نقد المسكوت عنه: بحث في خطاب المرأة والجسد والثقافة

11-02-2024

نقد المسكوت عنه: بحث في خطاب المرأة والجسد والثقافة

 جاكلين سلام :
كتاب التراث والحداثة منذ : ملك حفني ناصيف الملقبة بباحثة البادية، الى الباحثة زينب فواز العاملي. أدونيس. عبد الله الغذامي. الجرجاني. قاسم أمين. نزار قباني. غادة السمان. حنان الشيخ. عبده وازن. 
كيف تقرأ الناقدة أبحاث التراث ومكانة المرأة في النصوص الأدبية الحديثة والتراثية
.
الكتاب: نقد المسكوت عنه 
المؤلفة: د. أمينة غصن 
الناشر: دار المدى عام 2002 
.
من هي أمينة غصن؟

د. أمينة فارس غصن حصلت على إجازة دكتورة في السيميائية والألسنية من فرنسا، جامعة السوربون.
ـ نالت جائزة \"Fullbright\" جامعة ميشيغين ـ الولايات المتحدة الأميركية 1987-1988. واشتغلت استاذة في عدد من الجامعات اللبنانية.
صدر لها: 
1 قراءات غير بريئة في التلقي والتأويل.
2 جاك دريدا. في العقل والكتابة والختان
3 رواية بعنوان: تداعيات أريكة وسرير
4 أمين الريحاني في العبء الرسولي
5 نون في المحراب
6 حداثة بلا جذور 
ولها عدد من المقالات الوازنة في مجلات الشرق، بعضها منشور في موقع  شارخ. 
.
ماهو المسكوت عنه ولماذا؟ 
ماذا عن "تزوجوا منهن ألفا، لأنهنّ أجيرات"؟
كيف تحل الإشكالية ما بين الثقافي والإجتماعي والنص والنقد القديم والحديث.
.
استفهامات ومراجعات شتى تصب في نخاع ثقافتنا العربية بمحمولها الأسطوري والديني والرمزي والإجتماعي والأدبي نظرية ونصوصاً تخوض غمارها الناقدة الدكتورة أمينة غصن في كتابها النقدي الصادر عن دار المدى عام 2002 بعنوان "نقد المسكوت عنه/في خطاب المرأة والجسد والثقافة "
.
عبر أفكار متشعبة ومرجعيات مكثفة وبلغة مقشّرة تخلص الباحثة أمينة غصن إلى نتيجة تطرحها في مقدمة كتابها: 
"بهذه القراءات الثلاثة يتبدى النقد العربي الحديث- لا نقد النقد – وكأنه خرق دراويش، لكل خرقة بليتها، وبهتانها، وكذبها، الذي يجعلها نافرة في الجبّة. تلك الجبة التي رمزت للقهر والفقر، والتي لا تزال تحمل رمز ماضيها باستثناء واحد هو أن "دروايش الأمس" الباحثين عن الحق الذي يسحقهم تحولوا إلى طغاة ساحقين في"كذب التأسيس" والتحرير والتنظير" ص10 
.
مرجعيات ونتائج: 
فصول الكتاب ونتائج البحث جاءت بالاستناد على بعض القراءات وهي: 
1– خطاب تحرير المرأة وإشكاليته حين لا يتم الرجوع إلى مصادره الدينية ومكانة المرأة في "الأصول والفقه والأحكام" 
2- نظرية "النقد الثقافي" وإشكالية ما يطرحه "د.عبد الله الغذامي" وما تنضوي عليه ألفاظ كـ "الفحولة والأنوثة" و"المرأة واللغة" من ملابسات تستند عليها الباحثة فتنفي جدوى النقد الثقافي وتخلص إلى القول بأنه "نقد نسقي أفقي لاعامودي، وفي أفقيته، تكمن ضديته" 
3 – دراسة في مجموعة "حديقة الحواس" للشاعر اللبناني عبده وازن/مقام جسد المرأة والرجل في النص المكتوب. المسافة ما بين الايروسية والبرنوغرافيا في عين "الرقيب". وهنا تعود في بحثها إلى"ابن عربي" في تقصي الرمز والمرموز والكائن خلف الرمز/ اللفظ ( اللوح والقلم ) لاستكناه المعنى فتجد أن "حديقة الحواس: النص الممنوع أو شاهد البياض، وإشكالية الكتابة التعويضية، والتباس هوية الجسد الأندروجيني"
تشير الهوامش المرجعية إلى كثافة المصادر التي اعتمدتها الناقدة في عملها ابتداء من النص التوراتي، إلى آيات مستلة من الشريعة الإسلامية ومن كتب نقدية فكرية ونظريات لكتاب وباحثين من الشرق وقلة من الغرب.
