" القرداحة " في قلب الحدث السوري

07-11-2012

" القرداحة " في قلب الحدث السوري

 الطريق المتواضعة التي تؤدي إلى القرداحة لا توحي أن هذا المكان مسقط رأس «القائد الخالد»، وهي الصفة التي تطلق على الرئيس الراحل حافظ الأسد. دلالات الإهمال والفوضى بادية على جانبي الطريق، ما يدفع إلى التساؤل عن أسبابها في ضوء زيارات كثيرة لمسؤولين حجّوا إلى القرية من كل حدب وصوب، حين شهدت جنازات لأفراد من عائلة قوية يطلب رضاها القاصي والداني وحكمت البلاد بقبضة حديدية.الحزن يخيم على قاطني القرداحة (الأخبار)

«الثورة السورية» لم تمرّ من هُنا. بل هنا المكان الأكثر بُعداً عن حَراك دفعت البلاد ثمنه غالياً. ووفرة شهداء الجيش والقوى الأمنية من أبناء المنطقة تؤكد أن لا اسم للحراك هُنا سوى مؤامرة أو عمالة يذهب ضحيتها «خيرة الشبان في سبيل السيادة السورية»، بحسب تعبير أحد السكان.
قبل الوصول إلى القرداحة لا بد من المرور بالعديد من القرى الملحقة بها، كقويقة وعين العروس وبحمرا، حيث يبدو من بعيد وعلى تلّة عالية منزل وزير الداخلية الأسبق غازي كنعان، شاهداً صامتاً على حقبة مثيرة للجدل من تاريخ سوريا الحديث، بالإضافة إلى مرحلة حسّاسة من تاريخ لبنان.
عائلات القرداحة الأصلية لا تقتصر على عائلة الرئيس الأسد والأسماء المتداولة إعلامياً ورسمياً. فالقرية الجبلية قدّمت عائلات كثيرة أدت دوراً دينياً وسياسياً مهمّاً في تاريخ المنطقة. حساسية القرية، أفضت إلى تردد أسماء عدة عائلات أخيراً بسبب خلاف شخصي بين اثنين من أبنائها، حُرِّف إلى خبر عاجل يحتلّ مقدّمة أخبار المحطّات المناوئة للنظام السوري، بشأن حصول حَراك معارض داخل القرداحة يقوده آل الخيّر. حصول الخلاف في مقهى لعائلة الخيّر وإصابة شاب منها إثر تطور الخلاف إلى إطلاق رصاص، ورّط اسم العائلة في شائعات متلاحقة، وأسهم في تغذيتها اعتقال عضو هيئة التنسيق المعارِضة الدكتور عبد العزيز الخيّر.
لم يسكن عبد العزيز الخيّر في قريته قويقة التابعة للقرداحة. والحديث عنه لا يغري أفراد العائلة. التحفظ سيد مواقفهم؛ إذ إن العائلة الموالية للنظام بغالبية أفرادها الساحقة لا تعلّق على معارضة ابنها عبد العزيز وبعض إخوته للنظام، وتلتزم خيار أكثرية سكان المنطقة الذي لا يرون فيه سوى «وحدة سوريا وسلامتها»، وذلك على الرغم من أن العائلة قدّمت أحد أوائل المعارضين، الشاعر حسن الخيّر، الذي أُخفي إثر هجائه حزب البعث بقصيدة في أواخر السبعينيات، ليكثر الحديث في ما بعد عن إعدامه في السجن.
وبين أشجار الزيتون والرمان في قرية قويقة يقطن كبير آل الخيّر، عمّ عبد العزيز، في منزله الواسع. سفير سوريا الأسبق في العراق خلال ثمانينيات القرن الماضي، منير الخيّر، يرى أن ما يجري اليوم ليس إلا حرباً عالمية تدور رحاها على الأرض السورية، مشيراً إلى أن المرحلة الأسوأ قد انتهت، والأزمة الآن بنظره، إلى زوال.
يجلس الرجل الثمانيني بهيئته الأنيقة في حديقة بيته، متحدثاً عمّا يسمعه من أخبار كل صباح بعدّة لغات. يعلّق على المشكلة الأخيرة التي جعلت من القرداحة خبر المعارضة الأول، فيقول: «خلاف شخصي عادي يحصل في أي مكان في العالم وفي أي زمان، جعل الإعلام منه قضية، نظراً إلى حساسية المنطقة ورمزيتها».
كبير عائلة الخيّر، ابن النائب في البرلمان السوري خلال فترة العشرينيات أحمد ديب الخيّر، قاضي قضاة «الدولة العلوية»، يجد أن الحوار السياسي هو الحل الوحيد للأزمة، لافتاً إلى سقوط جميع الشعارات التي رُفعت في بداية الحراك، بدءاً بالشعارات الطائفية، وصولاً إلى شعارات الحرية والديموقراطية.
لا مناطق عسكرية تلفت نظر الداخلين إلى القرداحة، باستثناء حاجز وحيد للجان الشعبية. في المقابل، يوجد الكثير من المناطق والقطع العسكرية القريبة من القرداحة، ما يجعلها محصنة ضد الكثير من تهديدات كتائب الجيش الحر، بما يتماهى مع لافتات رفعها الشارع المتظاهر.
في ساحة القرداحة، وقُبيل سوق القرية، تكثر صور الشهداء. وتنتشر بصورة خاصة، صور العقيد في الحرس الجمهوري، علي خزام، الذي يعرف بمهندس سقوط بابا عمرو، الذي قضى في اشتباكات في غوطة دمشق. بدورها صورة المقدّم في القوات الخاصة، مصطفى جديد، من بين أحدث الصور المنشورة بعدما قضى في خربة الجوز بإدلب. وينتظر أهله تسلم جثته التي تحتفظ بها إحدى كتائب الجيش الحُر في المنطقة الداخلية حتى الآن.
سؤال عن عدد شهداء البلدة، تعقبه إجابة من أحد أبناء قرية القرداحة بحزن مكابر: «كانوا خمسمئة شهيد في أيار الماضي». إذاً منذ أيار الماضي توقّف عدّاد أهل البلدة عن العمل، فهذا معناه 500 عائلة محزونة في منطقة يبلغ عدد سكانها 160 ألفاً، منهم 16 ألفاً يقطنون قرية القرداحة وحدها. ومن هُنا يمكن الاستنتاج خلال الأحداث التي تشتدّ يوماً بعد يوم، كم ضِعفاً أصبح عدد الشهداء.
سوق القرداحة يعيش أحواله الطبيعية، الازدحام فيه عادي في وقت لا أثر فيه للبضاعة المهرّبة التي لطالما راجت قبيل الأزمة في بلدة تشتهر بالزيتون والتهريب. الكثيرون من زوار السوق يتوافدون إليه أملاً في الحصول على أفضل البضائع. الفقر واضحٌ في كثير من الأحياء. تقابله منازل وادعة لعدد من المسؤولين. تقف سياراتهم أمام منازلهم، ويتكفّل مرافقوهم في تأمين حمايتهم حيث تلتهم نظراتهم أي غريب يحاول الاقتراب. منزل قائد سرايا الدفاع سابقاً، رفعت الأسد، يبدو متهالك البنيان بعدما توقفت عملية ترميمه منذ زمن بعيد. أما المنزل الأكثر تواضعاً، فقد كان ببساطة منزل الرئيس الراحل حافظ الأسد، يحيط به سورٌ بسيط تغطيه نباتات متسلقة، وترد العيون عن داخله بعض أشجار السرو، ويظهر بوضوح في حديقته بيت واسع من الألومنيوم جمع سابقاً الزوّار المعزّين بوفاة باسل الأسد، شقيق الرئيس الحالي، فيما يظهر عنصر واحد فقط من الحرّاس حاملاً سلاحه، ما يوحي أن حراسة المنزل عادية جدّاً.


