عمارة يعقوبيان :إدانة سينمائية لمصر الناصرية !

27-02-2007

عمارة يعقوبيان :إدانة سينمائية لمصر الناصرية !

الجمل - أحمد الخليل: لطالما متحت السينما من بئر الادب وخاصة الرواية لما يمتاز به الفن الروائي من عمق في تناول المجتمعات والشخوص والدخول الى أغوار النفس البشرية للتنقيب عن العواطف والغرائز والافكار، هذا غير الامكانية الكبيرة التي تتيحها الرواية لمخيلة المخرجين في التعاطي مع الامكنة والشخصيات والصراعات، لذلك كثيرا ما تلقى الافلام المأخوذة عن روايات نجاحات كبيرة اذا ما أحسن مخرجها التعامل مع المادة السينمائية الغنية الموجودة بين سطور الرواية، فكلنا يذكر فيلم منزل الارواح المأخوذ عن رواية ايزابيل الليندي وفيلم الحرب والسلم (عن رواية تلوستوي) والأفلام المأخوذة عن بعض روايات نجيب محفوظ وبعض روايات حنا مينة ...
رواية الدكتور (طبيب أسنان) علاء الاسواني (عمارة يعقوبيان) التي أثارت جدلا شعبيا ورسميا ونقديا كبيرا في مصر (هاجمها عضو مجلس الشعب ورئيس تحرير صحيفة الأسبوع مصطفى بكري نجم الفضائيات الصاخب واعتبرها رواية مسيئة لمصر وللاخلاق!) لفتت انتباه الكاتب والسيناريست وحيد حامد الذي اشتراها من مؤلفها ليحولها الى فيلم بنفس الاسم من اخراج نجله مروان وبطولة النجم عادل امام (انتاج عام 2006).
تدور أحداث الفيلم في عمارة يعقوبيان بوسط البلد (شارع سليمان باشا) و يتطرق الى التطورات الاقتصادية والسياسية خلال النصف قرن الماضي مسلطا الضوءعلى قضايا الفساد الذي أفرزه الحكم الناصري وما بعده، الذي اسقط الطبقة الوسطى والرأسمالية الوطنية في هذه الفترة كما يركز على ظاهرة الارهاب محاولا الغوص في جذور الظاهرة اضافة لقضية الفقر والتفكك الاجتماعي الذي يعاني منه المجتمع المصري.يبدأ الفيلم بتعليق صوتي على خلفية صور بالابيض والاسود للقاهرة القديمة أو ما يعرف الان بمنطقة وسط البلد مشيرا الى تاريخ انشاء البناية التي اتخذها الفيلم عنوانا له حيث أسسها الخواجة هاكوب يعقوبيان عام 1937 وكانت عمارة تضم سكانا من ديانات وأعراق مختلفة، وهذا الاستهلال مأخوذ من الرواية كما هو تماما.
يظهر الفيلم جمال الحياة ورقيها في زمن الاربعينات وهدوء وسط البلد وتماسكه الاجتماعي قبل ثورة ضباط تموز (1952) ويحملهم مسؤولية الفوضى والقبح الذي حل بالقاهرة فالشقة التي تخلو بموت صاحبها الاجنبي يستولي عليها ضابط من ضباط الجيش وينقل اليها ثقافته وسلوكه ومفاهيمه الريفية والشعبية لذلك يتحول سطحها الى حي للشعوائيات يسكنه الفقراء و الطيور والخدم والمهمشين.عمارة يعقوبيان هي مصر الآن بكل تجلياتها وصراعاتها وفقراءها ومجموعاتها الارهابية وفسادها .. وأحلامها المسحوقة.