.
الفصل الأول
 "تزوجوا منهن ّ ألفا لأنهن أجيرات": 
مفتتح الفصل الأول الذي يشغل ما يزيد عن تسعين صفحة من الكتاب تتناول من خلاله مركزية وهامشية المرأة في النص الديني عبر قصص الخلق وشواهد من "العهد العتيق/التوراة" وأقوال الله تعالى في القرآن الكريم وفي أحكام الشريعة حول الميراث والشهادة وعقد القران، ومن خلال بعض أقوال السيد المسيح وأحكامه على المرأة في حالات كـ"الزنا" وما يتداخل في ذلك من أعراف وتقاليد. تشير إلى أن الجسد في المسيحية خطيئة وكان الرب معهم "لقد جعلت المسيحية من الجسد خطيئة وجعلت من المرأة الجهة التي أتت بواسطتها الخطيئة" أما في سفر التكوين فأن معرفة الجسد هي "الخطيئة" التي استوجبت لعنة الله وطرد الانسان من الفردوس لأنه "عرف الجسد " وتقدّر أن:
 "الحرمان من الوعي يعني البقاء في حالة البراءة، أي في الجهل وفي الكبت والرقابة" ص 16. 
وتتناول شبكة من مدونات تاريخية دينية ودنيوية، كقصص بني "لوط" وغواية المرأة لأبيها، قصة يوسف وغواية المرأة، و ملحمة جلجامش وغواية المرأة لانكيدو " ومن العهد العتيق إلى العهد الجديد تبقى المرأة رمزا للزنا والرجم حتى أتى المسيح وأقام ميزان الحب مكان ميزان الزنا..." إذ قال المسيح للمرأة الخاطئة  وحسب انجيل لوقا "إن خطاياك الكثيرة مغفورة لك لأنك أحببت كثيرا" ص 20 
.
المرأة في الأسطورة
تكون المرأة في " أسكورة جلجامش  معبرا لـ" انكيدو" رفيق الوحش، إلى المدينة والأنسنة: 
" فالأنثى هي أبدا أنثى الضفاف العابرة بالرجل من التوحش إلى المدنية، إنها المرأة التي لا تتحرج من أنسنة الرجل بعد أن صعّدت جسدها قربانا ومحرقة، كما أنها لم تتحرج من كونه- انكيدو – لقيطا، إذ جعلت منه ابن رحمها وساوت بينه وبين ابنها الملك الشرعي "جلجامش " ص 25. 
كما تؤكد الباحثة غصن على حضور الجنس في التراث والقرآن وترى أنه "خطاب الآخر أو اللغة الغائبة العصية على الامتلاك والحضور الكثيف الذي لا يقبض عليه ". وتدلي بشواهد، ببعض الآيات والأقوال والتفاسير حول الأسرة المسلمة والمرأة العاملة و "القوامة" وزينة النساء وما تفرزه علاقات المجمتع الجديد من تشابك وتناقض وغموض يلف مكانة المرأة وحريتها ومساواتها ويضعها قيد السؤال والتمحيص ويضعها أيضا في خانة الاهتمام والحذر من الكيفية التي تتحكم بتأويل بعض النصوص.
كمثال: انظر إلى قال ربك تعالى" وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن، ويحفظن فروجهن، ولا يبدين زينتهن، إلا ماظهر منها وليضربن بخمورهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن" هذه الآية تشاء الباحثة أن تقفز في تفسيرها فوق الزمن، لتسقطها على ما يجري في القرن العشرين من مسابقات ملكات الجمال والابتعاد عن الحشمة. 
لكن المسافة شاسعة بين الفعلين كما أعتقد، فتقول عن هذه الآية " وكأن هذه الأوامر كانت موجهة لنخاسي القرن العشرين الذين أقاموا مباريات للجمال وسلخوا المرأة عن انسانيتها وقاسوها بمقاييس السنتمتر والغرام وكأنهم يقيسون حيوانا أو يزينون نعجة" ص 24 مع الملاحظة أن هذا الجملة الأخيرة مرجعها " محمد مهدي الأصفي: العلاقات الجنسية في القرآن الكريم" 
تؤكد أن "القرآن سعى للحفاظ على إنسانية المرأة " ولكن اللَبس حصل لاحقاً وبشدة حين جاء زواج المتعة وما أقره الفقه الشيعي.. والموضوع شائك كما تشير في دراستها.
