لماذا ترفض الولايات المتحدة الإفصاح عن الحقيقة في سورية

الكاتب: داني هايفونج - ترجمة: د. محمد عبده الإبراهيم


عندما أعلنت إدارةُ الرئيس ترامب أنّها تريدُ سحبَ القواتِ الأمريكيّة من سورية في أوائل عام 2019، انتقدت الطبقة الحاكمة الأمريكيّة بشدّة فكرة سحب تلك القوات والتراجع عن المشاركة في حرب استمرت لأكثر من ثمانية أعوم ضد سورية. وقد دفعت ضغوط وسائل الإعلام وشركات السلاح الأمريكيّة على حدٍّ سواء إدارة ترامب إلى الاحتفاظ بأربعمئة جنديّ أمريكيّ في سورية مع الاحتفاظ بالكثير في دولة العراق المجاورة.

سأل عددٌ قليل في المؤسسة الأمريكيّة عن سبب تفكير إدارة ترامب في سحب القوات الأمريكية. والسبب هو أنَّ جهود الولايات المتّحدة لتغييرِ "النظام" في سورية قد فشلت إلى حدٍّ كبير. كما أنَّ التقرير الذي تمّ تسريبه من منظمة حظر الأسلحة الكيميائية (OPCW) يضعُ بالنسبة للولايات المتحدة الملح على الجرح.

يشير التقرير الذي تم تسريبه إلى أنَّ الأسلحة الكيماويّة المستخدمة في دوما في نيسان/أبريل من عام 2018 قد تم زرعها على الأرجح من قبل قوات على الأرض، ولم يتم إسقاطها من الطائرات العسكريّة السوريّة.

إنَّ تقرير منظمة حظر الأسلحة الكيميائية الذي تم تسريبه يتناقض مع النتائج الأولية للمنظمة، وتمَّ التكتم عليه بشكل كامل. في الواقع كان من يُسمون "المتمردين المعتدلين" في سورية هم الذين شنّوا الهجوم.

استخدمت الولايات المتحدة وحلفاؤها معلومات مغلوطة للقيام بغارات جوية على الأراضي السورية دون أي تحقيق أو تصويت أجراه مجلس الأمن الدوليّ. لكن ليس مسوّغاً قبول أنَّ الرئيس الأسد أقدم على ضرب شعبه بالغاز وهو لن يجني من ذلك سوى مكسبٍ ضئيل، وإثارة العداوات العسكرية من الولايات المتحدة وحلفائها.  

لكن، المهم أنّه أُعيد انتخاب الأسد من قبل أغلبيّة كبيرة من السّكان في عام 2014، لأنه كان ينظر إليه، بصفته القائد الأكثر قدرة على القيام بشنّ حملة تطهير ناجحة ضد الإرهابيين.تبين أن الشعب السوري كان على حقّ. أصبحت رواية "الديكتاتور" أكثر صعوبة، لأن سورية استعادت بنجاح جزءاً كبيراً من أراضيها من "المتمردين" المدعومين من الخارج. وقد تراجع هؤلاء المتمردون الذين ينتمي الكثير منهم إلى إيديولوجية "داعش" والقاعدة إلى الملاذات الآمنة مثل محافظة إدلب على طول الحدود التركية ومنطقة التنف على طول الحدود الأردنية.كما تمَّ الكشفُ عن قيام "إسرائيل" وبالجرم المشهود، وهي تقدّم المساعدة الطبية والدعم اللوجستيّ للمقاتلين المرتبطين بتنظيم القاعدة في سورية. لكن رغم الدعم الواسع النطاق، لا يزال الوكلاء الجهاديون مصدرَ إزعاجٍ خطيراً، وليس تهديداً لتغيير "النظام".

لم تغيّر مؤسسة السياسة الخارجيّة الأمريكيّة والطبقة الحاكمة عموماً رأيها بشأن سورية. يجب ألا يكون هناك أيّ شك بالنظر إلى المعاملة المعادية لتولسي غابارد من وسائل الإعلام الخاصة بأن تغيير "النظام" لا يزال يمثل أولوية بالنسبة للولايات المتحدة في سورية.تتفهم وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) والبنتاغون وبقية "الدولة العميقة"، أنَّ الطريقة الوحيدة لإسقاط إيران وإضعاف نفوذ روسيا والصين في الشرق هي إزالة الحكومة ذات السيادة في سورية.

دعمت الولايات المتحدة، كما أظهرت وثائق وكالة الاستخبارات الدفاعية المسربة في عام 2012، وزودت العناصر الجهاديّة والسلفيّة في سورية لهذا الغرض بالذات. وهذا هو السبب أيضاً في أن الاحتلال الأمريكيّ الفعليّ لسورية يكمن في المراكز الاقتصادية الاستراتيجية حتى يفرض طوقاً خانقاً أمام الحكومة السورية في الموارد الطبيعية الرئيسة، مثل: المياه والنفط.ترفض الولايات المتحدة الحديث عن سورية؛ لأنَّ العمل على انهيارها يبقى في صميم جدول أعمالها في المنطقة. أشار الاستراتيجيون العسكريون لسنوات إلى أن الطريق إلى طهران وموسكو وبكين يكمن في الإطاحة بالحكومة في دمشق.

