"ارتجالية أوهايو" و"وقع الخطى" لصموئيل بيكيت في "أوبرا دمشق"

10-03-2012

"ارتجالية أوهايو" و"وقع الخطى" لصموئيل بيكيت في "أوبرا دمشق"

لا شك في أنها مغامرة مضاعفة أن يقوم مسرحيون شبان بتقديم عمل مسرحي لصموئيل بيكيت هذه الأيام، فهناك أولاً مغامرة العرض في ظرف أبعد ما يكترث فيه الناس للذهاب إلى المسرح، وهناك تالياً مغامرة بيكيت (1906-1989) العصي غالباً على المخرجين والجمهور على حد سواء. محمد زرزور في مسرحية "ارتجالية أوهايو"
ومع ذلك يمكن القول إن هؤلاء الشبان قد نجوا بعرض لعله من أفضل عروض المسرح السوري في أعوامه الأخيرة. وعلى الرغم من غياب اسم مخرج عن العرض فإنه بدا مدروساً بعناية فائقة، هو المعتمد على أكتاف ممثلين ودراماتورجيين وسينوغرافيين وحسب.
في الواقع نتحدث عن عرضين لا عرض واحد، هما "ارتجالية أوهايو"، و"وقع الخطى"، اللذين جُمعا، ربما بسبب وحدة الموضوعة، في جرعة وقتية واحدة، وعلى الخشبة ذاتها، وإن كان لكل منها حيزه الخاص.
يحكي نص "ارتجالية اوهايو" عن عجوز (الممثل محمد زرزور) يعيش وحيداً في غرفة في جزيرة، وهو قد انتقل إليها عسى يخفف شيئاً من عذابات الفقد التي تعرض لها بعد موت من كان قد تقاسم معه حياته الماضية.
وفي واحدة من نوبات الهلع يستحضر العجوز طيفاً من داخله، ليحكي حكاية، هي حكايته هو بالذات. تلك التي يسميها بيكيت حكاية ما قبل النوم.
لكن الطيف هنا يجسده ممثل آخر (محمد ديبو)، وهو يروح يحكي الحكاية كأنما بإخراج وإشراف وتقطيعٍ من العجوز الأصل. وهنا فإن الممثل محمد زرزور قدّم أداء بالغ التأثير، رغم صمته، رغم غياب عكاكيز يمكن الاعتماد عليها، حيث لا حضور هنا لا لحدث، ولا لجسد، ولا لرقص، ولا حتى لكلام.

وقع الخطى
تنسحب هذه الأجواء على عرض "وقع الخطى" (دراماتورج مضر الحجي)، حيث التقشف والعمل على التفاصيل، وحيث البطولة للإيماءة والصوت في حدوده الدنيا، حتى لو كان نقرة حذاء أو حفيف ثوب، وهذا بديهي في عرض يحمل اسم "وقع الخطى". خطى تعود لامرأة كل ما تملكه هو أن تقول نفسها، أن تثبت نفسها في تسع خطوات هي مسيرتها اليومية في ممر حزين ومعتم وعار.
تعيش البنت الأربعينية مع أمها العجوز المقعدة (تؤديها رنا كرم)، التي تشكل كل عالمها، ويبدو أنها وضعت طفولتها وشبابها في خدمة الأم العجوز. لقد تحول عالمها إلى تلك التفاصيل والأفعال اليومية في الخدمة. عالم من الوحشة والعزلة وغياب الأمل. فيا لروعة صوت الممثلة (فاتنة ليلى) وهي تنادي أمها لتسألها إن كانت تحتاج أن تقلبها على جنبها الآخر، أو أن تغير الوسادة، أو تحضر المبولة. كانت الممثلة تردد تلك الأشياء اليومية، كما لو أنها تقول شعراً، وهي بالتأكيد لم تكن تعني ما تقول، فقد كانت تنعى حياتها. هذا هو كل شيء، تلك هي حياتها، وتلك هي المسرحية التي لا تحتاج إلى حدث أو قضية كبيرة.
إلى جانب الأداء الجميل للممثلة في "وقع الخطى" يصعب أن يخرج المرء من دون أن يسأل من صمم ذلك الجدار خلف الممثلة (السينوغرافيا لوسام درويش)؟ وقد يكون الجدار هو المسرحية برمتها. طلاء مهترئ ومقشور، لونه أقرب إلى لون الطحالب، وفي وسطه ضوء وحيد. الممرّ، ذو الخطى التسع، والجدار، والضوء الوحيد الشاحب، والأم التي يحضر صوتها، أكثر من أن يحضر جسدها المحشور في الزاوية، تلك هي المسرحية.
أجمل ما في هذين العرضين، أنهما يؤكدان أن المسرح ممكن من دون الأسماء التي نظنّها كبيرة، وأن البلاد تحفل بمواهب كثيرة كبيرة على كافة المستويات، وهي قادمة بالتأكيد.


راشد عيسى

المصدر: السفير

التعليقات

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...