رياض نجيب الريس يسأل ديناصورات القومية العربية من نحن؟

21-06-2006

رياض نجيب الريس يسأل ديناصورات القومية العربية من نحن؟

و يدعو الى تأسيس حزب قومي عربي عصري

الجمل : بعد مضي 17 سنة على انطلاق المؤتمر القومي كفر الناشر والصحافي السوري المعروف رياض نجيب الريس، بالحرص الزائد على  «عذرية» المؤتمر المتمثل  في أن لا توحي نشاطاته بأية طريقة كانت، بأنه حزب سياسي قومي من أي نوع، ويقول الريس : ليس في شيء من الواقع أن نلقي بالمؤتمر في قلب غابة من ذئاب الأنظمة، ثم نطالبه بالحفاظ على «عذريته».
وفي المقال الذي تنشر الجمل نصه كاملاً ، يطرح الريس جملة من الأسئلة البديهية الذاتية على "ديناصورات" القومية العربية أعضاء المؤتمر والذي هو أحدهم، ومن تلك الأسئلة : " هل نحن ندوة فكرية على غرار مراكز الأبحاث في العالم؟ أم نواة تجمّع فكري ـــ ثقافي ـــ سياسي،؟ أم «أداة ضغط» أو «لوبي» لدعم قضايا الأمة باتجاه قومي وحدوي ديموقراطي؟ ... إلخ ثم لا يرى الريس مانعاً في أنه  "إذا لم نكن حزباً سياسياً، في أن نكون جمعية خطابية، أو ندوة فكرية، أو .. إلخ شرط أن نقرر، وبأكبر قدر من الوضوح، مَنْ نحن أو ماذا نريد أو نسعى لأن نكون". لأن  "عدم وضوح الرؤيا وتمييع القرار، قد جعلا من فكرة هذا المؤتمر مجرد كتلة لزجة من المثقفين المسيَّسين، تُلصَق بكل قضية عربية لا صاحب لها ". وبعد أن يعدد الإجابات المحتملة السهلة منها والصعبة المفترض طرحها، يتساءل لماذا لا يصبح المؤتمر حزباً سياسياً  ليغدو «مرجعية قومية شعبية»، راسماً تصوره لهذا الحزب بأنه :"حزب سياسي ديموقراطي علماني (بمعنى التأكيد على فصل الدين عن الدولة) تعددي غير «عقائدي»، على غرار وقواعد الأحزاب السياسية الأوروبية، لا على غرار الأحزاب التي عرفناها طوال خمسين سنة وأكثر في عالمنا العربي، حزب لا يستعمل الحراب للوصول إلى السلطة، وليس في أقبيته سجناء رأي، ولا في مبادئه رفض للرأي الآخر، يقر بتبادل الحكم والسلطة طوعاً، وبصندوق الاقتراع حكماً، وليس في نتائج انتخاباته تزوير أو فوز بنِسَب فلكية".
لاشك في أن هذا المقال جدير بالقراءة والنقاش لما يحمله  من دعوة لقراءة نقدية حقيقية ليس فقط لفكرة المؤتمر القومي ، وإنما في  إمكانية استنهاض العمل القومي السياسي الشعبي العلماني في مواجهة التيارات الأخرى الصاعدة.

 

الجمل

 

المؤتمر القومي العربي بعد 17 سنة:
مجرد كتلة لزجة من المثقفين المسيَّسين تُلصَق بكل قضية عربية لا صاحب لها
دعوة إلى تأسيس حزب سياسي عصري