 "وقد سئل مؤسس الفقه الشيعي الامام جعفر صادق، هل تعتبر زوجة المتعة إحدى الزوجات الأربع التي يحق للمسلم عقد زواج دائم معهن في آن معا؟ قيل أن جواب الامام كان: تزوجوا منهنّ ألفا لأنهن أجيرات "ص 30 .
لكأن درجة الانسانية التي أجدها هنا مبنية على المفاضلة ما بين الرقم واحد وأربعة أوالرقم ألف، إذ ترى الناقدة: "الإشكاليات التي كانت المرأة محورها، فهي السفور والحجاب، الزنا والزواج والتطيب والصلاة الجامعة والمكوث في البيت، وعدم الخروج إلا لقضاء الحاجة، هي إشكاليات محسومة الإجابات وغير منفتحة على التأويل الذي فيه الكثير من التجريح، خاصة وأن الآيات جاءت صريحة وواضحة" ص 36. 
والبحث فيه من التعقيد وكثرة الشواهد ما تزيده إلتباساً إلى حد ما، فنقلب الصفحات بحذر ويبقى لدينا دوما تساؤلات وغوامض جوهرية "مسكوت عنها " أو تفسّر بمقتضى الحاجة، بما يحجب بأكثر مما يبت ويصرح. 
.
المرأة في خطاب الحداثة: 
تنتقل بعدها إلى مكانة المرأة في خطاب الحداثة، حقها في اختيار كل ما يتعلق بمعتقداتها وأفعالها وجسدها، كي تصبح سيدة نفسها وتريد لها أن "ولتسقط المحرمات التي آذتها طويلا وجهلتها طويلا وأفقرتها طويلا ... ولتقم ميزان العدل وترد للمرأة انسانيتها قبل رد حقوقها" ص 36 .
تستعرض إلى جانب هذا تحليلا لحكايات ألف ليلة وليلة. أنسنة شهريار المتلسط الدموي، من خلال فعل "الحكي" الذي اتبعته شهرزاد في الليالي "وكانت المبارزة ساحة، رحاها دار الاسلام، وفي عصر لازالت تمارس فيه كل أشكال العبودية!! وكمن أهمية القص في إسناد دور البطولة لشهرذاد التي وحدها كانت محور المعرفة والشعر" ص40. 
وفي كلمة أخيرة عن شهرزاد الليالي وتدوين السيرة الذي جاءت بأمر من الملك إلى النساخ وترى فيها "وأما ملحمة شهرزاد فما زالت كرأس أورفيوس المقطوع تغني الأنسنة والحب والأمومة" ص 51
في صفحات تالية تتناول خطاب وحرية المرأة في عصر النهضة وأسبقية اجتهادات المرأة وكمثال تطرح اسم الكاتبة المصرية "زينب فوار العاملي" وبحثها التاريخي التراثي العميق والذي جاء في كتاب "الدر المنثور في طبقات ربات الخدور" وما قدمته الباحثة العربية من حالات ضيم وتحجيم وتهميش تواجهه المرأة من قبل بنات جنسها أولاً والمجتمع بكافة سلطاته ثانياً.
وكانت كتاباتها مترافقة مع أبحاث أكبر كاتبة أجتماعية في حينه السيدة "ملك حفني ناصف" التي لقبت بـ "باحثة البادية" حين انخرطت " ناصيف" ميدانيا وفكريا في البحث عن مقترحات عمل ووصايا تجعل للمرأة مقاما أكثر إنصافا في المجتمع والقانون. 
وتكون بذلك كلتاهما قد سبقتا أطروحة المتنور " قاسم أمين" في تصوراته عن "المرأة الجديدة" وأهمية الاصلاح الإجتماعي، مستندا على تعاليم أستاذه محمد عبده ورفاعة الطهطاوي، وكان لهم  جميعا نصيبهم في مواجهة الإتهامات والرفض الشديد من قبل السلطات الدينية والإجتماعية والحاكمة ولم  يسلم خطاب "تحرير المرأة" من اعتباره دوما مشروعا تحركه أصابع خفية بغيتها العدوان على الأمة العربية والإسلام " وهكذا صار خطاب تحرير المرأة خطابا مريبا يرتبط بالدوائر الاستعمارية وبخطاب التآمر الثلاثي: الماسوني والصهيوني والبهائي إن لم يكن الشيوعي . وبقي الاسلام بريئا من إجحافات الإرث والوصاية والولاية والحجاب والنقاب." ص 80 
.
