حلب إمارة بحكم ذاتي

12-12-2006

حلب إمارة بحكم ذاتي

في عام 479 م, قامت ثورة عارمة مهيأة مسبقاً انضم إليها مختلف التيارات المعارضة في سورية والعراق وفي جميع أنحاء الامبراطورية هزمت القوات الحكومية بسهولة وتم اجتياح سورية وقضي على الأمويين .

في عام 750 ثبتت أقدام سلطة جديدة ونقل العباسيون مركز الامبراطورية الإسلامية من سورية إلى العراق وأسسوا عاصمة جديدة هي بغداد في عام 762 م وبهذا أصبح العراق مركزاً ثقافياً رفيعاً خلاقاً وبحق المركز الثقافي الحقيقي لكل العالم .‏

لقد فقدت الامبراطورية بعض مناطقها النائية في الشرق والغرب وإن نواة الانشقاق قد برزت حتى في قلب النظام إنه الإسلام الشيعي أحد عوامل نجاح السلطة العباسية , فقد كان مبعداً ولكنه بعد تنظيمه برز إلى الصف الأول أما سورية فقد أبعدت عن الأنظار ولم تعد ضمن تحرك السلطة , وفي وسطها الجغرافي ولم تعد المكان المناسب لتقدم الفنون والثقافة العربية الإسلامية .‏

لقد دفعت الثمن غالياً بعلاقتها مع السلالة الحاكمة التي زالت كما أن علاقاتها غير المقبولة مع النظام البيزنطي والذي اعتبرت هي وريثته .‏

إن الفترة العباسية في سورية غير معروفة ولم تترك آثاراً مميزة , سوى ما هو موجود في وادي الفرات في تبعيته المباشرة إلى العراق وإن حلب تابعت دورها في الوقوف بوجه الهجمات البيزنطية المتتالية .‏

وفي الصراع المحلي بين سكان المدينة والقبائل العربية والذي كان يزداد إلى حد النزاع العنيف فقد نهبت ضاحية الحاضر وشرد سكانها لفترة في نهاية القرن الثامن .‏

إن ضعف السلطة المركزية في بغداد ثم في سامراء العاصمة الجديدة ثم التحركات الشيعية وتزايد المذاهب المتطرفة والمجتمعات السرية للاسماعيليين والقرامطة الذين كانوا يبشرون كما يقول المستشرق الفرنسي ماسينيون ب¯ (مسيحية اجتماعية) كل هذا ساعد على تزايد سلطة المرتزقة الأتراك وطموحهم المتزايد للعب دور سياسي في الدولة , ثم إن المصاعب المالية ساهمت في حركات الانفصال .‏

ففي القرنين التاسع والعاشر الميلاديين قامت فئات حاكمة تمتعت باستقلال ذاتي , في ايران ومصر وسورية بعد قليل ظهرت سلالة الفاطميين الشيعية الاسماعيلية ومدت سلطتها على افريقيا (ويقصد بها تونس الحالية) , ثم السلالة الشيعية البيوضية حيث وضعت يدها على السلطة في ايران واحتلت بغداد ومارست نفوذها دون أن تعزل الخليفة العباسي الذي لم تعد سلطته سوى نظرية على المقاطعات الامبراطورية وعلى المسلمين السنة .‏

في عام 969 م أرسل الخليفة الفاطمي المعز قائده جوهر لاحتلال مصر , ونقل عاصمته إلى القاهرة التي أعاد بناءها تحت هذا الاسم .‏

اهتم الفاطميون بسورية التي كانت تشكل أهمية استراتيجية كبرى لهم لكنهم لم يستطيعوا السيطرة عليها باستمرار , نظراً لمنافسة السلاجقة لهم وبعض الفئات المحلية, والقبائل العربية وعدد من الرؤساء العسكريين أتراكاً وأكراداً .‏

يرى أحد الباحثين : »أن وجود مدن متوسطة الحجم, في شريط ضيق من الأرض ينسجم معها , ولا يوجد مثلها في العراق أو مصر , كانت تتيح إلى قائد ذكي يقود جنوده المدربين أن يشكل إمارة مستقلة دائمة وهذه المدن المستهدفة هي دمشق وحلب« فضلاً عن ذلك أن الفرصة متاحة في سورية لمثل ذلك لوجودها بجوار ثلاث دول متنافسة في المنطقة : بغداد والقاهرة والقسطنطينية لا ترغب بالصدام بين بعضها البعض , فتركت كما نقول اليوم في تاريخنا الحديث مناطق ملحقة يمكن لأطماع محلية أن تتحرك وتخلق دولاً حدودية وأن سورية الشمالية وفيها حلب كانت واحدة منها .‏

في التجزؤ الذي أصاب الدولة العباسية آخر دول وادي الرافدين التي كانت تفتش خلال آلاف السنين عن منفذ لها في الغرب على البحر الأبيض المتوسط , كانت حلب بوضعها الاستراتيجي المميز قد أوجدت دولة خاصة بها لعبت دوراً هاماً في التجارة الدولية بين الشرق وبين منطقة البحر الأبيض المتوسط ومع أن انطاكية بقيت تحت السيطرة البيزنطية لبعض الوقت , وإن المدن المنافسة لحلب, قد زالت فإن حلب استمرت في لعب دور مركز مقاومة إسلامي ضد مسيحيي بيزنطة .‏

د. محمود حريتاني

المصدر: الجماهير

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...