علامة الشام جمال الدين القاسمي

13-01-2008

علامة الشام جمال الدين القاسمي

تقترب الذكرى المئوية لوفاة جمال الدين القاسمي (1866-1914)، الذي أطلق عليه في مصر حين زارها في مطلع القرن العشرين (1903) لقب «علامة الشام»، والذي ترك ما يزيد على مئة مصنف تدل على سعة علمه وريادته في بعض المجالات. وتتزامن هذه الذكرى مع انطلاقة احتفالية دمشق عاصمة للثقافة العربية، التي لا يمكن فهم تغييبها لعالم مجيد مثل القاسمي الذي لا يزال مؤلفه المرجعي عن تاريخ دمشق ينتظر من يهتم به وينشره.

وتجدر الإشارة الى أن جمال الدين ولد في أسرة معروفة خرجت العديد من علماء الدين وعلماء الطب، وبالتحديد من المعممين والمثقفين الذين انشغلوا بالقضية العربية الصاعدة واصطدموا لذلك مع الإدارة العثمانية (صلاح الدين القاسمي، ظافر القاسمي... الخ).

وفي ما يتعلق بجمال الدين القاسمي تحديداً فقد اشتهر في بلاد الشام بعلمه وباعتباره من رموز النهضة العلمية الحديثة التي أفضت الى صدام سواء مع السلطة العثمانية او مع العامة الدمشقية التي كانت مدفوعة من بعض المتعممين المتعصبين.

اشتهر جمال الدين القاسمي بعد اعتقاله وتقديمه الى المحاكمة بتهمة «الاجتهاد» في 1895، وهي القضية التي أثارت الرأي العام وأحرجت الادارة العثمانية وعرفت باسم «حادثة المجتهدين». وكان القاسمي قد شارك مع مجموعة من علماء دمشق (عبدالرزاق البيطار، وأحمد الحسني الجزائري وسليم سماره وتوفيق الايوبي وسعيد الفرا ومصطفى الحلاق الخ) في تشكيل حلقة تجتمع في شكل دوري لقراءة ومناقشة الكتب. وقد اشتهرت هذه الحلقة آنذاك باسم «جمعية المجتهدين» لكون أعضائها من المتنورين الداعين الى الاجتهاد. إلا أن هذه المبادرة، كما وصلت الى الوالي العثماني عثمان نوري باشا، اعتبرت خطيرة وتمس بأمن الدولة ولذلك طلب من المفتي تحويلهم الى المحاكمة في شباط (فبراير) 1895. ولكن القاسمي عرف كيف يدافع عن نفسه ورفاقه ويحرج المفتي، وانتهى الأمر بإطلاق سراحه والاعتذار له، وهو ما رفع شأنه في دمشق التي تابع مجتمعها باهتمام كبير هذه المحاكمة.

ومن ناحية أخرى، برز اسم القاسمي بعد الزيارة الشهيرة التي قام بها رشيد رضا الى دمشق في 1908 وردة الفعل الهوجاء على الدرس الذي ألقاه في الجامع الأموي. فقد كان القاسمي قد زار مصر في 1903 وتعرف هناك بالشيخ محمد عبده والشيخ رشيد رضا، وقد رد رشيد رضا الزيارة في رمضان 1326هـ/1908م. وصحب القاسمي والبيطار وغيرهم رشيد رضا الى الجامع الأموي لالقاء درس فيه غداة يوم وصوله، على ان يلقي درساً آخر في اليوم التالي. ولكن بعض المشايخ المتعصبين أثاروا العامة ما أدى الى تجمهر هؤلاء أمام دار الحكومة والمطالبة بترحيل رشيد رضا. ومع ترحيل رشيد رضا لامتصاص الفتنة دارت الدائرة على القاسمي المسؤول عن دعوة وزيارة رشيد رضا لدمشق حتى انه لزم بيته ثلاثة شهور لا يغادره الا لصلاة الجمعة في مسجد صغير مجاور.

وكان القاسمي ممن تحمسوا لإعلان الدستور العثماني في 1908 وانتخاب البرلمان (المبعوثان)، وحتى انه شارك في الاحتفال بهذا الحدث في جمع من كبار الشخصيات في بيت الشيخ سليم الكزبري. وقد ألقى اخوه قاسم القاسمي كلمة كتب مسودتها جمال الدين نفسه، وهي على قدر كبير من الأهمية حيث بينت منزلة القانون الأساسي (الدستور) في الدين وأوضحت انه ليس فيه ما يخالف الشرع بل هو، على العكس، مما أوجبه الدين وأمر به.