في القسم الأخير من الفصل تتطرق إلى مسألة المرأة الكاتبة والإبداع واللغة والتهميش الذي لحق بها "أما الكتابة، فلم تكن واحدة من دوائر الهم الإسلامي، لأن المرأة المنفية في لغتها، وداخل  المجتمع لم يكن بمقدورها أن "تسترجل" وأن تجعل للقلم ذاكرة أنثوية" 
وما يزال النقاد يكرسون هذا في نظرياتهم النقدية الحداثية التي ما تزال تنفي ذات المرأة داخل اللغة وخارجها، وتطرح هذا بالوقوف على أفكار الناقد السعودي" د.عبد الله الغذامي" في كتابه "المرأة واللغة" وتتناول بعض الإصدارات الأدبية الروائية لتؤكد أن للمرأة "ذاتاً لغوية وذاتاً ثقافية وذاتا ًمؤنسنة". 
كمثال للدراسة، تتناول الروائية غادة السمان في "الرواية الستحيلة" وقصص مجموعة "القمر المربع"  وكذلك رواية "حكاية زهرة " للروائية حنان الشيخ.
.
 لكنني أجد أن هذه الأعمال الروائية حديثة صدرت في أواخر التسعينات ليس إلا، وهذا يعني الجرأة والوعي والتمكن من كتابة حداثية بدأت تتحقق مؤخرا جداً، وكنتيجة لمرحلة طويلة وشائكة وعسيرة تحف بوجود المرأة وكياناتها عبر التاريخ وحتى الحاضر. 
.
اقلبوا التراث على رأسه: 
تشير الباحثة أمينة غصن إلى "مصيدة قدرية "تتلبس المرأة من خلال اللغة وبأنه بات من الضروري قلب التراث على رأسه لاعادة قراءته وتخليصه من الترهل الذي أصابه، فهل نجيد قراءة خرابه الجميل ولو بقراءة عابثة تتجاوز النهود والبطون إلى العقول والقلوب وتتجاوز الأرحام التي تنتفخ وتنز إلى أرحام اللغة التي لا تشيخ .... إنها أرحام لغة الأنثى التي ستعيد ترتيب الأوراق، وتكسر ثنائية اللفظ والمعنى من أجل اعطاء المعنى حقه في تقرير مصيره من دون وصاية اللفظ عليه" ص 95 . 
وفي المحصلة تقف أمينة غصن بالمرصاد لقول قديم/تراثي استشهد به الناقد السعودي عبد الله الغذامي وهذا ما تبحثه مطولا في القسم الثاني من الكتاب. 
.
الفصل الثاني
 لونجينوس مؤسس "ما بعد حداثة" الغذامي:
تتوقف الباحثة مطولاً لتنتقد ما جاء به مشروع عبد الله الغذامي في "النقد الثقافي" ونقد الأنساق الثقافية العربية وبحوثه النظرية وما تحمله من مضمر وما تؤول إليه من نسق جديد، هذا وبالرجوع إلى إشكالية اللفظ والمعنى، وتقدّم أحدهما على الآخر، حيث للفظ/ الفحل، الأسبقية على المعنى/ المرأة، بالعودة إلى كتاب الغذامي " المرأة واللغة " حيث يتصدر بحثه قول عتيق لعبد الحميد بن يحيى "خير الكلام ما كان لفظه فحلا ومعناه بكرا" ص 108 
.
شروحات وأقوال من مصادر مهمة عديدة توردها مقارنة ببعض النظريات النقدية الغربية في التشريحية والتفكيكة وعلم الجمال، بدءا من " لونجيوس" الاغريقي وبحوثه في روعة الأسلوب ومقاماته من خلال نظريته التي سماها "سحر البيان" والتي تقيم الشبه بين المبدع والآلهة وتنتقل للربط ما بين معاني بين معايير وخطوات لونجينوس بما تحمله من كلمات "السمو والجليل والرائع .. " الى ما يحمله القرآن الكريم من "إعجاز" كان سبب اختلاف الباحثين العرب على مر العصور " وكأن إخفاق الباقلاني انتقل إلى الغذامي الذي لم يميز بين " معجز" إلهي ورائع إنساني، وإنما وقعنا على كثير من التناقضات التي تقلق الوضوح في رؤياه النقدية .. " ص 121 
وما بين نظريات عبد القاهر الجرجاني إلى نظريات وفلسفة فوكو ودريدا والغذامي وآخرون تمضي رحلة الكتاب.