 رياض نجيب الريّس 

* انعقد بالأمس في الدار البيضاء في المغرب المؤتمر القومي العربي السابع عشر (بين 5 و8 أيار/مايو  2006) وقد مرت سبع عشرة سنة على تأسيسه.
كنت مِن أوائل مَنْ انضم إلى المؤتمر القومي العربي، وكتبت عنه مرحباً بنخبة من الأشخاص المتهمين بأنهم يتحدثون بلغة منقرضة، هي اللغة العربية القومية ذات المفردات التي بطل استعمالها وسقط قاموسها وتلاشت معانيها في عصر الردة الطائفية والانكفاء القطري والشرذمة السياسية وهيمنة النظام الآحادي. وأطلقت عليهم في حينه لقب جيل «الديناصورات» الذي رفض أن ينقرض في زمن الهزائم وسنوات الخيبة. وشاعت هذه التسمية وعمّ استعمالها.
وكان للمؤتمر منذ اجتماعه الأول في تونس في آذار /مارس 1990 وحتى نهاية التسعينيات طلّة بهية، تجلّت في محاولة تكرار بدايات عصر النهضة عند مطلع القرن العشرين. ومثلت هذه التجربة مناسبة يتلاقى فيها مجموعة من رجال ونساء السياسة والفكر والعلم والثقافة من مختلف الأجيال والتجارب الحزبية والسياسية والنضالية ومن كل قطر عربي، للتداول في شؤون الأمة وشجونها.
وكانت أهمية هذه المجموعة من الأشخاص تكمن في خلفياتهم المختلفة المتنوعة وتجاربهم المتعددة. وكان يجمعهم هَمٌّ مشترك، هو قلقهم على مصير الأمة. وكانت أدبيات المؤتمر تركز منذ بداياته على أنه ليس حزباً، «إنما هو تجمّع من المثقفين والناشطين العرب من مختلف الأقطار العربية، المقتنعين بأهداف الأمة العربية (دون تحديد لهذه الأهداف) والعاملين على صعيد فردي أو شعبي غير حزبي وباستقلال عن أنظمة الحكم».
جاءت فكرة المؤتمر وانطلاقته قبل الغزو العراقي للكويت وحرب الخليج الثانية (عاصفة الصحراء) وتداعياتها المريرة، وقبل مؤتمر مدريد ونتائجه الكارثية واتفاق أوسلو من بعده، وقبل حصار العراق وقصفه وتدميره وتجويعه. وقبل سياسة الاحتواء المزدوج وقيام النظام العالمي الجديد. وقبل الاحتلال الأميركي ـــ البريطاني التحالفي للعراق وسقوط نظام البعث الصدّامي. كان ذلك كله قبل تفتيت التضامن العربي وتعطيله. وكانت مظاهر النظام العربي الواحد ما زالت قائمة. كانت دنيا العرب غير دنيا.
بانهيار كل ذلك، وجد المؤتمر القومي دوره، وسط فراغ في العمل السياسي، فجاء توقيت التنادي إلى تفعيل قضايا وأهداف الأمة الحيوية، مناسباً. وهي قضايا مختلف حتى الساعة على تحديدها. ووسع المؤتمر بيكار تعريف «القومي العربي»، ليتعدى المعنى التقليدي له، وليشمل كل من هبّ ودبّ ممن يدعي وصلاً بالتيارات اليسارية والماركسية والوحدوية والإسلامية (بمختلف تفرعاتها) والليبرالية (بمختلف مفاهيمها) والقطرية (بمختلف تمثيلها) ما دامت تندرج تحت عنوان عريض هو «التيارات القومية الوطنية». وإذا بالمؤتمر منبر يجمع كل متناقضات هذه التيارات وأشخاصها، وجلّهم من الحزبيين السابقين والسياسيين المتقاعدين. ومن بينهم وزراء وسفراء وموظفون سابقون مع شريحة من المثقفين والجامعيين والإعلاميين وبعض الناشطين في مجتمعاتهم المحلية. وإذا بمفهوم العمل على صعيد فردي أو شعبي غير حزبي، يتلاشى مع مرور السنوات بانضمام المزيد من الشخصيات ذات الماضي السياسي أو المخابراتي أو الحزبي إليه. حتى وصل مجموع الأعضاء اليوم إلى بضع مئات من الأشخاص من أصحاب السوابق المشار إليها، بعد أن كان لا يتجاوز الخمسين شخصاً في بداياته.
