الدكتاتور «غوغل» يغيّر أساليب الكتابة العربية

08-05-2008

الدكتاتور «غوغل» يغيّر أساليب الكتابة العربية

في آخر الأخبار ان شركة «غوغل» ترغب في وضع الإصدارات العربية على محركها البحثي، بل وستوفر صفحات من هذه الكتب، وهو أمر إن حدث، سيتسبب في انقلابات حقيقية في الأساليب الكتابية، وربما طرائق التفكير، إذ يعتقد ان محركات البحث وعلى رأسها «غوغل» قد أثرت في أساليب الكتابة العربية إلى حد كبير، لم يلتفت احد إلى دراسته، واستيعاب تحولاته، أما كيف اثرت محركات البحث في نصوصنا سلباً أو ايجاباً، فهو ما يحاول ان يجيب عنه هذا التحقيق.

في مقال لم ينشر، قام الناقد السينمائي بشار إبراهيم، على سبيل التسلية، بما أسماه (إعراب) مقال نشر في صحيفة سورية عن فيلم أميركي أحدث ضجيجاً لدى عرضه. عملية الإعراب تعني إعادة تفكيك المقال الذي تبين أنه تم تجميعه من أكثر من عشرة مقالات منشورة في صحف عربية ومحلية، وبعد التفكيك الذي قام به، ذيَّل كل جملة بذكر مصدرها وكاتبها وتاريخ النشر. الفكرة خطرت لبشار إبراهيم كونه ناقداً سينمائياً متابعاً لكل ما يكتب في هذا المجال. فهو لدى قراءته المقال المذكور، شعر بأنه سبق وقرأ محتوياته في مكان آخر، فما كان منه سوى العودة إلى محرك البحث «غوغل»، وضع اسم الفيلم في خانة البحث لتظهر جميع المقالات التي تناولته، وبمعنى آخر مجموعة المقالات التي استخلص منها الكاتب مقاله عبر توليفة منتقاة.

إلا أن بشار الذي أطلع مجموعة محدودة من الأصدقاء على ما قام به من عمل مضن في الإعراب ونسب كل جملة إلى مصدرها، رفض نشرها حرصاً على الزميل الصحافي الكاتب في جريدة محلية، وتجنبا للتشهير، إذ رأى أن الأمر لا يستحق، وهذا المقال مجرد لهو لتبيان فضائل «غوغل» اللامحدودة على الكتاب والصحافيين.

فضائل «غوغل» كثيرة، ولم يعد بالإمكان نكرانها. وما من كاتب أو صحافي مستخدم للانترنت لا يستعين به. وإذا كنا قبل ظهور «غوغل» نتحدث عن سرقات تكشفها المصادفات، فاليوم، عملية بحث غير مقصودة، قد تحمل المفاجآت سواء بسرقة أو إعادة نشر غير مأذون بها. حتى مفهوم السرقة، راح يتغير ليأخذ أكثر من اسم، فتارة هو «استفادة» وتارة أخرى «توليفة» وثالثة «اغناء للموضوع». وبات بمقدور أي كاتب توليف قصة متكاملة عن أي حدث من دون أن يغادر مكتبه، أو حتى يرفع سماعة الهاتف، وحسبه القيام بالبحث عن مفردات خاصة بالموضوع المراد الكتابة عنه حتى تتدفق بين يديه مئات النتائج والمعلومات بما يكفي ويزيد لتدبيج عشرات المقالات، أو حتى كتاب جامع مانع، خاصة أن التجميع في عالم الكتابة ظاهرة تطغى على التأليف. ومع تطور محركات البحث وبالأخص غوغل بما يوفره من برامج تدعم اللغة العربية، باتت الأمور أسهل وأسرع.

مسؤول صحافي في جريدة عربية ساعده «غوغل» على كشف سرقات في المقالات المرسلة إلى صفحته، قبل أن يتورط في نشرها. فأحد المراسلين أدهشه بسرعة إعداده لأي موضوع يطلبه منه، ولدى البحث في غوغل اكتشف أن المراسل يؤلف موضوعه من مقاطع مأخوذة من عدة مقالات على طريقة (كوبي/ بست) (قص ولصق). ومع أن هذه الطريقة ليست جديدة في عالم الكتابة إلا أنها، بلا شك، شهدت تطورا عاصفاً. ففي السابق، وقبل الانترنت كان الكُتاب الذين يلجأون إلى طريقة مشابهة يطلق عليهم اسم (كتّاب الدبوس) أي الذين يقصون المقاطع التي تعجبهم في المقالات المنشورة في الصحف الورقية بواسطة الدبوس، ثم يلصقونها على الورقة لتعاد صياغتها وكتابتها في عملية إنتاج جديدة للمعلومات ذاتها، مع فارق بين الماضي والحاضر أن الأمور مع محركات البحث صارت مكشوفة، ومن السهل جداً تقصي مصدر كل معلومة وتسلسل مرورها عبر الانترنت.