شخصيات وأحداث
زكي الدسوقي ابن الباشا والثري سابقا والمهموم بمطاردة النساء يقتات أحلامه الليبرالية في خريف عمره متذكرا أيام شبابه المقرونة بروعة أهل وسط البلد ونضارة القاهرة أيام زمان، يرفض الهجرة في شبابه حبا بمصر فتطحنه التطورات الاجتماعية والسياسية بعد ثورة يوليو فيمضي أيامه باقتناص النساء والشرب الدائم والمشاجرات اليومية مع أخته دولت التي تتهمه بتلويث سمعة العائلة والتصابي وبالمقابل هو يوجه اليها اتهامات أخلاقية مماثلة فتقيم عليه دعوى حجر مشككة في قواه العقلية ثم تلفق له تهمة وتقتاده الى مركز الشرطة مع بنت السطوح بثينة.أما طه الشاذلي (أدى الدور محمد امام ابن عادل امام) ابن البواب الذي يحب بثينة الفتاة الفقيرة جارته في نفس البناية يطمح في الالتحاق بكلية الشرطة بعد حصوله على الثانوية العامة بمجموع 89 % ويحول دون ذلك الوضع الاجتماعي لوالده (البواب) فكلية الشرطة ليست لاولاد البوابين حسب لجنة الضباط الفاحصة!! الصدمة وانكسار أحلامه تقوده للعلاقة مع جماعات اسلامية متشددة في جامعة القاهرة فيلتحي ويحضر دروس في الجامع ويقتنع بعظمة (الجهاد)، وعقب احدى المظاهرات في الجامعة يطارد الشاذلي ويقبض عليه ويتعرض لتعذيب شديد واغتصاب (بالعصا) ويرفض الوشاية بزملائه ثم يخرج مصمما على الانتقام من معذبيه فيلتحق بمعسكر تدريب للجماعات الارهابية المسلحة ويقوم بعملية اغتيال الضابط الذي آذاه وأشرف على تعذيبه في المعتقل وفي تبادل لاطلاق النار بين الشرطة وطه وزميليه من المتشددين الاسلاميين يسقط الشاذلي والضابط وتختلط دماؤهما في مشهد مدهش يدلل على التشابه بين جلادين أو قل ضحيتين.
حاتم رشيد (أدى الدور خالد الصاوي) رئيس تحرير صحيفة (القاهرة) التي تصدر بالفرنسية فهو ناجح في عمله ومثقف ولكنه شاذ جنسيا نتيجة اهمال والديه له وهو طفل وتعرضه للعبث من قبل الخدم فأمه الفرنسية التي تعتز بأصلها وتفوقها على زوجها رجل القانون الشهير تهتم بنفسها وبعشاقها وتهمل ابنها الصغير كذلك الاب الباحث عن المجد والشهرة، هنا تكمن جذور التشوه الذي لحق بحاتم الذكي المميز الذي يجعلنا نتعاطف معه فالكاتب علاء الاسواني يرسم شخصية روائية فذة لها لغتها وتركيبتها النفسية واعتدادها بنفسها فنحن أمام شخصية متزنة ذات مكانة اجتماعية مرموقة رغم شذوذها .تعبر شخصية حاتم رشيد  عن فشل مشروع التحديث على الطريقة الغربية الذي آمن به والد حاتم فكان ارتباطه بامرأة من قاع المجتمع الفرنسي ظلت تحتقره و تخونه لينتج عن زواجهما إنسان شاذ رغم إتقانه لعمله و لثقافته الواسعة لكن لا مستقبل له في البيئة المصرية المحافظة، فالمجند عبده الصعيدي الذي يقيم علاقة معه يشعر بالذنب و عندما يمرض ابنه الوحيد و يموت يعتقد أن الله عاقبه بسبب هذه العلاقة الآثمة فيهجر سطوح العمارة والكشك الذي اشتراه له حاتم هربا منه رغم الأمان المادي الذي كان يعيش فيه . يبحث عنه حاتم من جديد فيجده و يقنعه بأن ينام معه لآخر مرة و تحصل مشادة بين الطرفين تنتهي بمقتل حاتم رشيد. الحاج  عزام ماسح الاحذية الذي تاجر بالمخدرات ليصبح من أثرياء مصر (رمز سياسة الانفتاح) حيث يمتلك مشاريع استثمارية ضخمة ومحلات ويطمح الى دخول البرلمان ويرضخ لابتزاز الوزير المسؤول عن تلك المهام (كمال الفولي) الذي يقدم نفسه باعتباره مندوبا عن الكبار حين يطلب مليون جنيه ثمنا لنجاح الحاج في البرلمان كما يطلب نصف أرباح مشروع وكالة السيارات اليابانية.
