجة محكية أو فصحى بطبيعة الحال، قادرة على ملء فراغات تلك الكلمات الأجنبية بنفس المستوى التعبيري، وبنفس خفة الظل إن شئنا! أما حين نقترب من المضمون، فسنجد أن هناك هوساً محموماً بخبريات نجوم هوليوود، أو قضايا الانترنت والتكنولوجيا والفيس بوك، أو تفاصيل صراعات نجوم الفن والرياضة ونجاحاتهم وإخفاقاتهم!
طبعاً لا يخلو الحديث أحياناً من الحديث عن قضايا اجتماعية أو حياتية لها علاقة بالدراسة والبيت والشارع والجامعة، لكن حديث هؤلاء المذيعين الشباب في هذه القضايا يتمحور حول الرفض المسبق لأي شيء... والتمرد على كل شيء... وبالتأكيد فهذا التمرد على اللغة ما هو إلا تعبير عن حالة تتصل بآلية التفكير، ومن المؤسف أن آليات التفكير التي تروج لها برامج الشباب، تعكس نظرة سطحية مشوشة للواقع ومشكلاته، فهي تبحث عن الاستقلالية دون وعي للمسؤولية، وتتحدث منح الفرص للشباب دون تسليحهم بثقافة عميقة تؤهلهم لاستثمار الفرص وجعلها ذات معنى!
أذكر أنني دعيت ذات مرة لاجتماع تأسيسي لإطلاق قناة عربية للشباب في مدينة جدة، بحضور مدير شركة إعلانية كبرى راعية، ووجود بعض المذيعين الشباب، الذين كان يفترض أن يكونوا واجهة تلك القنوات، لإيمان مموليها أننا يجب أن نخاطب الشباب من خلال مذيعين بنفس الفئة العمرية... وكانت البداية أن أحدهم اقترح اسم البرنامج (كووول) سأل أحد الحاضرين وهو من الجيل الشاب الوسط، أي في العقد الرابع من العمر، عن معنى (كووول) هذه... فانبرى بعض الشباب يشرحون له، عبر أمثلة من واقع سلوكيات الشباب التي تجعلهم جديرين بهذه التسمية العصرية المنفتحة!
الراعي الإعلاني كان يتحدث بإسهاب عن ضرورة تغيير صورة الشباب النمطية في هذه القناة الجديدة، وعن ضرورة الاقتراب من الشباب في موضوعات خفيفة تبحث في قصة الشعر والعروض المتوفرة في صالونات الحلاقة، وطريقة لبس العقال والشماغ، وسماع الأغاني، ورسائل 'اس إم إس'، والهوس بالموبايل، وحوارات الفيس بوك'، وتلفزيون الواقع! كان التحذير من أن نثقل على الشباب، أو نورطهم في قضايا جادة، كرة يتقاذفها المجتمعون فيما بينهم، تحت شعار أن هذه المحطة ستكون من الشباب وإليهم، ومهمتها أن تجتذبهم وتحقق أكبر نسبة مشاهدة، من أجل أن يكونوا جزءاً من نجاحها بالمعنى الإعلاني لا الإعلامي... أي تحقيق نسبة مشاهدة عالية تدر أرباحاً في الاتصالات والرسائل، وتجعل شركات إعلانية كبرى تساهم في تمويل برامج تلفزيون الواقع، التي تفتح الباب للتصويت بالموبايل من كل أنحاء العالم!
إن هذه الصورة التي عاينتها في الكواليس، كانت متطابقة إلى حد كبير مع الصورة التي وجدتها سائدة على شاشات الفضائيات، رغم أن المحطة إياها لم تقلع بالوعود والشعارات الكبيرة التي كانت تحلم بها ولله الحمد!
طبعاً ليس مطلوباً صورة نقيضة لكل هذا... فالنقيض هنا قد يكون مثالا للتجهم وتصنع الجدية، والتشدق بقضايا كبرى لا تهم الشباب على أرض الواقع، ومحاكاة نماذج لا تعبر عن التطلع إلى المستقبل بقدر ما تنتمي للماضي؛ لكن المطلوب اليوم هي صورة متوازنة، إذ ليس معقولا أن كل الشباب العربي اليوم يعيش على هذه الشاكلة التي يجسدها مذيعو برامج الشباب على الفضائيات... يلهثون وراء موضة مستوردة، بأشكال غريبة ونافرة، وملابس فاقعة الألوان أو الأشكال وكأن المطلوب هو الاختلاف بأي ثمن... وليس معقولا أن كل الشباب العربي قد استبدل (السلام عليكم) و(مساء الخير) بـ (هالو) و(بونجور) ولم يعد يعرف كيف يعتذر إلا بـ (سوري) و(باردون) ولم يعد يستخدم المطاط إلا لربط خصلات شعره... ولم يعد يرتدي إلا الجينز والأحذية الرياضية!
إن تكريس هذه المظاهر الشكلية يؤدي إلى تحويل الشكل إلى دلالة، وتحويل الدلالة إلى حامل لثقافة تنعكس دون شك على الفكر والمضمون كما رأينا... وكما نرى على شاشات محطات لبنانية مثل (الجرس) و(نيو تي في) و(أم تي في) أو خليجية مثل (الرأي الكويتية) أو سورية مثل (المشرق) وحتى مصرية ذات توجه جيد مثل (دريم).
لقد أرادت هذه القنوات وسواها أن تتخلص من نمط قديم، فصنعت نمطاً بلا هوية، قائم على الافتعال والتصنع، والسخف في التفكير، والسذاجة في الاستقلالية، والهامشية في الرؤية إلى جوهر الحياة... أرادت أن تحارب الوصاية على تفكير الشباب وتلقينهم، فخلقت وصاية جديدة قوامها محاربة أي تفكير، وتهديم أي قيمة يمكن أن تؤمن بحالة انتماء أو حوار مع جيل الآباء، وتسفيه أي بحث حقيقي عن منابع ثقافة لا بد أن تمر بالقنوات الكلاسيكية في عملية التأسيس على الأقل!
وباختصار تعكس الكثير من برامج الشباب على الفضائيات، صورة سطحية لشباب عربي مؤمن بسطحية حياته باعتبارها نموذج للتميز والاستقلالية والتجدد والخصوصية... 'وحصوة في عين اللي ما يصلي على النبي!'