وفي ما يتعلق بمؤلفات القاسمي التي تجاوزت المئة (انظر عنها: د. نزار اباظه، جمال الدين القمسي، دمشق 1997) يمكن القول ان بعضها يتمتع بقيمة مرجعية وريادية حتى الآن. ومن ذلك لا بد من الإشارة الى تفسيره للقرآن الكريم المسمى «محاسن التأويل» في 17 مجلداً الذي يعتبر من خيرة التفاسير المصنفة في العصر الحديث، والى كتابه «الفتوى في الإسلام» الذي طبع للمرة الأولى في دمشق خلال 1911 وأعيد طبعه في بيروت في 1984، وما أحوجنا الآن الى طبعة جديدة نظراً للتخبط في أمور الفتوى في العالم الإسلامي. ففي هذا الكتاب بالذات تبدو تاريخية وتنويرية القاسمي، حيث درس تطور الفتوى عبر التاريخ وأوضح الكثير من الشروط والضوابط التي يجب ان تلازم الافتاء. ومن كتبه ايضاً التي تتسم بالريادة «الشاي والقهوة والدخان» الذي طبع في دمشق 1322هـ، وهو يتضمن الأخبار حول وصول هذه المشروبات الى بلاد الشام وما قيل فيها من أشعار.

ولكن بالاضافة الى هذه الكتب وغيرها التي طبعت لدينا ما يمكن اعتباره من أهم مؤلفات القاسمي ألا وهو «تعطير المشام في مآثر دمشق الشام» الذي جاء في أربعة أجزاء لا يزال يحرص عليها حفيده محمد سعيد القاسمي في دمشق. وقد كان من الطبيعي ان يهتم القاسمي بالتأريخ لمدينة دمشق وان ينفق على هذا الكتاب اكثر من عشر سنوات، حيث انه شرع فيه عام 1308هـ وأتمه عام 1319هـ. وقد خصّص الجزئين الأول والثاني لتراجم من دخل واستقر في الشام قبل ظهور الإسلام وبعده، خصوصاً من الصحابة والتابعين وغيرهم، بينما خصّص الجزء الثالث لولاتها ونوادر الأخبار فيها منذ الفتح الإسلامي وحتى عصره وشمل أبواب المدينة وتاريخ قلعتها ومشاهير جوامعها ومدرسيها وزوارها وخوانقها ودور كتبها الخ. أما الجزء الرابع والأخير فقد تركه لمنتزهاتها وعيونها ورياضها وعن ما قيل فيها من شعر.

وعلى رغم قيمة هذا الكتاب بالنسبة الى مدينة دمشق، التي أصبح ينشر فيها كل ما هب ودب في سياق «الدمشقة» و «التدمشق»، فقد بقي مخطوطاً حتى الآن في انتظار من يهتم به وينشره.

وكان مما اهتم به الباحث في التراث محمود الأرناؤوط الذي حقق قطعة صغيرة منه بعنوان «طبقات مشاهير الدمشقيين من أهل القرن الرابع عشر الهجري» (دمشق 2006)، وهي التي تحتوي فقط على 24 ترجمة للعلماء الذين عاصرهم وتتلمذ عليهم القاسمي في الثلث الأول للقرن الرابع عشر (1301-1330ه).

ويكفي هنا ان نذكر ما ورد في الترجمة الأولى عن مفتي دمشق طاهر اللآمدي (1215-1301هـ) حتى نتبين قيمة الكتاب. فالقاسمي يكشف في هذه الترجمة عن أن بيت المفتي كان مجاوراً تماماً للمسجد الأموي من ناحية النوفرة (التي تنسب اليها «قهوة النوفرة» المعروفة في دمشق)، ولكن حائط المسجد وقع عليه في سنة 1273هـ مما دفعه للانتقال الى بيت آخر قرب باب الجابية. والمهم هنا ما يورده القاسمي عما حل بداره الأولى. فقد جعل بعضها زاوية وبعضها ضم للمسجد. وكان على الحائط الأصلي للمسجد الأموي المجاور لدار المفتي كوة يقال ان رأس الحسين بن علي عليه السلام قد وضع بها، ولما تم توسيع المسجد بضم دار المفتي «جعل المحل الذي يقال ان رأسه الشريف وضع فيه على هيئة قبر، وصار يقال له مشهد الحسين من حينئذ». وفي توثيقه لهذا الأمر الجديد لا يتوانى القاسمي عن التوضيح عن ان ابن عساكر في تاريخه المعروف عن دمشق لم يذكر شيئاًَ عن هذا الأمر.

وبالاستناد الى كل هذا لا يسع المرء الا أن يستغرب تغييب القاسمي عن احتفالية دمشق 2008، حيث كان من المناسب اعادة إصدار بعض مؤلفاته، والأهم من ذلك اصدار تاريخه المرجعي عن دمشق. وعلى كل حال نأمل ألا يكون الوقت قد فات على ذلك.

محمد م الأرناؤوط

المصدر: الحياة

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...