من هنا يرى راشد عيسى المراسل الثقافي لجريدة «السفير» اللبنانية في دمشق، أن السرقات انخفضت إلى حد ما، بالأخص لدى الكتاب والصحافيين المعروفين، لأنهم يعلمون جيدا أن تعقب السرقة على الانترنت بات سهلاً جدا. وهو ممتن لغوغل الذي كشف له تعرضه ذات مرة لسرقة من قبل مراسل صحيفة عربية طلب منه مقالاً ثقافياً ونشره من دون اسم، ثم أنكر نشره كي لا يدفع مكافأته. لكن غوغل أعلمه بما حدث. أما مسألة الاعتماد على محركات البحث في الكتابة، فهو لا يستفيد منها كونه يُعنى بكتابة أخبار، أي أنه ناقل للخبر، من دون أن ينكر أهميته كأرشيف بمتناول اليد وفر الكثير من الوقت والجهد. فعملية التحضير لإجراء حوار مع شخصية أو الكتابة عن حدث معين، تتطلب العودة إلى الأرشيف، وخلال ثوان معدودات يمكن الحصول على مئات الصفحات اللازمة لإعداد الأسئلة، أو خلفية لمادة جديدة، مؤكدا أن ليس بالضرورة استخدام المعلومات بقدر ما هو ضروري الاطلاع على ما كتب وما قيل. هذا الأمر يمكن أن يتم في جلسة واحدة وخلال ساعات قليلة، بينما في الماضي كان يتطلب أياماً أو شهوراً من البحث في أرشيف الصحف أو الأصدقاء، أو حتى الأرشيف الشخصي. ويضيف راشد أنه لم يعد يعتني بتكوين أرشيف خاص فحتى المقالات التي يكتبها يحصل عليها من غوغل عند الحاجة، هذا أسهل بكثير من البحث في أرشيفه، مشيراً إلى أن الوقت الذي توفره محركات البحث، يستفيد منه الكاتب للعناية بالنص.

أيمن الدقر رئيس تحرير مجلة «أبيض وأسود الأسبوعية»، يقضي ساعات طويلة في تصفح المواقع العربية والمحلية عبر غوغل. وهو يفضله على غيره من المحركات الأخرى لدعمه اللغة العربية. فخلال ساعة أو ساعتين يمكنه الاطلاع على أهم ما كتبته الصحف في العالم، ويقول أيمن انه يعتمد عليه كمصدر لفيض هائل من المعلومات والآراء. فعندما ينوي كتابة مقاله الافتتاحي الأسبوعي يطلع على وجهات نظر مختلفة يستنير بها للوصول إلى وجهة نظر خاصة به، عدا أن توفر المعلومات بهذه الكثافة والسرعة والغنى، يساعد على إنضاج الأفكار وتجديدها.

إلا أن باحثاً وكاتباً روائياً فضل ألا يذكر اسمه، رأى أن أهم ما وفرته محركات البحث هو تنوع المصادر، ما بين القديم والحديث حيث تغني عن عمليات بحث مضنية لمعلومات من الصعب توفرها، لافتا إلى أنه ورغم ذلك الاتساع لدائرة محركات البحث إلا أن المحتوى العربي ما زال فقيراً ويتسم عموما بالسطحية، اللهم سوى بعض الكتب والموسوعات المتاحة. وأضاف «في حال وفرّ غوغل خدمة الكتب، سيكون ذلك ثورة في عالم البحث والكتابة»، منبهاً إلى ضرورة عدم المبالغة في حجم فضائل محركات البحث، لأن عدداً كبيراً من الكتاب العرب لا يمتلكون الخبرة الكافية لاستخدامها، وأحيانا كثيرة يهدرون وقتا طويلا في البحث بواسطة كلمات مفتاحية تقودهم إلى مئات الآلاف من الصفحات غير المفيدة.

سعاد جروس

المصدر: الشرق الأوسط

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...