التدين الشعبي في سورية

  التدين الشعبي والتدين الرسمي ودورهما في ترميم أو تمزيق نسيج المجتمع السوري" عنوان ورقة العمل التي شاركت بها في ورشة عمل بناء السلم الأهلي التي انعقدت مؤخرا في بيروت بحضور نخبة من المثقفين ورجال الدين  السوريين واللبنانيين: أنقلها لكم لمناقشتها وإغنائها:

يمكننا تقسيم الإسلام الشامي إلى ثلاثة أنواع:1 ـ تدين السلطة 2 ـ تدين المعارضة 3 ـ تدين الشعب 

- تدين السلطة، أو التدين السياسي الرسمي حيث تستخدم الدولة فيه الدين كأداة للسيطرة على المجتمع وتأمين الاستقرار عبر احتكار النص الديني وتأويله، وهو خطاب يطالب المتدينين بالخضوع للحاكم وطاعة أولي الأمر وتحريم الخروج عليهم. وهو خطاب واحد لم يتغير منذ أيام الدولة الأموية وصولا إلى يومنا هذا.

- تدين المعارضة: وهو تدين سياسي أيضا حيث تستخدم الجماعات المناوئة خطاباً معادياً للدولة يعتمد على تثوير الشعب ودعوته للجهاد ضد ظلم الحاكم، وهم عادة أكثر عنفا وبطشاً من السلطات الحاكمة من حيث أنهم يستدعون كل ثقافة العنف المقدس لإحلال سلطتهم، حتى لو كان تدمير النظام المدني ثمناً لذلك. هذا ولم يتغير خطاب المعارضة الدينية أيضا منذ أيام الخوارج حتى يومنا هذا. مع التنويه أن أجندة الإخونج قد جاءتنا من مصر، أما الأفكار الوهابية فقد انتشرت بواسطة السعوديين الذين كانوا يمولون ناشري الوهابية في العالم..

- التدين الشعبي: هو المعتقدات والممارسات الدينية باستقلال نسبي عن المؤسسة الرسمية, ويمكن القول أن الدين الشعبي أشبه باللهجة العامية والرسمي أشبه باللغة الفصحى، ينام هذا إلى جنب ذا، ولكن العامية أقرب إلى قلوب العامة وأكثر تعبيرا عن مكنوناتهم من اللغة الفصحى الرسمية المتعالية عليهم .. وهو شديد التنوع بحسب البيئات ونظم المجتمع والأحوال الاقتصادية وأنماط المعيشة, ويتمركز حول المزارات والتكايا والزوايا و أضرحة الأولياء والقديسين الصالحين, ومن عناصره تدرجات القداسة, والتفسيرات الرمزية, وضعف العلاقة مع علماء الدين الرسميين, والتمسك بتقاليد مشتركة بين مختلف الطوائف مستمدة من عهود قديمة قد تعود في بعضها إلى ما قبل نشوء الديانات التوحيدية. ومن عناصره أيضا التشديد على شخصنة القوى المقدسة والوسطاء بين المؤمن والله, وعلى أهمية التجربة الروحية الذاتية والورع الداخلي, والإيمان بالعجائب الخارقة وبالبركة, والتأويل. ويتمركز التعبد حول شخص الولي والقديس أكثر منه على النصوص والتعاليم المجرّدة، حيث تسود الأمية الدينية وإيمان الفطرة والموروث الروحي عبر شيفرة روحية موغلة في القدم، و يشوب تدينهم بقايا عبادات الأسلاف منذ أن عاش أجداد السوريين القدماء على ضفاف الأنهار قبل الآف السنين، إذ مازلنا نشهد أقبال الكثير من السوريين على زيارة الأضرحة والمقامات وتقديم الأضاحي والنذور وتقديس الأولياء وأصحاب الكرامات، والأبراج، وتفسير المنامات، وكتابة الأحراز والحجب لفك الحسد ومنع تسلط الجن، والقضاء والقدر والكثير من الأساطير الدينية التي تمت إعادة صياغتها مرات كثيرة منذ عصر الديانات الرعوية والزراعية إلى يومنا هذا، ولو أخذنا مقامات سيدنا الخضر في سورية مثالاً سنرى أن تقديسه مشترك بين أتباع المذاهب والأديان، مع أن أسطورته تعود إلى ما قبل الديانات الإبراهيمية، حيث مازال الناس يزورون مقاماته إلى اليوم لتلقي العلاج الروحي والجسدي وحل مشاكلهم الدنيوية. وبالإضافة إلى مقامات الخضرالذي هو مارجرجس عند المسيحيين والبعل إله الزراعة والخصب عند قدماء السوريين، توجد مئات من قبور وأضرحة ومقامات ومزارات الأنبياء والصحابة وآل البيت والقديسين التي يتبرك بها عامة السوريين من كل المذاهب والأديان ..ومن هذا المنطلق كانت دعوتي وعملي لإدراج تاريخ الأديان في المناهج المدرسية بالتعاون مع وزارة التربية السورية، كي يتبين الجيل الجديد مشتركات الإيمان الشعبي والحكايات الدينية بطبعاتها المختلفة والمؤتلفة بين كل المجموعات الدينية ، والتي تساهم جزئيا في تماسك النسيج الإجتماعي، في الوقت الذي لعب فيه بعض فقهاء المذاهب دوراً سلبياً  فساهموا في تعميق انقسام المجتمع السوري واستثمار عصبيات طوائفهم لصالح قوى السلطة أوالمعارضة، إلى أن اندلع الصراع المقدس بين حمير الوحش المخططة بالأبيض و حمير الوحش المخططة بالأسود، على سبيل المثال لا الواقع.

