الجامعة العربية تعاقب سوريا: ارتكاب الخطيئة المميتة مرتين

05-12-2011

الجامعة العربية تعاقب سوريا: ارتكاب الخطيئة المميتة مرتين

لا تكفي كوفية الشيخ حمد بن جاسم لتأكيد «عروبة» القرار في جامعة الدول العربية، خصوصاً أنها قد باتت تمثل مع الكوفيات الأخرى المرقطة امتيازاً للأغنياء بالنفط والغاز على عرب الفقر والعوز، مشرقاً ومغرباً.
ولا يكفي أن تصدر العقوبات مكتوبة باللغة العربية عن هذه الجامعة المعطلة القرار والتأثير منذ زمن بعيد، لنفي صلتها بمشروع تدويل الأزمة الدموية في سوريا والتي يتحمل النظام حتما مسؤوليتها المباشرة، مع الوعي بأن هذا التدويل هو أقصر الطرق إلى «تشريع» الحرب الأهلية التي يخشى ألا تقف عند حدود «القطر السوري»، وإنما قد تتجاوزه ممتدة على جواره الأقرب ثم البعيد ثم الأبعد... ومن هنا صرخات التنبيه والتحذير بل الاستغاثة التي تنطلق من لبنان والعراق والأردن، وصولاً إلى اليمن، خصوصاً أن بعض هذه «الجبهات» تكاد تكون جاهزة للاشتعال بأفضال الاحتلال الأميركي للعراق والتهديدات الإسرائيلية اليومية التي توجه إلى لبنان ومقاومته ومجاهديها، لكي تسمعها طهران باعتبارها الهدف المقصود.
لنضع جانباً ذلك المنطق القائل إنه بقدر ما تندفع الجامعة المؤكدة عروبتها، في هذه اللحظة، بكوفية الشيخ حمد، في فرض العقوبات على سوريا بذريعة تأديب نظامها وإجباره على وقف القمع الدموي لشعبه، إلى ما يتجاوز قدراتها فضلاً عن صلاحياتها، فإنها إنما تخرج من عروبتها وعليها، أي من هويتها القومية الجامعة، التي كانت تؤهلها لأن تكون المرجعية.
ثم إنها، وبلسان الشيخ حمد ذاته، قد تخلت عن تحفظها واندفعت تتحدث عن «التدويل» باعتباره تحصيل حاصل، متهمة النظام بأنه ـ بعناده وإصراره على الاندفاع في القمع حتى النهاية ـ هو المسؤول عن تعريض سوريا لهذا المصير المدمر.
أي إن الجامعة العربية، تكرر مرة أخرى، وعلى يدي الشيخ حمد ذاته الذي ألغى الأمانة العامة ومجلس الجامعة في المرتين، الخطيئة التي ارتكبت في ليبيا ومعها، أي «التدويل».
بل إن الجامعة العربية، بقيادة الشيخ حمد، ترتكب خطأ أفدح اليوم، مع قوى المعارضة المختلفة في سوريا، إذ تشجع الأكثر تطرفاً بينها والأوثق ارتباطاً بالخارج، على الخروج على وطنيته وعروبته، مندفعاً إلى تبرير التدخل الخارجي، بينما المعارضة الوطنية في الداخل تحاذر الانزلاق وتتمسك برفض التدويل وتمتنع عن إضفاء الشرعية عليه بوصفه المخرج الوحيد.
ومن خلال النموذج الليبي يمكننا تصور الكارثة القومية التي يمكن أن يتسبب بها التدويل، فإذا كانت القبائل والأعراق في ليبيا قد استكانت مؤقتاً في انتظار معرفة نصيب كل منها من الثروة، قبل السلطة، فإن «الجوائز» في سوريا لن تكون من ذهب بل من حق شعبها المهدد الآن في وحدته في دولة له جميعاً، بكل أطيافه، وهو الذي رفض قبل حوالى قرن المشروع الاستعماري الذي حاول أن يقسم سوريا دولاً لكل من طوائفها «دولة»، وكأنها مجموعة من الشعوب المتخاصمة إلى حد الحرب.