 

- ظهر راغب علامة في برنامج (للنشر) على قناة (نيو تي في) قبل يوم واحد من بدء الانتخابات اللبنانية، أي في اليوم الذي منعت فيه وسائل الإعلام من الحديث المباشر في الانتخابات، وكان المفروض أنه سيقول ما لا يستطيع الإعلاميون قوله في هذا اليوم... فقدم دليلا جديداً على أن أسوأ من يتحدث في السياسة بشفافية وصدق هو الفنان العربي!
كان راغب علامة بلا طعم ولا لون ولا رائحة، يفسر الماء بعد جهد بالماء، ويقول ما يقوله رجل شارع ملول وخائف ومتحفظ، ينبذ الاستقطاب السياسي لكنه يستثني دون أن يسمي، وينبذ قوى المعارضة ويستثني دون أن يسمي، وينبذ قوى الموالاة ويستثني دون أن يسمي!
يريد أن يقترع لكنه لا يريد أن يعرف الناس لمن، ويريد أن يحيي بعض السياسيين لكنه لا يريد أن يعرف أحداً من؟ ويريد أن ينتقد لكنه يبقى في إطار العموميات والفرضيات، وهو في كل هذا يحب لبنان فقط!
لقد كان راغب علامة مثالا نموذجيا لكل فنان عربي، عندما يطالب بأن يضع آراءه السياسية على المحك الحقيقي، فيختبئ وراء ألف قناع!

 

- فاجأ برنامج (الشريعة والحياة) مشاهديه بطرح قضية هامة، طالما ابتعدت عنها البرامج الدينية، إنها قضية (السينما والتلفزيون ودروها في مخاطبة الناس) وكذلك قضايا وفتاوى تحريمها.
الدكتور يوسف القرضاوي قال إنه دعا منذ زمن إلى عدم تحريم السينما مادامت لا تسيء إلى الأخلاق والآداب العامة، واعتبر إباحتها تدخل فيما أسماه (فقه التيسير)؛ كما لفت إلى أهمية السينما والدراما عموماً، وإلى إعجابه ببعض المسلسلات ومعالجتها السليمة رغم اعتراضه على بعض القشور التي لا لزوم لها برأيه... أكثر من ذلك دعا القرضاوي إلى الاستفادة منها في مخاطبة وتوعية الناس، وإلى عدم تكريس الدراما الدينية من خلال طرح أعمال دينية تاريخية، بل تقديم دراما اجتماعية، لأن أثرها سيكون أكثر فاعلية، ودورها سيكون أكثر اتساعاً!
إنها موضوعات تستحق الإشادة، وتستحق الشكر، لأن المطلوب كما نقول دائماً- أن ينفتح الدين على العصر بكل ما فيه، بعد أن أغلق وانغلق على يد بعض الدعاة التلفزيونيين! 

محمد منصور

المصدر: القدس العربي


 

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...