إذاً يمكننا القول إن التدين الشعبي هو محصلة لتكيف تاريخي متبادل بين الرسالة الدينية وما تحويه من عقائد وعبادات وطقوس وخرافات من جهة، و الهياكل والأبنية الاقتصادية الاجتماعية والثقافية للمجتمع من جهة أخرى. وهي في أغلبها ليست من الدين الرسمي أوالمعارض، وإنما تدين يصدر عن الظروف الحياتية التي تمر بها المجتمعات والأفراد، ويلزمنا إنجاز دراسات سوسيولوجية وأركيلوجية ميدانية لتأكيد ما نذهب إليه، وهو أن الناس خلال سياقات تاريخية تراكمية يؤسسون  أديانهم الشعبية التي تناسب أسلوب حياتهم ،حيث تختلف قليلاً أو كثيرا، بحسب الأقاليم التي يعيشون فيها، إلى درجة القول أنها بمثابة طبعات إقليمية للإسلام الشامي المعتدل،  وهي تؤثر في الناس وتسيّر حياتهم جنباً إلى جنب مع الإسلام الرسمي المؤسس. إنه تدين مرتبط بالحياة أكثر منه بالنصوص، بمعنى أن التدين الشعبي تدين غير نصي باعتبار أن الإيمان حالة روحية أكثر من كونه منطقا عقليا .ومن هذا المنطلق نشرت في السنة الأولى والثانية من الحرب على سورية ثماني حلقات عن الإسلام الشامي في مواجهة الوهابية السعودية، حيث أن الإسلام الشامي، إسلام أشعري صوفي معتدل بتأثير الجغرافية والثقافات التي مرت على بلاد الشام عبر تاريخها القديم، وهو سليل الطرق الصوفية الناظمة للتدين الإسلامي الشعبي. وهي تاريخيا متمردة على السلطات الدينية الرسمية ولكنها لا تطرح مشروعا سياسا مناوئا لها، إذ أن إيمانها يعمل كآلية للمصالحة مع الواقع القائم حيث الأمن والسلام هو جل ما تطلبه الطبقات الشعبية التي هاجر الملايين منها خارج سورية خلال الحرب لأنهم لم يرغبوا أن يكونوا مع المعارضة ولا السلطة ..

ولاننس العامل الإقتصادي في التدين الشعبي، حيث كانت غالبية الطبقات الشعبية السورية في الريف والبادية وأحياء المدن الهامشية فوق خط الفقر أو بمحاذاته، وكانت الدولة، التي أممت كل شيء، تدعم المواد الاستهلاكية الأساسية كالخبز والمحروقات والرز والسكر والشاي، والخدمات الصحية المجانية، والتعليم المجاني من الابتدائي حتى الجامعة ، ولكنها لم تواكب هذا التعليم بترقية الثقافة الشعبية فاكتفت بعمل موظفيها الدينيين يكررون عظاتهم قبل صلاة الجمعة عن أبي محجن وأبي الدرداء وقراءة نصوص مقدسة لايعرفون معنى أغلبها بسبب اندثار مفرداتها من التداول اليومي للناس، كما لم يهتم موظفوا وزارة الأوقاف بتحسين صورة الدولة أو نشر ثقافة المواطنة بين عامة الناس بقدر ما كانوا مهتمين بإرضاء القيادات الحزبية والفروع الأمنية التي تشرف على نشاطهم، كما أن الكثير منهم كانوا يكرهون مؤسستهم فتمردوا عليها عند أول دعوة لهم من قبل المعارضة الدينية التي عملت على استقطاب المتشددين من العامة وتنظيمهم وتدريبهم على القتل والتخريب، غير أنها لم تستطع استقطاب عدد كبير، كونها تحتقر التدين الشعبي وبدعه ومزاراته ومقاماته وطرقه الصوفية وموالده وحتى قبوره الظاهرة فوق الأرض، إذ عملت على تحطيمها وهدمها كما شهدنا في فصول حربنا الدامية، الأمر الذي دفع أعداداً كبيرة من الناس للهجرة إلى كنف المناطق المؤيدة للسلطة، حيث استقبلت مدن الساحل أعداداً هائلة من سكان الداخل كما استقبلت مدينة السويداء جزءا منهم، فأقاموا فيها واندمجوا مع سكانها دونما أية حساسيات أو خلافات ثقافية مع سكانها من العلويين والإسماعيليين والدروز الذين يتبعون بدورهم طرقا صوفية إسلامية تمردت على السلطات الدينية الرسمية زمن المماليك والعثمانيين ، مما يؤكد على مشتركات الدين الشعبي بين المجتمعات السورية على مختلف مشاربها، بما فيها المذاهب المسيحية، حيث تأثر التصوف الإسلامي بالغنوصية المسيحية التي نهلت بدورها من القابالا اليهودية التي أخذت بدورها عن التقاليد الفلسفية الدينية الهرمسية التي كانت منتشرة في سورية في العصر الهلنستي .. وهذه الثقافات المتراكمة تشكل بمجملها الشيفرة الروحية الغنية للإنسان السوري.