وظل مفهوم المؤتمر في أن يكون «مرجعية قومية شعبية للأمة العربية»، يصر على أنه ليس حزباً ولا يهدف أن يكون حزباً قومياً يسعى إلى السلطة. واستمر الضياع بين الهواية والاحتراف، أي بين عدم فهم الفارق بين العمل السياسي التوجيهي، وبين العمل السياسي الحزبي في عالم عربي اعتاد على صيغ العمل الحزبي على المستويات القطرية والقومية، ولم يتعوّد العمل ضمن صيغ النشاطات الشعبية في مجتمعات عربية لا تملك الكثير من الأطر المدنية. فمجموعة أشخاص يجتمعون مرة في السنة ينظّرون في أحوال الأمة، لا يمكن أن يشكلوا مرجعية سياسية شعبية.
لكن إذا أردنا للمؤتمر القومي العربي حياة أجدى وأعمق، وأكثر فائدة من الحياة التي عاشها طوال العقدين الماضيين، ليكون له حيثية في هذا القرن، فذلك يحتاج إلى أسئلة صعبة آن أوان طرحها. ولعل سبع عشرة سنة هي وقت كافٍ لتنضج الأفكار التي راودت روّاد المؤتمر الأوائل ومؤسسيه، وزمن طويل لتجارب الخطأ والصواب. ولعل الأسئلة، التي أسميتها صعبة، تبدأ من البديهيات. وأولى هذه البديهيات: مَنْ نحن؟
هل نحن مؤتمر تأسس وفي ذهنه مثلاً نماذج مجتمعات ومؤتمرات وأحزاب العالم الثالث التي ناضلت في سبيل استقلال بلادها وصمدت من أجل ذلك سنوات طويلة؟
هل «المؤتمر الوطني الأفريقي» وهو حزب نلسون منديلا في جنوب أفريقيا، الذي قاد حركة التحرر في البلاد ضد نظام الفصل العنصري ووصل نضالياً إلى السلطة، مثل يحتذى؟
هل المؤتمر الهندي وهو حزب غاندي ونهرو وأنديرا وعموم الهند، الذي قاد حركة الاستقلال ضد الاستعمار البريطاني، ووصل إلى الحكم ديموقراطياً مؤسساً أكبر ديموقراطية برلمانية في العالم، مثل آخر نطمح إليه؟
هل نحن مؤتمر على شكل ندوة فكرية على غرار مراكز الأبحاث في العالم؟
هل نحن نواة تجمّع فكري ـــ ثقافي ـــ سياسي، له صفة الدفاع عن المصالح العريضة المشتركة لأعضاء ذلك التجمع، أكثر مما له صفة التنظير في أحوال الأمة؟
هل نحن «أداة ضغط» أو «لوبي» لدعم قضايا الأمة باتجاه قومي وحدوي ديموقراطي؟
إذاً مَنْ نحن؟
أنا لا أرى مانعاً إذا لم نكن حزباً سياسياً، في أن نكون جمعية خطابية، أو ندوة فكرية، أو «لوبي» سياسياً، أو تجمع مصالح، أو مؤتمر مثقفين، شرط أن نقرر، وبأكبر قدر من الوضوح، مَنْ نحن أو ماذا نريد أو نسعى لأن نكون. لأن عدم وضوح الرؤيا وتمييع القرار، قد جعلا من فكرة هذا المؤتمر مجرد كتلة لزجة من المثقفين المسيَّسين، تُلصَق بكل قضية عربية لا صاحب لها. ولا مانع إطلاقاً في رأيي، أياً كان الإطار العملي الذي سنتوصل إليه، أن نقف، كمؤتمر، دائماً إلى جانب القضايا العربية الخاسرة، وما أكثرها.
