آخر المواضيع المتعلقة
أرشيف البلدان
أرشيف الأيام
الأجندة

غسان الرفاعي: جامعو النفايات وتجار الفضائح

ـ 1 ـ نحاول المحافظة على رباطة جأشنا، وأن نتمسك باتزاننا، وأن نحتكم إلى المنطق، وأن نضع الوقائع أمامنا، وأن نناقش الاحتمالات الساخنة والباردة، وأن نستعرض موازين القوى الإقليمية والدولية، وأن (نفاخر) باستنتاج متواضع، وأن نعلن أن ما يجري ضرب من الجنون، وأنه لا بد من تسوية سريعة، وأن الإنسانية المتحضرة لا يمكن أن تقبل بما يجري، ولا بالخسة غير المتكافئة التي يجري بها، ثم فجأة ينقلب كل شيء رأساً على عقب، ويختفي التوازن، وتتناثر الحكمة، وتلتهب الهستريا، (ويغلي الغضب الساطع)، ويتعالى صراخنا:

(إنهم يسخرون منا!)، على أن ما يؤلمك ليس الطغيان، ولا الخسة، ولا الدنس، ولا العربدة، وإنما العجز بمختلف أنواعه، العجز المعلن، والعجز المستتر، والعجز المبرقع، والعجز المنافق. ‏

ـ 2 ـ ‏

إن الدراما الكونية المعاصرة، بما فيها من إحراج ودهشة، قد فرضت على الكتاب أن ينقلبوا من جامعي النفايات إلى تجار الفضائح، بعد أن ألزمتهم التسكع العقلي العابث، والتمسك بذبالة من نبالة في عالم تسوده النذالة. وإذا كان لا يضير الكتاب في العالم في شيء أن يكون الإنسان هو فضيحتهم الكبرى، لا الإنسان إطلاقاً، وإنما الإنسان في أرض محددة، وضمن علاقاته السامية أو المبتذلة، فإنه ليضير الكاتب العربي بحق ألا يكون الإنسان العربي في مأساته وتمزقه هو فضيحته الصغرى. إن هناك نزيفاً مفجعاً من الإنتاج يستجرنا إلى متاهات بحجة تقديم صورة عن الإنسان، كشط عنها كل زيف وديكور، وضمن هذا النزيف حول الإنسان العربي الذي مسخ إلى صرصور كما عند (كافكا)، إلى مخلوق غائص في صندوق قمامة حتى أذنيه، كما عند (بيكيت). والحقيقة ان ما تسعى إليه الواجهات الفكرية المضاءة بالنيون هو عرض انسان افقد حتى البطولة الإغريقية التراجيدية في مواجهة الأقدار، وحرم من الهزيمة المشرفة كتلك التي حاقت بـ(هاملت) و (دون كيخوته). ‏

ـ 3 ـ ‏

يحتبس الكاتب العربي في سجن أسمنتي، محروم من جميع منافذ النور، ثم يدفع إلى أن يتكور في أمن برجوازي، وفي طقوس خانقة تقيه المد والجزر، فيقرر أن (يضحك بلا فرح، وأن يبكي بلا حزن، ويتألم بلا وجع، وإذا تكلم لم يقل شيئاً) وإذا كان إحساسه بأنه فائض عن الحاجة، وأنه لا بد من هزيمته واستسلامه، فإنه يقبل هذه الهزيمة الظاهرة من أجل النصر الذي تجلوه. لقد ماتت (جوليت)، ولكنها قبل موتها أبانت لنا عظمة الحب، ولمعان نوره، وقبل أن يغمد (عطيل) الخنجر في احشائه، كشف عن عظمة الروح التي تجعل من موته شيئاً هيناً. إن الكاتب العربي الذي تصوغه أغذية بورجوازية يقف وحيداً كالفاقد ظله، ومن هنا يأتي شعوره بعدم الأمان، وشعوره بالقوة، إنه يعرف أن أسوأ الاحتمالات واردة، فيضطر إلى الدفاع عما هو كائن باسم ما كان. الإنسان، بالنسبة له، كائن محدد يرتبط بميراث المكتسبات الإنسانية بوصفها قد انتهت، وتحولت إلى أشياء (متكلسة). أما المستقبل فهو بمثابة سارق يسعى إلى ابتزاز مسلكيته، وكنتيجة لهذا، فهو يحكم عليه، لا من وراء ما ستربحه الإنسانية، بل من وراء ما توشك أن تخسره. ‏