وبالعودة إلى الطرق الصوفية الأكثر تأثيرا في الدين الشعبي السوري، يمكن الإشارة إلى الطريقة النقشبندية ثم الشاذلية ثم الرفاعية فالقادرية.. حيث لا تزال النقشبندية من أهم الطرق الصوفية، ولديها فروع عديدة من أهمها فرع الشيخ كفتارو في دمشق، و لديه امتداداته في المحافظات الأخرى، وهناك النقشبندية الخزنوية في الحسكة ولها امتدادات في بقية المحافظات وخارج سوريا. أما الشاذلية فهي موجودة في دمشق وحلب، والطرق الرفاعية والقادرية التي يدعي شيوخها إتيان الخوارق والكرامات لها شعبية كبيرة في مدن الداخل السوري .. وهناك الطريقة الصوفية النسائية المعروفة باسم "القبيسيات" نسبة إلى منيرة القبيسي، وهي فرع من الطريقة النقشبندية، موجودة في مختلف المحافظات. و هذه الطريقة أكثر ما تكون مريداتها من غير المتزوجات، وقد انتشرت بداية في الأوساط المتميزة اجتماعيا واقتصاديا، لكن مؤخرا أصبحت تنتشر لدى الفئات الأخرى، وقد عملت السلطات على استقطابها منذ عقد من الزمان، واليوم بات اسمهن حسب تسمية الشيخ محمد عبد الستار السيد وزير الأوقاف "الداعيات إلى كتاب الله" وعددهن 75 ألف امرأة كما صرح أمامنا العام الماضي تحت قبة مجلس الشعب. 

يتوزع النشاط الصوفي الظاهر في سوريا حاليا بين الموالد والأذكار والمولوية وممارسة الخوارق، فبعض الطرق الرفاعية والقادرية تمارس ضرب الشيش واللعب بالنار والأفاعي وضرب الجسد بالأدوات الحادة دون أن يصاب المريد بأذى، غير أن معظم الطرق الصوفية الأخرى ترفض هذه الممارسات، ويقتصر نشاطها على مجالس الذكر والإعتكاف في المساجد.
أهم ما يميز التصوف المعاصر هو التفاف المريدين حول شيخ صوفي سواء أكان على هدى أم ضلالة، فهو باعتقادهم المرشد الديني والروحي والمخلص والوارث المحمدي. فتصوف الطرق شعبي، وعندما يصبح التصوف شعبيا، يصبح الشيخ هو الوسيط بين العبد والرب، وهذا مادعا بعض أعضاء قيادة البعث قبل الحرب بعدة سنوات للتوصية بإطلاق حرية بعض شيوخ هذه الطرق في إقامة شعائرهم والتقرب إليهم كونهم لايمثلون خطرا على السلطة..

وتشهد الطرق الصوفية في سوريا انقسامات مستمرة كلما توفر لها شخصية كاريزمية جديدة تتمرد على الأصل لتؤسس فروعا جديدة لها، ويعود ذلك في شق كبير منه إلى النزاعات التي تنشأ على "الخلافة" بعد موت شيخ الطريقة، وهذا ما حدث مثلا في الطريقة الخزنوية النقشبندية  التي تنازع فيها العم والابن على خلافة الشيخ المتوفى، وكان من نتيجة ذلك ولادة فرعين جديدين للطريقة كل منهما تعرف باسم شيخها الجديد.

أخيرا نذكر أنه لا يوجد أية درإسات حول التدين الشعبي في سورية، كما أن الدراسات التي اطلعنا عليها واستعنا بها حول التدين الشعبي في مصر والمغرب شحيحة، وبالتالي لا نستطيع التوسع في مثل هذا النوع من القراءات ومن ثم الاستنتاجات والتوصيات من دون تمويل دراسات ميدانية تعمل على تبيان المشتركات الثقافية والدينية والاجتماعية التي أبقت على تماسك النسيج الاجتماعي السوري.


نبيل صالح