وكان هناك عبر السنوات حرص زائد على «عذرية» المؤتمر يتمثل في أن لا توحي نشاطاته بأية طريقة كانت، بأننا حزب سياسي قومي من أي نوع، مع الإعلان باستمرار بأن ليس من أهداف المؤتمر السعي إلى السلطة، وأن مهمتنا ليست تغيير الأوضاع العربية المتردية جذرياً. وفي الوقت نفسه ندعو إلى عدم تقديم تنازلات للأنظمة الحاكمة مع عدم إغضابها. بينما لا مانع لدينا من التقرب إلى تلك الأنظمة إذا استقبلتنا أو استضافتنا، مع المحافظة على «عذرية» المؤتمر واستقلاليته. إنني أجد هذا الحرص مبالغاً به، فليس في شيء من الواقع أن نلقي بالمؤتمر في قلب غابة من ذئاب الأنظمة، ثم نطالبه بالحفاظ على «عذريته».
بعد كل هذا، لماذا لا يصبح المؤتمر حزباً سياسياً آخر، حتى يصبح بدروه «مرجعية قومية شعبية»؟
الجواب السهل : إن كتابة تقرير سنوي إخباري عن حال الأمة، مع بضع أوراق صحافية نعيد ونكرر فيها ما قرأه ويعرفه معظمنا، أسهل من تأليف حزب وأقل خطراً على أعضائه. ولما كنا ـــ كما ندعي ـــ لا ننشد السلطة، فإن بضعة بيانات نسجل فيها مواقفنا من أحداث ذلك العام، تتراكم مع مرور الزمن ونعود إليها كلما سُئلنا عن موقفنا من قضية ما، لن تجعلنا مرجعية ولن تفيدنا شيئاً كما لن تقدم أو تؤخر في أحوال الدنيا العربية المعاصرة.
الجواب الصعب : يكمن في ثلاث كلمات هي، مرجعية قومية وشعبية. ولنصبح مرجعية قومية وشعبية، على المؤتمر ـــ أي شكل اتخذ ـــ أن يكون في مستوى تنظيمي وإداري وإعلامي، يستطيع عبره إيصال مواقفه وآرائه ودعواته وسياسته إلى الناس والجماهير، وهذا يتطلب آليه حزبية بنمط ما. لذلك على المؤتمر أن يتجاوز حاجز الخوف من كلمة حزب، وأن يخوض غمار فكرة الانتقال إلى تكوين حزب له مبادئ ومواقف وسياسات ثابتة، بدل التدليل على «عذريته» بادعاء العفة.
المشكلة في المؤتمر هي مشكلة تنظيمية. كيف نؤثر في الناس ونصل إليهم؟ هناك ألف طريقة إعلامية مبتكرة علينا استنباطها في عصر البريد الإلكتروني والكومبيوتر والإنترنت. لذلك يحتاج المؤتمر إلى أمين عام متحرك متفرغ تماماً قريب من مركز الحركة السياسية والثقافية والفكرية في الوطن العربي ـــ وتحديداً المشرق العربي. ويحتاج أكثر إلى أمين عام مساعد يملك خبرات واتصالات إعلامية، وإلى سكرتاريا دائمة. وهذا يمكن أن يؤمنه قيام تنظيم حزبي سياسي عصري يسعى إلى الناس بقدر ما يسعون إليه.
ما يحتاج إليه المؤتمر هو الانتقال من الهواية السياسية إلى الاحتراف. والاحتراف يحتاج إلى مال، ويجب أن لا نعدم وسيلة لإيجاد المال. كما أعرف أيضاً أن السياسة هي حركة دائمة يمكن أن تدر مالاً.