ـ 4 ـ ‏

وإذا كانت الأحداث قد باغتت الكتاب، فأنزلت ورقات توت كانوا يتدثرون بها، فإن لطبيعة هذه الأحداث يداً في عقم الكتابة قد تبدو أحياناً من دون قفاز. ولست هنا في مجال رصد الأحداث، لا تعرية، ولا مخاتلة، وإن كان فمي محشواً ماء، وماء غير نظيف. إن صانعي الأحداث يعيشون بالدين، ويحققون أهدافهم بالشانتاج سالكين سبيلين: العنف والكاريكاتور، وكلاهما يقود إلى إبخاس الحدث قيمته، ولكن الكاتب هو، أو هكذا ينبغي أن يكون، واحة من الطهر والبراءة، مهما تعثر المسار وادلهم المناخ، ولئن كان من المغتفر للكاتب الولوج في العزلة، حينما يكون الصمت موقفاً، فإنه ينقلب إلى (كاريكوز) إذا سرّب كلاماً بذيئاً حينما يباح الكلام، أو قرّر هو أن يتكلم. والفاجع أن هذا هو ما حدث ويحدث. لقد عشنا قروناً طويلة ونحن نهدهد وهماً كاذباً في قضايا الأمر والطاعة، حتى باتت الوطنية هي في تقبل (غير الطبيعي على أنه طبيعي، مع العلم أنه غير طبيعي)، وحينما فشلنا في قلب الشاذ المرضي إلى ما هو طبيعي، قررنا أن نكيّف أنفسنا مع الشاذ المرضي، جاعلين من أنفسنا جزءاً من الشذوذ، وهكذا تأرجحنا من غير أن نتوقف، بين أكثر أنواع الكرم جنوناً، أكثر أنواع الانتحار أنانية، نصبح مضللين إذا آمنا بما نفعله، ودجالين إذا لم نؤمن به، فننكمش على إرادتنا، ويبدو لنا النضال كله كوميديا كريهة. وعندما نتبين أننا سنموت من أجل لا شيء، تأخذنا الرغبة في أن نؤكد، في الوقت نفسه بطلان كل مشروع، فكأننا نريد الفشل الذي كنا نرفضه، ونرفض الانتصار الذي كنا نتمناه. ‏

ـ 5 ـ ‏

كاتبان كبيران استأثرا بمعرض الكتاب الذي شهدته باريس الأسبوع الماضي: (البير كامو) و(جان زيغلر)، لما تركاه من بصمات على المعاصرة، وقد يكون من المستحسن أن نبرز ما خلّفاه من آثار في عالمنا العربي، وعلى كتّابنا المعاصرين. ‏

يتحدث (كامو) عن (عاهة) تؤرقه وتثير غضبه هي الشعور بعبثية الوجود الإنساني، وهو لهذا يدعو إلى التمرد على (فظاعة) العالم الزاخر بالمظالم والمجازر، والفساد. يصرخ في كتابه الملحمي (الإنسان المتمرد): (انظروا إلى جثة البراءة التي نصطدم بها أينما توجهنا، إنها تكشف عوراتنا، ولكنها تظهر لنا جبننا أيضاً. نحن نرفض الجريمة، ولكننا نستمر في ارتكابها، وقد لا نجد ضرورة لتبريرها وتفسيرها). ثم يكتب في رواية (الطاعون): (نشاهد الجريمة، وهي ترتكب أمامنا، فنغفر للأنظمة الطاغية، حمامات الدم في الجزائر والفيتنام، وفلسطين، ونتألم ونتوجع، ثم نطوي صفحة لنراقب فظاعات أخرى، قد تكون أكثر هولاً، ولكننا نتحصن دوماً بالجبن، وبالبلادة، ونكتفي بإشهار ما شاهدناه دون أن يرف لنا جفن..) المحال إذاً هو هذه الهوة القائمة بين الإنسان والعالم الذي يحيط به، بين طموحات العقل الإنساني والعجز في تنفيذها، ومن هذا المنطلق، فإن العبثية ليست متجذرة داخل الإنسان، ولا داخل العالم الذي يحيط به، وإنما هي في استحالة إقامة علاقة إيجابية بينهما. ‏