ضريح «القائد الخالد»

مبنى ضريح الرئيس السوري السابق حافظ الأسد  يقف مهيباً، غير معنيّ بحملات لعن الأرواح القائمة منذ أكثر من سنة ونصف. فللرجل الذي قاد الدولة بحزم وذكاء على مدى ثلاثة عقود ضريح رخامي أنيق يحاكي مكانته السياسية والتاريخية، لكن من دون مبالغة في البذخ. نصف قوس من الورد الأبيض على القماش الأخضر الذي يغطي القبر، هو كل ما يلزم الرئيس حافظ الأسد في نومه الأبدي بعيداً عن الأصوات التي تزلزل اليوم دولة حكَمها بصمت مطبق لم يُسمع فيه طوال عقود سوى صوت التصفيق لمنجزات الحزب الحاكم. ولكنّه جعل من اسمه خالداً ليس في وجدان طائفة يشعر أفرادها بالإهانة عندما يجري التهجّم عليه في شعارات ثورية، بل في وجدان بلاد سيذكره تاريخها بما له وما عليه. لا مبالغة في أيٍّ شأن يخص الرئيس السابق. فالرجل الهادئ ارتضى أن يرقد بهدوء يشابه هدوء الحزن القائم في بلدته.

مرح ماشي

المصدر: الأخبار

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...