& & & قد أكون أحد القلائل، من بين أعضاء المؤتمر الذين عاصروه منذ بداياته وشاركوا في معظم مؤتمراته، والذي لا يملك على الإطلاق تجربة حزبية من أي نوع كان. وربما لأنني «بريء» من التجارب الحزبية ولا أحمل آثار أي كدمات منها، ما زال لديَّ بعض الأفكار «الرومانسية» ضمن قناعاتي السياسية، معتبراً أن تأليف الأحزاب هو أحد بديهيات العمل السياسي الديموقراطي، وأحد أهم مؤسسات المجتمع المدني لأي بلد ديموقراطي ــــ كما نطمح أن نكون. إن في تشكيل الحزب دعوة للتخلص من الهوية الهلامية الحالية التي للمؤتمر، بهدف الوصول إلى الهوية الحقيقية التي سيفصح عنها أعضاء المؤتمر عندما سيواجَهون بسؤال مَنْ أنتم؟ وسيكون الجواب: نحن حزب عربي قومي (من ضمن أحزاب قومية أخرى تعمل في الساحة العربية) ندعو ونناضل لمبادىء حزب المؤتمر التي سيدعو إليها في أدبياته التأسيسية.
إن الظرف العربي اليوم تحديداً، يحتاج إلى حزب سياسي عربي قومي عصري جديد يجدد للفكر القومي العربي شبابه ويؤكد ديموقراطيته ويشدد على علمانيته ويثبت تعدديته. وسيكون أول حزب قومي عربي ديموقراطي يؤسَّسَ في مطلع القرن الجديد، وأول حزب قومي شمولي يقوم منذ نشوء الحركات والأحزاب القومية في مطلع القرن الماضي، أكان عصبة العمل القومي أو حزب الاستقلال العربي أم البعث العربي الاشتراكي أو السوري القومي الاجتماعي، وغيرها من أحزاب النهضة العربية والحركات القومية.
أي حزب، قد نسأل، سيكون عليه المؤتمر القومي العربي؟ أنا لا أملك المواصفات. وعندما نصل إلى هذا المفترق، لا بد أن يكون هناك لجان تنظيمية تؤسس ليكون الحزب المنتظر، حزباً سياسياً ديموقراطياً علمانياً (بمعنى التأكيد على فصل الدين عن الدولة) تعددياً غير «عقائدي»، على غرار وقواعد الأحزاب السياسية الأوروبية، لا على غرار الأحزاب التي عرفناها طوال خمسين سنة وأكثر في عالمنا العربي، حزباً لا يستعمل الحراب للوصل إلى السلطة، وليس في أقبيته سجناء رأي، ولا في مبادئه رفض للرأي الآخر، يقر بتبادل الحكم والسلطة طوعاً، وبصندوق الاقتراع حكماً، وليس في نتائج انتخاباته تزوير أو فوز بنِسَب فلكية.
من المؤسف أن المؤتمر القومي العربي، هو اليوم شبه حزب منحلّ لا يتحمل المسؤولية الجماعية للعمل السياسي، ولا يتحمل المحاسبة والـمُساءلة. وهو شئنا أم أبينا، تجمّع فوقي بلا قواعد شبابية أو شعبية في كل قطر عربي، يضم الغثّ والسمين من أصحاب «السوابق القومية» وبعض العاطلين عن العمل السياسي. ويبدو في سياق الدعوة إلى إعادة النظر في مجمل «تركيبة» المؤتمر القومي العربي كما هو الآن، لا بد من آلية معينة، للانتقال من مرحلة الدعوة النظرية إلى مرحلة التطبيق العملي. وهذا يتطلب بادئ الأمر من الأمين العام الجديد ومن الأمانة العامة المنتخبة حديثاً في مؤتمر الدار البيضاء الأخير، أن يدعوا أعضاء المؤتمر إلى اجتماع استثنائي طارئ في بيروت (لسهولة الوصول إليها) ليتم في هذا الاجتماع طرح هيكلية المؤتمر وهيئته، ومنها فكرة تحويل المؤتمر إلى حزب، ويسمح بنقاش ديموقراطي واسع صريح لكل الأعضاء الحاضرين فرداً فرداً، الإدلاء بآرائهم في الأفكار الواردة في هذه الدعوة، وأن يتم ذلك بشفافية من دون الدخول بمحاولات توفيقية. ويعتبر المؤتمر الطارئ كامل النصاب بمن حضر من الأعضاء.