ومع أن الأمل وطيد في ان تنتصر وطنية السوريين على مثل هذا المشروع المستعاد من الماضي الاستعماري، فإن خطيئة الجامعة في فتح الباب مجدداً، وعبر مطالبتها بالتدويل، لمثل هذا الخطر لا تقل فداحة عن خطيئة النظام في الاندفاع في قمعه الدموي والاستمرار فيه يوماً بعد يوم وأسبوعاً بعد أسبوع وشهراً بعد شهر، من دون أن يتوقف لحظة لمراجعة نهجه المدمر، والتوقف عن المذبحة، والمبادرة إلى فتح الباب لحل سياسي مع قوى المعارضة التي زاد فيضان الدم من شرعية مطالبها، بقدر ما حصل الفرز بين فصائلها المختلفة فإذا من في الداخل هم الأصدق تعبيراً عن الضمير الوطني وإذا من في الخارج تأخذهم «الدول» ربما إلى حيث لم يكونوا يقصدون، وتتحدث بلسانهم فلا يعترضون، وتنتزع منهم التنازلات فيقدمونها إما بدافع من تعجّل الفوز بجائزة السلطة وإما بدافع المزايدة بعضهم على البعض الآخر، أو ربما بقصد قطع الطريق على معارضة الداخل وإحراجها بحيث تبدو ـ في اعتدالها ـ كأنها متواطئة مع النظام على الوطن وأهله.
بالمقابل فإن جامعة الدول العربية المجلببة الآن بعباءة الشيخ حمد بن جاسم توقع على الشعب السوري عقوبات أشد وأقسى من تلك التي يفرضها النظام بقمعه الدموي، والذي قد يستخدم هذا القرار الهمايوني بالتدويل للاندفاع أبعد فأبعد في تصديه بالسلاح لمعارضيه تحت ذرائع عديدة بينها «حماية سوريا من خطر السقوط في قبضة الاستعمار أو تحت الهيمنة الاستعمارية» والتي ـ في نموذج سوريا ـ تجمع إلى الامبريالية الأميركية العثمانية السلطانية مع تعديل عصري لخلافتها الإسلامية!
الأخطر أنه بقدر ما تندفع الجامعة العربية في فرض العقوبات على سوريا إلى ما يتجاوز قدراتها فضلاً عن صلاحياتها، فإنها إنما تخرج من عروبتها وعليها، أي من هويتها القومية الشاملة ومصدر شرعيتها، مندفعة ـ مرة أخرى ـ إلى تشريع «التدويل» وتبريره، وبمعزل عن، بل بالتعارض المطلق مع مصالح الشعب السوري ومعه الشعوب العربية الشقيقة المجاورة والتي سيلحقها من الأذى بقدر ما يلحق السوريين وربما أكثر.
للمناسبة: يمكن استذكار واقعة بين أبطالها الشيخ حمد بن جاسم نفسه...
فعندما شجر الخلاف بين إمارة قطر والمملكة العربية السعودية حول منطقة العيديد، قبل خمس عشرة سنة أو يزيد قليلاً، لم يلجأ الشيخ حمد بن خليفة، حاكم قطر إلى الجامعة العربية لفض الخلاف... بل إنه قال ما يفيد أنه حاول استدراج إيران لتهديد السعودية بها فرفضت طهران، ثم حاول الاستعانة بصدام حسين، مفترضاً أن الأميركيين سيتدخلون مع الرياض لمصلحته فيتم فض النزاع بالتفاوض فرفضت بغداد هذه المهمة المستحيلة.. وبالفعل جاءه اتصال من واشنطن مفاده: إن بوابتنا هي إسرائيل، فاعترف بها نبادر فوراً إلى التدخل ووقف السعودية عند حدها.
ولا يخجل الشيخ حمد بن خليفة من القول إنه قد أوفد وزيره الشيخ حمد بن جاسم ذاته إلى واشنطن للقاء وزير الخارجية الإسرائيلية آنذاك شيمون بيريز، معترفا بإسرائيل فعلاً، ثم أعطى العيديد لتقيم عليها الولايات المتحدة الأميركية أكبر قواعدها في الأرض العربية.
لم يلجأ الشيخ حمد يومها إلى الجامعة العربية، وذهب إلى واشنطن من بوابة إسرائيل.
لكنه اليوم وقد بات القيّم على الجامعة العربية ودولها صار أكثر إيماناً بالجامعة بوصفها المعبر الشرعي إلى التدويل على الطريقة القطرية.
مع ذلك يبقى النظام السوري هو المسؤول الأول والأخير عن المأساة التي تعيشها سوريا ويعيش معها فيها كل شعوب الجوار السوري، بل كل العرب في مختلف أقطارهم وقد تبدى عجزهم عن نجدتها فاضحاً، لا يخفف منه القول: لقد حاولنا فلم ننجح! اللهم فاشهد!

طلال سلمان

المصدر: السفير

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...