الأزرق يسقط من السماء

07-08-2009

الأزرق يسقط من السماء

رواية المخابرات ليست وقفاً على الأدب السوري وليست ابنة اليوم. فمن هذه الناحية قد تكون متأخرة زمنياً عن الرواية المصرية على سبيل المثال. لكنها تزداد تسلطاً على الرواية السورية وتكاد تكون أحد إلحاحاتها الأكثر بروزاً. لقد تموضعت الرواية السورية وهي ذات انشغال سياسي استثنائي في هذا الموضوع. لم تعد متجاذبة من هموم شتى تتنازع الحياة السياسية فقد وجدت مرماها الأساسي. إننا امام نوع من حرب خنادق، إذا جاز التعبير، فالرواية تتحرّى ما تعتبره السلطة الفعلية. السلطة وراء السلطة. السلطة غير الظاهرة وغير المقيدة وغير المتوقعة وتتعهّد برصدها ومتابعتها في أدائها وظهورها المتخفي والشبحي وآلياتها الخاصة. أي اننا في الحديقة الخلفية للسلطة وجانبها غير المرئي.
إذا كانت رواية المخابرات رواية سياسية بدون ريب إلا انها من ناحية اخرى غير الرواية السياسية السائدة، بل انها وهذا متفارق، نوع من تصحيحها إن لم تكن اعتراضاً عليها. الرواية السياسية السائدة كانت إذا أخذنا هاني الراهب مثالاً وليس الوحيد بالطبع ولا تمكن نمذجته، ذات خطاب شامل يفرق فيه المحلي بالعام، السوري في القومي والراهن في التاريخي، والسياسي في الايديولوجي، وليس هذا حال رواية المخابرات إذا جاز اعتبارها الشكل الأخير للرواية السياسية. هنا نحن امام رواية موضعية محلية سياسية بدون تشتت قومي تاريخي ايديولوجي.
انها رواية منشقة، إذا جاز التعبير، فقد تخلصت من كل المشترك الايديولوجي والسياسي مع خطاب الدولة. هذا الخطاب الذي كان ينتهي الى استرداد جزئي واعادة احتواء ضمنية لما يذهب، بنية صادقة، الى معارضته. رواية «المخابرات»، كما اسميها مؤقتاً، هي بحسب منطقها رواية تعرية وكشف، انها تواجه السلطة داخل السلطة. هي، بحسبها، تنفذ من الواجهة الى الداخل وتكشف الطبيعة الفعلية والمسؤول الفعلي. ان مرماها هو بالضبط ما تعتبره حصن الدولة ومركزه. ليس هناك ظاهراً على الأقل، من مشتركات، لقد تحررت الرواية من ثقافة النظام ومن الخطاب الحاكم نهائياً، لكن هذا، مؤقتاً، الثمن التخلي عن المقارعة الايديولوجية والسياسية المباشرتين.
رواية المخابرات ترى المخابرات وحدها. أي انها لا ترى من النظام إلا ما تعتبره الأساس وترى سواه تمويهاً له. انها ترى المخابرات، أي الحصن الأمني والبوليسي ولا تعتد بأي شيء سواه. السياسي والإداري والايديولوجي لم تعد ذات بال. بل لم تعد في المواجهة. إنها معركة مواقع كما سبق ان قلت والمرمى واحد ومحدّد والمواجهة هي أولاً في كشف ذلك والصمود عنده، ثم انها في التشديد عليه ورصده ومجابهته. لنقل اننا امام انكماش كبير واختزال وتركيز. بعد التشتت الكبير في الرواية السياسية نصل الى العكس هنا، الى ضبط صارم ومركزة وحصر، تبدو رواية «المخابرات» لذلك وكأنها تجنب للدخول في مناقشة ايديولوجية مع النظام فهي فخ والفرز هنا لم يتم بعد. تلخيص المجابهة يضعنا امام تبسيط واضح. هناك المخابرات وهناك المواطن او شبهه.
رواية المخابرات بطلها المخابرات، لكن المخابرات احياناً كثيرة ذات حضور شبحي او ذات حد بوليسي واحد. اننا نرى منها ما تظهره وشبحيتها جزء من سلطانها ومن أدائها ومن حضورها، لذا تحمي الرواية هذه الخفاء فلا نرى أحياناً كثيرة سوى رأس جبل الثلج ولا نرى إلا الوجه البوليسي ويبقى رجل المخابرات، حيث يضع نفسه، خلف الستارة وفي الداخل غير المرئي. لكن المخابرات حتى في رواية كهذه هي البطل. هكذا نقع في روايات كهذه على بطلين. بطل ظاهر وبطل محرك، هناك البطل الذي يتلقى سلطة المخابرات وخفاءها وتدابيرها غير المرئية. هذا البطل ظاهر بالطبع له حدود شتى. انه مثقف وسياسي وله عشيقة او زوجة وله تاريخ وجذور. أما رجل المخابرات فهو المخابرات فحسب. ان حده حدها وهو تمويهها وتدابيرها وأسرارها. أي