وليس من الضروري أن تكون فكرة تحويل المؤتمر إلى حزب هي البند الوحيد في جدول أعمال هذا المؤتمر الطارئ. بل يجب أن تتضمن الدعوة جدول أعمال مفصلاً تعدّه الأمانة العامة، له محور واحد هو إعادة تنظيم المؤتمر على قواعد وأسس جديدة تأخذ بعين الاعتبار المتغيرات في العالم العربي اليوم، وما سيطرحه الأعضاء من قضايا. فإما أن تكون هناك رغبة بتحويله إلى حزب، وعندئذ يقوم المؤتمر بحل نفسه قبل البدء في مهمة التنظيم الحزبي. أو ترفض الأكثرية فكرة تحويل المؤتمر إلى حزب. وعندئذ قد ينسحب من المؤتمر من ينسحب، ويبقى مَنْ يبقى.
وعلى الأكثرية غير القابلة بتأسيس حزب سياسي قومي عصري جديد، أن تعيد النظر على الأقل بالنظام الداخلي للمؤتمر برمته، بدءاً بالطريقة العشوائية التي تدار بها الجلسات ومروراً بالطريقة العشائرية التي يدار بها المؤتمر. هذا إذا أرادت الحفاظ على المؤتمر القومي العربي كفكرة قابلة للحياة والاستمرار. فالتغييرات إما تبقى شكلية وتجميلية، أو تكون حقيقية واقعية، يمكن أن تجعل من المؤتمر فعلاً مرجعية شعبية سياسية في المستقبل. وأهم هذه التغييرات، إعادة النظر بطريقة الانتساب إلى المؤتمر وبعضوية كل أفراده وفق شروط ومواصفات معينة أغفلها النظام الداخلي للمؤتمر حتى الآن.
من المؤسف أن تاريخ الأحزاب القومية بجميع فروعها في الوطن العربي ــــ البعث، الحزب السوري القومي، حركة القوميين العرب وسواهم ــــ تاريخ لا يتسم بالديموقراطية. ولم يمارس أي حزب من هذه الأحزاب الديموقراطية لا في داخل هيئاته وقياداته، ولا عند وصوله إلى الحكم. فالفجوة المخيفة بين الشباب «والديناصورات» لا يردمها إلّا الإيمان المطلق بالممارسة الديموقراطية والعمل بها ومن أجلها، لاستكشاف القوى الجديدة ذات المصلحة في الإصلاح والتغيير. ومن هنا يبدأ التفكير بالحزب وبالدعوة إليه في كل بلد عربي.
وفي معرض الحديث عن ضرورة تحويل المؤتمر إلى حزب سياسي، لا بد من التأكيد على موضوع الديموقراطية وسط السمعة السيئة للأحزاب القومية في هذا المجال. فغياب الديموقراطية قد أنهك قوى هذه الأمة، وهزّ مفاهيم كثيرة، وهدم تنظيمات وأحزاباً شتى، وقوّض أحلاماً وطنية لا حصر لها، وأفرغ مؤسساتها من محتواها، وعطّل الحياة المدنية، وكان سبباً في استكانة الجماهير العربية وقهرها بعد تدجينها. وما يهمنا في الحديث عن الديموقراطية الآن، هو أن يتولى المؤتمر ــــ الحزب الدعوة إلى تعلم الديموقراطية ويقبل بشروطها ويلم بمبادئها ويتكيّف مع متغيراتها. إذ ليس عندنا تجربة معاصرة تعرف العمل الديموقراطي السياسي من ضمن تعددية سياسية أو حزبية، من النوع الذي يُمارس في العالم المتحضر. فأي عمل يصبو إلى التغيير لا يمكن أن يكلل بالنجاح إلّا إذا تمَّ بوسائل ديموقراطية، متخذاً طريق التثقيف الديموقراطي سبيلاً.
