السلفيون في مصر.. هل يرثون عرش «الإخوان»؟

03-10-2015

السلفيون في مصر.. هل يرثون عرش «الإخوان»؟

لعقود طويلة، لعب تيار الإسلام السياسي بقيادة «الإخوان المسلمين» دور المعارضة السياسية الرئيسية في مصر، اقله خلال عهد الرئيس المخلوع حسني مبارك.
وبرغم أن جماعة «الإخوان المسلمين» لم تشكل تهديداً مباشراً لنظام حسني مبارك طوال سنوات حكمه الثلاثين، وصولاً الى «ثورة 25 يناير»، إلا أنها كانت المنافس الأول في الانتخابات البرلمانية، على سبيل المثال، واعتبرت المعارضة الأكثر تأثيراً، وإن لم تكن الأكثر جذرية، بالنسبة الى آخرين.مصريون يصلون في جامع الازهر في القاهرة امس (ا ف ب)
وبرغم الصورة التي قدمت عنها قبل «ثورة 25 يناير»، لم تحقق جماعة «الإخوان المسلمين وحلفاؤها في الحكم ما حققته في مقاعد المعارضة، فقد بدت علاقتها بالسلطة مرتبكة، وفشلت في إقناع الرأي العام بتحقيق أي من طموحات المجتمع بعد الثورة، وهو ما كان العامل الرئيس في الوصول الى «ثورة 30 يونيو».
ولم تقتصر نتيجة ممارسات «الاخوان» على خسارتهم للحكم بعد «ثورة 30 يونيو» فحسب، اذ خسروا وضعهم كقوة معارضة رئيسية وفاعلة للنظام الحاكم.
ولا بد من التذكير هنا، ان تيار الإسلام السياسي لم يشكل، خلال عهد مبارك، معارضة سياسية فحسب، بل لعب دوراً مركزياً وواضحاً في العمل الاجتماعي والخيري، فالخدمات الصحية والتعليمية وإعالة الأيتام والأرامل ومساعدة المحتاجين، والترويج للثقافة الدينية المحافظة على مستوى السلوك اليومي والزي، مثلت دعائم قوية لوجود تيار الإسلام السياسي في المجتمع وخلقت قواعد واسعة له.
وبرغم الضربة القوية التي تعرض لها «الاخوان المسلمون» في اعقاب خروجهم من الحكم، فمن غير المتوقع أن يكون التراجع الشديد الذي تمر به الجماعة المحظورة اليوم نهاية لدور تيار الإسلام السياسي في الحياة الاجتماعية، وان كان هذا الدور المحتمل قد انتقل من «الاخوان» الى السلفيين.
ولا بد من الاشارة، في هذا الاطار، الى ان الفريق اول (ولاحقاً المشير ومن ثم الرئيس) عبد الفتاح السيسي قد احتاج، خلال إلقائه بيان الثالث من تموز 2013 الذي أطاح به بمرسي، أن يظهر خلفه في المشهد الأمين العام لـ «حزب النور» السلفي جلال المرة، في ما بدا محاولة لامتصاص غضب قطاع من الإسلاميين، وإشارة إلى القبول بتيار الإسلام السياسي في الحياة السياسية المصرية، وحصر الخصومة مع جماعة «الإخوان» وحلفائها، وهو ما اعتُبر يومها اشارة اولى الى التيار السلفي الدعوي ليشغل المساحة التي تركها «الإخوان المسلمون» في الشارع المصري.
يبدو الطريق مفتوحا أمام التيار السلفي ليشغل المساحة التي تركتها جماعة «الإخوان المسلمين»، فالخطاب الديني الذي استخدمه «الإخوان» في الانتشار داخل المجتمع المحافظ، لا يختلف في عمومه عن الخطاب السلفي، والخدمات التي فتح «الإخوان» الطريق بها في الشارع يمتلك أدواتها التيار السلفي. كما أن وضع الأحزاب والقوى السياسية المتواضع يزيل أي منافسة ممكنة من أمام التيار السلفي.
ومع ذلك، لا يبدو الأمر سهلا للغاية، فتجربة جماعة «الاخوان المسلمين» في السلطة تركت أثراً سلبياً على تيار الإسلام السياسي ككل. وهذا الاثر ستحتاج إزالته وقتاً وجهداً، خصوصاً مع وجود دعاية دائمة ضد الإسلام السياسي.
كذلك لعب التنظيم المحكم الذي امتلكه وأداره «الإخوان» دورا استثنائيا في تطوير وجود الجماعة ودورها، وهو ما لا يبدو متوافراً حتى الآن لدى التيار السلفي.