ان جدلية الظاهر والباطن التي تتنازع المخابرات هي جدلية الرواية نفسها، في بعض الروايات يخرج رجل المخابرات من غموضه المقيم. يظهر بسلطته وقدرته وماله ويستثمرها في اغواء امرأة على سبيل المثال، لكننا لا نزال في الحد الواحد. بل ان هذا الحد الواحد يتحكم في الرواية. فإذا كان بطل المخابرات شبحاً او ذا طبيعة شبحية فإن هذا يمدّد الرواية كلها التي تجازف بأن تبدو حرب اشباح. انها تتحول الى شبه رواية بوليسية لكن بدون بنيان الرواية البوليسية وتقنياتها ومعادلتها. إن حدية رجل المخابرات تهدد بشبه حدية لمن هم في مواجهته. أي ان اختزال رجل المخابرات ينتهي الى اختزال مقابل. اذا كان البطل المقابل اقل حدية إلا انه ايضا ذا وجود شبه شبحي، وجود بسيط، إلى حد، وفقير. أي اننا في نهاية الأمر امام مجابهة حسابية. أمام ثنائية ولو لم تكن كاملة. ليس رجل المخابرات والبطل المقابل قطبين اذ ليس البطل المقابل خيراً كله وقد يكون كما نجد في «عزف منفرد على البيانو» لفواز حداد ان البطل المقابل متهاود وتسووي، لكن هذا لا يجعله اقل شبحية. بينما في رواية منذر حلوم «الأزرق يسقط من السماء» نجدنا امام ثنائية قطبية فالبطل ورجل المخابرات ضدان كاملان. لكنهما، من هنا وهناك، بالجزئية نفسها.
رجل المخابرات شبح لكن المجابهة تقضي بأن يكون المرمى والهدف وأن تخيّم حديته على الرواية. ثمة روايات يخرج فيها من سريته وغموضه إلى حياة ملأى لا تقلل من حديته، ولا تقلل من ثنائية الرواية واقتصارها على علاقات «حدية» وعلى مجابهة حسابية وسياق شبه مدرسي لهذه المجابهة، كما هي الحال في رواية «الصمت والصخب» لنهاد سيريس.
احتكم إلى آخر قراءاتي روايتين صادرتين عن دار الريس وأتساءل اذا كانت روايات مثلهما مسموحة التداول في سوريا. فواز حداد روائي حذق، لكن طالما تحكم الإلحاح السياسي بروايات سورية او استبد بها. في «عزف منفرد على البيانو» نفاجأ برجل تغلب عليه صفة «العلماني». انها حد مناسب في مواجهة حد آخر هو المخابرات وإن لم تكن ضداً له. لا أعرف متى يمكن ان تستغرق صفة العلماني حياة كاملة الا في ثقافة يستغرق فيها احياناً الكليشيه السياسي وغير السياسي حياة كاملة. رجل المخابرات معولم ومعاصر الى حد نشتبه فيه بأن في ذلك نقداً للعولمة كلها. والعلماني مساوم وذو حياة عاطفية جانبية للغاية، لكن العلماني هو العلماني أولاً وأخيراً، وكذلك رجل المخابرات، انها مجابهة حسابية وذات تسلسل مدرسي، والرواية في ضبطها الشديد وحسابيتها تكاد تغدو حرب دمى.
في رواية «الأزرق يسقط من السماء» لمنذر حلوم يبدو الألم بعصابيته وشاعريته الناجحة وغير الناجحة حجة لكل شيء. لا تكفي الحياة «الواقعية الحديثة» المتوترة والخصبة لأبطال الرواية فهي محاطة بغلاف أدبي عصابي شاعري لا أدري اذا كان يطمسها أم يفسرها، لكن الابتكار والموهبة الحقيقيين يختلطان هنا بالإنشاء والمحفوظات. «الآلة المسرحية الكابوسية» التي هي بحد ذاتها مشهد مسرحي قوي متين يختلط بمشهد الاغتصاب المتواتر على شناعته الايديولوجية. لسنا أمام صحراء لكن امام نصف حياة صارت هكذا بفعل الحدية والعنف اللفظي الذي لم تكن الرواية بحاجة له لفرط ما فيها من التوتر والعنف الحقيقي.
ليست الرواية السياسية محكومة بالضرورة بالدرس البريختي، أي ان لكل واحد حجته ومشروعيته بالنظر إلى واقعه وموقعه ومنطقه. لا بأس بقدر من الانحياز والمحاكمة والكاريكاتور والنمطية والحدية احياناً. لا أملك دروساً في هذا المجال. لا أملك بالطبع نصيحة او تعليمة. لست ضد النضال في الأدب حتى، وأملك احتراماً كلياً للألم. أنا أقرأ فحسب وأخشى ان يتدخل درس من أي نوع ويجعل كاتباً ما يعطي اقل مما يستطيع. الأدب، وربما ليخدم او ليفعل، هو دائماً أفضل ما نستطيعه.

عباس بيضون

المصدر: السفير

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...