ولا بد من التطرق إلى علاقة المؤتمر القومي العربي بالمؤتمر القومي ــــ الإسلامي المؤلف من مجموعة من الإسلاميين الذين لا يريدون الالتقاء تحت شعارات القومية العربية لأسباب عدة، أهمها الشعور بالتفوق الفكري والتنظيمي. بينما نجد أن القوميين هم الذين يتوسلون الإسلاميين إلى اللقاء والحوار. ومع تقديري للجهود التي بذلت في هذا المضمار، فإنني أعتبرها جهوداً ضائعة.
لم أجد أو أقرأ في وثائق المؤتمر القومي ـــ الإسلامي أي نقد ذاتي، كحركة سياسية في المجتمع. فطروحات التيار الإسلامي في مواجهة التيار القومي، ما زالت طروحات فوقية، توحي وكأنها معصومة من الخطأ وأنها وحدها تملك الحقيقة المطلقة. فأغلب مبادرات الحوار جاءت من الطرف القومي، مما أوحى للإسلاميين بالتعالي دائماً. وقد ولّد هذا شعوراً لدى التيار الإسلامي بأنه مُحصَّن بدفاعات مقدسة، من الصعب على الأطراف القومية أن تتناولها بالنقد والتحليل، بعيداً عن المداهنة السياسية والمناورة الحذرة، خشية الوقوع في قبضة اتهامات محاكم التفتيش الإسلامية.
فالصراع بين الفريقين الراغبين في التغيير في الساحة الوطنية الواحدة، هو صراع على السياسة وليس صراعاً مع الدين. فالأمة لا تفتقر إلى الدين، بقدر ما تفتقر إلى وعي حقيقي لواقعها الاجتماعي ــــ السياسي الذي يؤكد على ضرورة الفصل بين الدين والسياسة، مهما بدا ذلك صعباً في ظل أوضاع الأنظمة العربية الراهنة. فالإسلام لدى معظم القوميين العلمانيين هو دين ومجتمع، بينما هو عند الإسلاميين دين ودولة. وبالتالي العمل على دفع مجتمعاتنا نحو دول مدنية تقوم على أساس فصل الدين عن الدولة، وحقوق المواطنة المتساوية.
كذلك لم يقدم المؤتمر القومي ـــ الإسلامي أي تنازل في موضوع الديموقراطية وقضايا المساواة بين الرجل والمرأة أمام القانون. فتنظيم الاختلاف في القضايا الأساسية بين القوميين والإسلاميين، ليس من مهام المؤتمر القومي العربي. لذا يجب الفصل كلياً بين عضوية المؤتمرين، لأن في صلب مهمة المؤتمر القومي العربي الوقوف في وجه الطروحات الإسلامية، وليس المساومة عليها للتقرب من الإسلاميين.
ولعل المؤتمر القومي العربي، إذا تبنى فكرة التحول إلى حزب سياسي، سيضطر إلى الفصل بينه وبين المؤتمر القومي ــــ الإسلامي والمجموعة الإسلامية المنتمية إليه، حيث سيكون لهم دينهم وله دين.
وإلى أن يصبح المؤتمر القومي العربي ساحة للتلاقي الوحدوي والحوار الديموقراطي والتفاعل الوطني، على «ديناصورات» العروبة أن يحموا لغتهم الجميلة من العبث ومفرداتهم من الإهمال وقاموسهم من الضياع، عليهم أن يجدّدوا في ذات المؤتمر وهويته، بـإقرار مشروع تحويله إلى حزب سياسي، حتى لا يتساءل الجيل العربي الصاعد عمّا إذا كان قد آن الأوان لهؤلاء «الديناصورات» أن ينقرضوا، ويطالبهم أن يعودوا إلى بيوتهم غير مطرودين!

 

تنشر بالاتفاق مع الكاتب
الجمل

 

إلى الندوة

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...