.
لنأخذ بعض مقتطفات "الغذامي الذي انشغل بأولية اللفظ يشبه من بعض وجه انشغال جاك دريدا بمركزية الفونيم على حساب مركزية اللوغوس" ص 126 
وتأخذ على الغذامي ما ذهب إليه بعض نقاد الغرب "وبذا تصير فرضية الغذامي كما فرضية دريدا فرضيات أحادية البعد تنكر أن للعصا دوماً طرفين وأن هذين الطرفين هما الطرفان اللذان ستعنى بقراءتهما (العبر مناهجية) التي ستبتعث أنوثة العالم التي أهينت وأهملت... وهذا التوحيد العبر مناهجي هو ما ضله عبد الله الغذامي، والذي شغله – الى أولية اللفظ – قراءة انتقالية منحازة في الفحولة التي أنتجتها الأنساق الثقافية العربية " ص 127 
.
الفحولة في المعجم وعند بعض شعراء الحداثة:
تجد الباححثة وبالرجوع إلى معنى "الفحولة" في لسان العرب أن " الفحولة ليست عيبا يؤخذ به الشاعر العربي لأن المرجع اللغوي يشرح الكلمة " أن الفحل هو الذكر من كل حيوان... والفحل هو غير الخصي، والعظيم في خلقه ونبله وجماله والعرب تسمي سهيلا فحلا تشبيها له بفحل الابل، وذلك لاعتزاله عن النجوم وعِظمه " وتلخص الى القول أن الفحولة اسقاط نقدي وليست " نسقا ثقافيا كما شاءه الغذامي، إذ أخذ نفسه بمهمة الكشف بعيداً عن مهمة التفسير" ص 128. 
كما وتتطرق إلى الحلاج في ثورته وأدونيس ونزار قباني في فحولته، وتجد اسقاطا لكل حالة، وتسأل الغذامي: لماذا لم يدرس الظاهرة الحلاجية أو الصعلكة أو الخمريات أو القرمطية التي كرس لها أدونيس جزءا هاما من مسيرته الابداعية ... والتي يحق له _ لأدونيس _ بناء عليه أن  يكون "فحل الفحول " وقرين المتنبي وذلك لـ " كثير شعره وكثير إشكالياته، وكثير قلقه، وكثير رؤاه، وكثرة طغاته التاريخيين المتربعين فوق الكثير من الرؤوس ... " ص 151. 
.
النقد الثقافي: 
وبالإضافة إلى ذلك هناك نقطة جوهرية هي رفض فكرة النقد الثقافي كما جاء بها الغذامي في نظرياته والذي تجد أنه "نقد أفقي لا عامودي، وفي أفقيته تكمن ضديته "
إذا تبنينا رفض النقد الثقافي جملة وتفصيلا، ففي أي خانة ندرج هذا الكتاب النقدي الذي تناولت فيه "نقد المسكوت عنه"  منذ أولى صفحات التوراة وإلى العصور الجاهلية فالوسطى والحديثة ، ومن خلال ومكانة المرأة وخطابها بكل تراكماتها الدينية والإجتماعية ووصولا إلى نصوص شعرية أدبية- كمثال " حديقة الحواس كما سنرى في الفصل الثالث؟! 
وإذا حصرنا خطوات بحث الدكتورة غصن في خانة "نقد النقد" ألا يأخذنا ذلك بالمحصلة إلى نقد الثقافة بمجملها هذا إذا عدنا إلى تعريف كلمة الثقافة وفق مصادرها وكما تناولها المفكرون والمبدعون شرقا وغربا، والتي تنطوي على مجمل الفكر والعادات والشرائع والتقاليد والتراث الشفاهي والمكتوب بكل أبوابه.
 .