علاوة على ذلك، فإن تحالف «حزب النور» السلفي مع السلطة الجديدة عقب الثالث من تموز العام 2013، ضد الفصيل الأكبر من الإسلام السياسي، خلق مسافة بينه وبين القطاع المتعاطف مع «الإخوان المسلمين» من الإسلاميين، وبالتالي لا يبدو الطريق مفتوحا وسهلا أمام التيار السلفي ليحظى بنفوذ جماعة «الاخوان».
وفي هذا الاطار، يقول نائب رئيس «حزب النور» بسام الزرقا، انه «ينبغي ان نفهم أن جمهور السلفيين يختلف كلّياً عن جمهور الإخوان المسلمين. ولذلك فإنّ المساحة التي شغلها الإخوان لن يشغلها سوى فكرهم».
ويضيف الزرقا «الإخوان تنظيم محكم ولديه مستويات قيادية متحكمة في مفاصل الجماعة، فهناك مكتب الإرشاد، والقيادات الوسيطة، والقاعدة الجماهيرية، وهناك آليات تنظيمية صارمة، في حين ان التيار السلفي هو تيار عام لا تحكمه تلك الآليات، ومساحته تختلف عن مساحة الإخوان».
ويرى الزرقا أن جماعة «الاخوان المسلمين» تمر بوضع يشبه وضعها قبل منتصف القرن العشرين، بعد اغتيال القاضي احمد الخازندار (آذار العام 1948) ورئيس الوزراء محمود فهمي النقراشي باشا (كانون الاول).
ويرى الزرقا انه «إذا أعيد بناء قيادة معتدلة وعاقلة للاخوان، سيكون ممكناً للجماعة ان تستعيد وجودها»، لافتاً الى ان «مستوى الكوادر الوسيطة هو القادر على القيام بتلك الخطوة وإعادة بناء الجماعة على أسس مختلفة... وفي كل الأحوال، فإنّ جمهور الجماعة لن يذهب الى السلفيين حتى وإن غاب الاخوان عن الساحة».
تجربة «الإخوان» قد تمثل أيضاً إنذاراً للتيار السلفي، فتمدد «الإخوان» لدرجة أصبحوا معها بديلاً محتملاً وممكناً للدولة المصرية، جعلهم هدفا لهذه الدولة، وعرّضهم لهجوم يفوق طاقتهم، لذا فقد يكون التواضع في الأهداف مطلوبا في المرحلة المقبلة بالنسبة الى السلفيين.
وفي هذا الاطار، يقول الباحث في شؤون الجماعات الإسلامية ناجح إبراهيم، ان «التيار السلفي عاقل وحكيم ومتواضع مع نفسه والآخرين، ولا أعتقد أنه يطمح إلا لحصة تتناسب مع وضعه وحجمه، سواء في الانتخابات البرلمانية أو في الحياة السياسية ككل».
ويضيف إبراهيم «ثمة تحريض بالفعل ضد التيار السلفي، وهناك رغبة واضحة في إزاحة التيار الإسلامي، وكل من ينتمي إليه، وبالرغم من أن كل الأحزاب على الساحة السياسية حالياً هي احزاب ورقية وليس لديها جمهور حقيقي، فإنّ حزب النور السلفي مثلا هو الذي يتمتع بجمهور يمكن حشده، ومع ذلك فإنّ ثمة رغبة في إقصاء السلفيين».
ويرى إبراهيم أنه إذا تم إقصاء السلفيين فإن الساحة السياسية ستكون فارغة تماماً، وستصبح مجرد مظهر بلا جوهر.
ويضيف «الكل يريد أن يستريح من الإسلاميين لكي لا يبذل جهداً في المنافسة السياسية الحقيقية. ولكن نتيجة هذا الإقصاء ستكون سيئة، فالساحة التي لا تملأ بالسياسة ستملأ بالعنف والتكفير. وإذا كان مسموحا لكل التيارات بالوجود، فلماذا لا ينطبق ذلك على الإسلاميين وفق القواعد المتبعة».
مجموعة من العوامل تتوافر للتيار السلفي لكي يتمدد في المساحات التي خلت بتراجع جماعة «الإخوان المسلمين» وحلفائها، حتى أن الفرصة تبدو سانحة أمام حزبهم ليصبح المعارضة الرئيسية في البلاد. ولكن من ناحية أخرى، تتجمع عوامل تمنع استفادة السلفيين من المساحات التي خلت. بعضها عوامل تتعلق بالوضع التنظيمي للسلفيين انفسهم، وبعضها تتعلق بعوامل خارج التيار السلفي... ولكن العامل الأكثر أهمية هو تجربة «الإخوان» نفسها والتي جعلت مهمة التيار الإسلامي أصعب من ذي قبل.

مصطفى بسيوني

المصدر: السفير

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...