الفولي في رأي عزام رجل يوقف البلد ويقدر أن يقعدها في زمن تصفه الفتاة بثينة بأنه جعل مصر قاسية على أهلها، كمال الفولي الرجل الواجهة (للراجل) الكبير الذي يفرض نسبة الربع على أي توكيل أو مشروع استثماري لكن عندما يعترض عزام على النسبة تقتحم مكتبه الشرطة بتهمة الاتجار بالمخدرات (تدبير الفولي) فيرضخ عزام لشروط الفولي (نصف المرابح) من مشروع التوكيلات.الحاج عزام (أدى الدور نور الشريف) الأخطبوط الذي يرتدي قناع الدين ويبرر به كل شئ حتى تجارة المخدرات "فالمخدرات لم يحرمها الاسلام" على حد قوله فهو يستشير شيخه في كل كبيرة وصغيرة ويتبرع بكرم حاتمي لأعمال الخير، ولكن عندما تعارض الدين مع رغبته في إجهاض زوجته الجديدة (سمية الخشاب) لم يتردد قط في أن يضرب عرض الحائط بالدين وبمفاهيمه فالدين ليس الا أداة من أدوات الوجاهة الاجتماعية والتسويق لمنتجات الحاج عزام، كما هو أداة سياسية للوقوف بوجه منافسه في انتخابات البرلمان صاحب محلات الرضا والنور الذي سبق حملته الانتخابية بمنح كل فتاة سافرة عدة أطقم من الالبسة الشرعية مجانا اذا هي أرادت ارتداء الحجاب كدعوة للحجاب والسترة!!بينما يطل الحاج عزام في برامج تلفزيونية مهاجما الاعلانات والتعري والبرامج داعيا الى الحشمة (جسد المرأة ساحة انتخابية للوصول الى الحصانة البرلمانية)!!بثينة الفتاة الجميلة (أدت الدور التونسية هند صبري)(من سكان سطح العمارة) توفي والدها باكراً و ترك الأولاد لأمها التي تعمل خادمة لتعيلهم و عندما تتخرج بثينة من الجامعة تبحث في سوق العمل الخاص عن عمل فتكتشف أن المطلوب هو جسدها فقط.  بثينة تحب طه الشاذلي و قد تعاهدا على الزواج. لكن بعد أن تعمل من خلال اللعب على وتر جسدها أول مرة تنفر منه و تقرر أن طريقهما ليس واحدا (خاصة بعد محاولته استمالتها الى التدين فتلقي بكتابه اليه) . وأخيراً تتعرف على زكي بك (من خلال ملاك) سليل العائلة الأرستقراطية ،  لتعمل بثينة عنده كسكرتيرة ، لكنها تقع بحبه بعد أن ترى معاملته الرقيقة و تعامله الإنساني معها في السرير فترفض أن تخدعه و تنتهي الرواية بزواجهما  و هذه هي النهاية السعيدة الوحيدة في الفيلم المليء بالخيبات والموت.
بين الرواية والفيلم
قاريء رواية عمارة يعقوبيان لابد وأن يقارنها بالفيلم عند رؤيته رغم أن المقارنة ظالمة وغير مراعية لفروق الفنين وأسلوب التعاطي المجتمعي والتلقي لكل منهما فصانع الفيلم يحتاج لجهود كبيرة جدا لإضفاء العمق وشرح الدخائل لشخصياته وردود أفعالها تجاه علاقتها ببعضها البعض، وعلاقتها بالأحداث والمتغيرات وعلاقتها بنفسها، في حين أنه من اليسير على الكاتب أن يضمن عمله الأدبي من خلال مونولوج شارح، أو عبارة كاشفة على لسان الراوي، أو استبطان داخلي تقوم به إحدى الشخصيات.