مابين الضحية والجلاد ثقافياً:
تختم الفصل الثاني من الكتاب بالنتيجة التالية "ليس الشاعر طاغية، وليس الشاعر جلادا، وإنما هو ضحية "النقد الثقافي" يسلط سيفه فوق كلماته، يقطع أعناقها، يبتر أعضائها، يبعثرها، ويسيء قراءة معانيها. الشاعر يورث ولا يرث كلماته، تلك الكلمات التي تتحول مشانق يعلق بضفائرها ويجعل عرضة للسابلة والمارقين" ص  151
.
الفصل الثالث
 دراسة في مجموعة " حديقة الحواس" للشاعر عبده وازن: 
يتناول الكتاب من خلال "حديقة الحواس" المجموعة التي صدرت للشاعر عام 1993 في بيروت عن دار الجديد.
 موضوعة الكتاب كما تراها المؤلفة "الايروسية العنيفة والمخيفة بسبب انشدادها للهفة الموت والإكتظاظ به .. " ص 172.
كتابة الجسد حيث هناك سطوة الموت والعنف الظاهر والكامن وموقع المرأة في النص، الهامشية والمركزية وبالعودة إلى المقولة التي تم عرضها ودراستها من حيث اقتران اللفظ بالمعنى أو تغليب الأول على الثاني ... 
تفتتح الفصل بما جاء في التوراة عند اكتشاف آدم وحواء عريهما الجسدي بعد الأكل من شجرة المعرفة التي كانت محرمة عليهما فتقول 
"أما ألفة الموت وأنسنته فكان ذريعة عبده وازن في حديقة الحواس. النص الذي شاء الرقيب تقديمه نصا أبيض محايدا وكأنه العرس البعيد عن الجروح ...وسكرات الموت المستعادة"  
 في تحليلها للنص تذهب إلى مدارات الصوفية وتفاسير الرموز وفق ابن عربي ولسان العرب، وتعرض ما يحمل القلم واللوح من تداعيات تظهر أبعادها في النص وحين الخلوة بين جسدين عاريين هاربين من كل شيء. 
" فالجسد/الهوة في ايروسية حديقة الحواس هو رمز اللامرئي والخفي والمفارق والعصي الذي لا يحال إلى كتابة إلا من قبيل الافتراض، وهو الافتراض الذي قذف بالقلم في أتون التكرار، لأن هوة الجسد مسكون دوما بالغيب والمجهول." ص 187 
.
شطحات صوفية: 
عبر مقاربات أخرى تتناول ديوان عبده وازن بمقاربات مقولات المسيح وتتداخل مع هاملت وأوفيليا و إلى شطحات الصوفية إلى تلاشي الذات والهوية والجسد والاقنعة وتجد بطل المجموعة "حديقة الحواس" في سجاله الكتابي حول وفي جسد "امرأة الجروح " التي لم يبق في ذهنه منها إلا قفاها/الكثافة والقمر، وهكذا غدا "البطل ضديا" متردداً ما بين الإحجام والإقدام، حتى ضاقت السبل بالمرأة فخرجت تاركة زبدها على شراشفه... 
"حديقة الحواس هو نص الفجيعة، التي لملمت فيه امرأة الجروح أشلائها، وانتزعت صورتها من مرآته، وخرجت من عتمة ليله لتفضحه شمس نهارها.. تركت للقلم " قفا لا جه له " ص 193
.
نعود إلى كلمة الناقدة غصن حول النص الذي يحدث فيه " انشقاق الاندروجينية بين فحولة اللفط وأنوثة المعنى هذا وأن الجسد هنا ملتبس وعنيّن "لا ذكر ولا أنثى" فالتبست الهوية والرؤية والأنوثة والفحولة وسقط الجسد في "المحو" وفي العتمة. 
خاتمة
تفاصل وشروحات ومساحات زمنية وفكرية متداخلة وغنية يقدم عليها كتاب" نقد المسكوت عنه" ليضعنا في ساحة جدل وقبول ورفض كانت وماتزال قيد "صراع" ثقافي حقيقي ولم يكن مسكوت عنها كليا ولكن فعل المؤسسة السلطوية والرقابة بكل أصولها وفروعها وعملائها في مختلف القطاعات هي التي تحجّم وتمنع وتكفّر أية أطروحة جديدة وجريئة وتسقطها في باب المحرم والمبتذل والمتمرد وبنظرة عابرة إلى تاريخ الوصاية ومهنة الرقيب المتعدد الأثواب والصور والتجليات سنجد الشواهد فادحة وصادمة وتساق إلى خانة التسكيت عنوة.

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...