تقف أوروبا ضد العدوان الأمريكي الأخير على إيران لهذا السبب بالتحديد. ستكون الحرب مع إيران مكلفة للغاية، وستعزز تحالف المقاومة بين سورية وإيران والعراق وروسيا والصين.لا ينبغي التقليل من أهمية أن تظلّ إيران تحت التهديد الحقيقيّ للحرب من قبل الإمبريالية الأمريكية. ومع ذلك، فإن الاستفزازات الأمريكية مع إيران تخدم المصالح الانتخابية أكثر من أي شيء آخر. إن عداء ترامب تجاه إيران يهدّئ من افتراءات اللوبي الصهيوني المسعور الذي له تأثير كبير في الانتخابات الأمريكية.

كما أنَّ الميلَ لمحاربة الجمهوريّة الإسلاميّة [إيران] يسترضي قسماً من قاعدة ترامب الانتخابيّة التي لديها اعتقاد مُفاده أنَّ إيران تُعدُّ دولةً راعيةً للإرهاب.ومع ذلك، فإن الحرب البرية مع إيران من المحتمل أن تثير غضب الرأي العام وتدمر حملة ترامب لعام 2020. وقد تؤدي أيضاً إلى السقوط المدوي لولاية جون بولتون في إدارة ترامب.      يميل النظام الانتخابيّ الأمريكيّ المفلس، الغارق في النزعة الفردية الأمريكية، إلى إزالة تركيز التحليل من الاستراتيجية الفعلية للإمبريالية الأمريكية. في حين أن الكثير من سكان الولايات المتحدة يشعرون بالضجر من الحرب، إلا أنهم عرضة أيضاً للتأثير بآليّة الدعاية التابعة لتوجُّه الطبقة الحاكمة في الولايات المتحدة.

تعتمد الإمبريالية الأمريكية على إيديولوجيات نظرة الاستعلاء الفوقية وتفوق العرق الأبيض لتبرير جرائمها ضد الإنسانية لصالح الربح.

إذا كانت سورية لا تعاني على أيدي الإمبراطورية الأمريكية، فعندئذ لا تستحق التغطية. الرئيس الأسد ليس في خطر تغيير "النظام" في أي وقت قريب. وكما يشهد تقرير منظمة حظر الأسلحة الكيميائية الذي تم تسريبه، فإن الاهتمام الذي لا داعي له بشأن سورية يفضح فقط إجرام الإمبريالية الأمريكية.

ومع ذلك، وفقاً للصحافيّ بن نورتون، مارَسَ الكونغرس ضغوطاً على دونالد ترامب لتكثيف عدائه تجاه سورية حتى بينما تقرع إدارته طبول الحرب ضد إيران. وقّع أربعمئة عضو في الكونغرس خطاباً مفتوحاً يحثّ ترامب على اتخاذ المزيد من الإجراءات العدوانية ضد سورية وحزب الله وروسيا. وتطالب الرسالة صراحة بأن يدافع ترامب عن مصالح "إسرائيل"، ويفرض عقوبات صارمة على حزب الله وسورية.

تلقى هذا التطور قدْراً ضئيلاً من الاهتمام الذي اكتسبه موقف ترامب العدواني تجاه إيران في الأسابيع الأخيرة. إن وسائل الإعلام الخاصة بالشركات والجنرالات السابقين وما يسمى بحكم الأقليّة الليبراليّة التي تدعي أنها ضد الحرب مع إيران، هي الآن أكثر من راغبة في سن سياسات تجعل مثل هذه الحرب نهاية حتمية للاستراتيجية العسكرية الفعلية للولايات المتحدة في المنطقة ككل، ذلك لأنَّ الإمبريالية الأمريكية ليست مهتمة بدرجة كبيرة بمنع الحرب مع إيران بقدر اهتمامها بشنّ مثل هذه الحرب بالطريقة الصحيحة. لقد تخطى ترامب ومستشاروه توصيات المسؤولين عن الجهاز العسكريّ. الحرب مع إيران ليست ممكنة. مثل هذا السيناريو من شأنه أن يؤدي إلى سيناريو حرب عالمية يمكن أن ينتهي بهزيمة كارثية للإمبريالية في المنطقة.

يدرك المخططون الاستراتيجيون العسكريون الأمريكيون، بصدد سورية وبقية محور المقاومة في المنطقة، أنّه يجب أولاً زعزعة استقرارها وإضعافها قبل محاولة الإطاحة بإيران بنجاح. كما أنّه من أجل عرقلة حرب قد تنشب ضد إيران، يجب مواصلة الحديث عن سورية، والتأكد من حماية سيادتها من المكائد والمؤامرات الأمريكية.

 



الجمل بالتعاون مع مركز دمشق للدراسات