على أن أهم ما يدعو إليه (كامو) للرد على (القراصنة) الذين يدعون إلى صيانة الأمة الغربية من أخطار الهجانة الحضارية، هو إبراز التناقضات التالية: ‏

أولاً: ضرورة الربط بين الممارسة الثورية والأخلاق، بعد أن تمادى الثوريون في تطرفهم، وغطرستهم، وتخلوا عن أولويات النزاهة الأخلاقية، لا يريد (كامو) لدعاة الدفاع عن الحضارة أن يرتكبوا الحماقات باسم الدفاع عن الحضارة، كما حدث في الثورة الفرنسية، وفي ثورة اكتوبر، وفي كل الثورات اللاحقة. وقد برهنت الأحداث المتلاحقة أن منطق التبرير الحضاري كان سبباً رئيسياً من أسباب فشل الكثير من الأنظمة، على امتداد الكرة الأرضية. ‏

ثانيا: ضرورة الربط بين الممارسة الحضارية والطهارة المسلكية، بعد أن أظهرت التحقيقات أن وصول الحضاريين إلى الحكم يغريهم بتكريس الامتيازات والتجاوزات، وقد يفتح أمامهم فراديس الفساد المالي. ‏

ثالثاً: لا يجوز أن تتعارض الايديولوجيا الحضارية، مهما كانت واثقة من منطلقاتها مع الديمقراطية، ومع الاعتراف بالرأي الآخر. ليس المطلوب المهادنة ولا التسامح مع المتواطئين، وإنما الالتزام باحترام حرية الآخرين وحقوقهم. ‏

لقد اكتشف العالم العربي (البير كامو) في أوج ازدهاره وتألقه، وترجمت معظم مؤلفاته ورواياته إلى اللغة العربية، ثم تراخت أهميته الفلسفية والسياسية، ولكن عودته إلى المسرح الثقافي، وبهذا الزخم الكبير، قد تعيد إليه اعتباره، عند المثقفين العرب، ثم إن قراءته من جديد قد تكون مفيدة في مناخات الهزيمة واليأس التي يعيشها العالم العربي الآن. ‏

ـ 6 ـ ‏

اسم الكتاب الجديد لـ (جان زيغلر) الذي أمطر المكتبات، هو (كراهية الغرب)، إن أكثر ما يغضب (زيغلر) في كتابه الجديد هو أن (الغرب الأبيض) يهيمن على الكون منذ 500 عام، وعلى الرغم من أنه لا يمثل إلاّ 15.5% من سكان المعمورة، يكتب في تفجع: (إنها لهيمنة أقلية شرسة، تستخدم كل الوسائل غير الأخلاقية، للاستمرار أطول فترة ممكنة، ولكي تشمل هيمنتها أكبر رقعة جغرافية). ‏

لقد مرّت هذه الهيمنة - في تحليل زيغلر ـ في أربع مراحل متعاقبة: بدأت المرحلة الأولى بعد اكتشاف أمريكا، وتدفق المهاجرين إليها، أعقبتها المرحلة التجارية البربرية، وتميزت بتهجير طاقات من الرقيق الأسود من افريقيا إلى أمريكا لاستخدامهم مكان الهنود الحمر الذين تمت تصفيتهم، في مجازر جماعية، ثم أتت المرحلة الثالثة في القرنين التاسع عشر والعشرين، حيث تم احتلال افريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية والعالم العربي، بهدف توفير المواد الأولية والغذائية بأسعار متدنية جداً، وهنا جرى تدمير الحضارات المحلية عن طريق الارساليات التبشيرية المسيحية، باسم (نشر الحضارة الحداثية). أما المرحلة الرابعة، الأكثر وحشية فهي (مرحلة العولمة) التي تقوم على إعطاء الصدارة لصندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، ومنظمة التجارة العالمية، وهذه كلها - كما يصفها زيغلر - هي منظمات (ارتزاق) تسيطر عليها اوليغارسيات خبيثة تتقن أساليب (النهب البربري). ‏

د. غسان الرفاعي

المصدر: تشرين