ومن ثم جاء الفيلم مختلفا عن الرواية في كثير من الأشياء، أهمها التخفيف من حدة النقد السياسي واضعاف خطه الذي يتسم بالعمق في الرواية، وهذا جعله يفقد الكثير من قيمته في هذه المرحلة التي تمر بها مصر؛ فقد تحول من نقد واضح وصريح في الرواية إلى غمز ولمز سياسي بسيط وجانبي في الفيلم.
فيلم عمارة يعقوبيان ليس على مستوى التوقعات، ومع ذلك يفتح العديد من النوافذ ويطرح مشاركة كبار النجوم في أفلام تتفاعل وتتعاطى صراحة مع بعض مشاكل الواقع المصري.
ورغم أمل كاتب السيناريو "وحيد حامد" بتقديم وثيقة بصرية تتأمل في الإنسان وعلاقته بالمكان وبالظروف الاجتماعية والسياسية، ومحاولة تقديم قصيدة شجية عن الاغتراب وعن علاقة الذات بمجتمع وعصر مشوه، لكن طول العمل الفني (160 دقيقة) وعدم العمق في معالجة بعض الشخصيات أفقده جزءا من العمق وتحديدا على مستوى الهم السياسي.
أيضا تعرض خط حاتم الصحفي اللامع الشاذ للحت والتعرية من قبل صانع الفيلم فاذا لم يكن المشاهد قد قرأ الرواية فلن يفهم شخصية حاتم أبدا.
كما أن بعض الشخصيات تعرضت للتسطيح كما في حالة ملاك (الخياط) وشقيقه خادم زكي (فانوس) في الفيلم (أبسخرون) في الرواية.
حيث قدمهما الفيلم كنماذج مسيحية (قبطية ) بشكل أقرب ما يكون الى شخصية شايلوك اليهودي في مسرحية تاجر البندقية لشكبير من حيث سلوكهما  فأحدهما كان أقرب الى قواد للباشا زكي الدسوقي والأخر أقرب للمرابين اليهود (ملاك) الذي حاول اغواء بثينة للتآمر معه على توقيع عقد آجار بينه وبين زكي وهو في حالة سكر لكي يؤول البيت له بعد وفاة زكي مقابل خمسة آلاف جنيه، وبالتالي كانت هناك دلالة على ادانة فئة كبيرة في المجتمع المصري تتناغم مع بعض الاصوات المتأسلمة والتي تدعو لاضطهاد الاقباط والتضييق عليهم لا بل هدر دمهم كما في كتاب محمد عمارة والذي تم سحبه من السوق مؤخرا، وهذا الأمر موجود (للأسف) في الرواية فكان الفيلم وفيا لما جاء فيها وهذا أمر خطير سياسيا واجتماعيا على صعيد التماسك الوطني المصري!
وبالتالي يتقزم الفيلم ان نحن قارناه بالرواية المحكمة والعميقة التي كتبها الاسواني بحرفية عالية وبأسلوب تشويقي مذهل. 
رغم ذلك يبقى الفيلم نقطة علام سينمائية في السينما المصرية بعد أن اكتسحت أفلام الكوميديا الهابطة ساحة السينما محولة الفن السابع الى ساحة للعب (العيال).
كما يسجل للفيلم اظهار امكانات جديدة للنجم عادل امام لم نرها سابقا في أفلامه في حين ظهرت يسرا (كرستين) بدور السنيد حيث لم يضف اليها الدور أي شيء جديد على أدوارها السابقة.


بطاقة الفيلم
الايرادات: 22438175 جنيه مصري
بطولة: عادل إمام - نور الشريف - يسرا
إسعاد يونس - هند صبري - أحمد بدير
أحمد راتب - سمية الخشاب - خالد صالح
خالد الصاوي - محمد إمام - باسم سمرة
اخراج: مروان حامد
انتاج: جود نيوز
قصة: د.علاء الاسواني
مدير التصوير : سامح سليم
مونتاج: خالد مرعي
موسيقي: خالد حماد
توزيع: جود نيوز - الشركة العربية


الجمل

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...