شبيبة الثورة الطرطوسية: من المدارس الى التعتيل وتعقيب المعاملات

10-10-2006

شبيبة الثورة الطرطوسية: من المدارس الى التعتيل وتعقيب المعاملات

الجمل ـ حسان عمر القالش : عندما عاد أمجد الى الوطن من غربة الخليج ليسجل في الأول الاعدادي, وقع في احساس مرير بالدونيّة!..يقول :كان عندي اندفاع الى التكثيف من مشاهدة تلفزيوننا الوطني من أجل التعرف أكثر على الحياة في البلاد حيث سيكون العيش ومهد الشباب, وكان البرنامج الخاص بشبيبة الثورة والذي أتعثر بتذكر اسمه بمثابة "دليل النجاح" في الحياة الطالبيّة المدرسية, والعمليّة فيما بعد.
هنا تأتي الدونيّة لتخيم على سذاجة وسطحية جيل اكتوت عيناه ببريق خادع لصورة "الجيل العتيد" الجيل الذي سيصيره أمجد , فبرنامج الشبيبة مثلا كان – ومازال – يدهن السما بويا, ويبلّط البحر من كثرة حديثه عن هذا التيار الشبيبي الذي يفوق في تنظيمه و صياغة نشاطاته وجمله الثورية أعتى التنظيمات الكشفية ونوادي الطلبة الانكليزية. فيه يختصر طلبة الوطن جميعا  بتفوق صفوة صفوتهم الطالعين في هذا البرنامج خاصتهم, والذين ستستأثر بهم منظمة الشبيبة على غرار المثل الشعبي "لبقتلّي ولبقتلّك"..ربما يكون هذا البرنامج مهملا كأقرانه من برامج النقابات, لكنه في حالة أمجد وكثيرين غيره ظنوا بأنه مرآة تعكس حال أقرانهم الذين يعيشون داخل الوطن, فحرصوا على متتابعته.
برنامج حماسي,ترويجي, سياحة شبابية بقالب أيديولوجي, فيه كلام الانشاء, وصور مدروسة متقنة الابهار, تفوّق تخال أنه عدوى تصيب جميع الشباب..ولسان حال أمجد يقول: ماذا أفعل بين هؤلاء؟ أين مكاني بينهم وأنا أدناهم؟
عند الولوج في ذاك العالم وادراك حقيقة شبابيّته يتعلم الفتى أو الفتاة درس الوطن والحياة الأول في "الواقعية" 
في طرطوس , بعدد ساكنيها القليل مقارنة بباقي المحافظات, وبارتفاع أعداد المتعلمين فيها ليبلغ الرقم الأعلى بين نفس تلك المحافظات الباقية, يلحظ المرء بأن "العدّة" النفسية والأكاديمية التي تسلّح بها منظمة الشبيبة منتسبيها تنتهي صلاحيتها في السنة الأخيرة من الثانوية, عام الرعب وارتفاع ضغط الأسر السورية  من البكالوريا.
فالدسم والمحرز من تلك العدّة هو اغراؤها الصامد عبر الزمن بمنح درجات – علامات – زيادة وعلى البيعة للطلاب الأكثر امتثالا لتنظيمهم الشبيبي. وأدلجتهم. لكن هذه العلامات,وبرغم ندرة الحصول عليها صارت عصيّة وصعبة على الطلبة صعوبة تحصيل المجموع العام المطلوب لدخول جامعات بلدهم.
فـ"هالة" الأم لأربعة أولاد, تحدثت عن استفادتها من معسكر "القفز المظلّي" و"على حظها" أنه كان الأخير وبعدها لم يجري اعادته من جديد, قالت:"لكن في النهاية ومع أنهم أعطوني علامات زيادة أستطيع الدخول بواسطتها على أي كلية أو اختصاص أريد..لكني تسجلت في كلية الآداب ودرست اللغة العربية..لم أكن أريد لا طب ولا هندسة". الا أن الظروف تغيرت كما أسلفنا بعد زمن و من جيل لآخر, فطارق الذي "انعمت عيونه من القراية – الدراسة –" كما يقول اضطر الى اعادة الباكالوريا لأنه احتاج علامة واحدة للتسجيل في كلية الطب في جامعة تشرين في اللاذقية, ويزيد:" مع أنني التحقت بمعسكر "الصاعقة" الشبيبي وشفت نجوم الظهر الا أني في النهاية لم أستفد منه الا التعتير والتعفير لمدة شهر". أما عمار فحاول أن ينهي النقاش بعصبيّة تنم عن مرارة دفينة :"برنامج الشبيبة يا خيي يريدون منه توعية الطالب وتقديم خدمات لكنه فشل" واستطرد: "أما عن كوننا "رفاق" شبيبيين فقد ذقنا من ذلك المر والمهانة من الأمر والنهر والشخطت والخبط والشتائم لاسيما في المعسكر ونحن على أبواب دخول الجامعة!!".

نتاج هذه المنظمة والعقلية والمنهج اللذان تتبع يظهر في نماذج عريضة من الأجيال التي تخرّجت من تحت دلفها الى مزراب الحياة العملية, فهاهم طلبة المحافظة وجامعييها بأعدادهم الخطيرة ترفع المستوى الأكاديمي إلى درجة "التعتيل" ..عذرا "التحميل", تحميل البضائع في المرفأ,حالهم حال علي الذي بات على أبواب التخرج والتحضير لمشروع تخرجه فهو يعمل في المرفأ صيفا أو كلما كانت هناك باخرة "حرزانة" حيث يتصل به أصدقاؤه – الجامعيين أيضا – ليستعد للسهر ليلتين أو ثلاث في المرفأ حتى ينتهوا من افراغ الباخرة. وتراهم فاعلين في تنشيط الدورة الثقافية للحركة المرورية مابين أحياء طرطوس وشوارعها ومابين قراها وضياعها.. كـ"محمد" الذي احتار وعجز عن ايجاد مشروع صغير يوظف به الفرنكات القليلة التي حصل عليها من "قرض الترميم" الذي سحبه على منزل أهله, فاشترى سيارة وهاهو يعمل عليها سائق تاكسي..
فالمجال هنا في مدينة هي أشبه بضيعة كبيرة منها بمدينة هو شبه معدوم لناحية توافر خيارات عمل لائقة للشباب المتعلم, وأدى واقع المحافظة والبلاد معها الى فرز الشباب القليل الحيلة والمال والدعم , اما الى العمل في المرفأ في التحميل أو مراقبة الحمّالين أو صبيان في مكاتب التخليص الجمركي  يعقبون المعاملات وتلهثون وراء التواقيع اللامنتهية ، لتوفير أجور "التاكسي" التي تأتي بعرق الأقدام ودواليها..وأما من توفّر له بعض المال من قرض أو رهن من هنا أو استدانة من هناك وخذلته الحيلة, فليس له سواء شراء سيارة بالأقساط يدهنها بالأصفر ويعمل "شوفير" تاكسي..
والقلّة القليلة الباقية من الشباب المتعلم - وهي كثيرة هنا عندنا – الذي يتخرج من الجامعة وتنعم عليه السماء بعمل حكومي, فهو ودون أن يدري  سيجد نفسه يتمرّس على الروتين والبيروقراطية ويتفقّه بها الى ان يصبح الموظف المثالي أو "الكاراكتر" الذي تتحفنا درامانا التلفزيونية بالحيث عنه, تتعلق عيناه وآماله الوظيفية البحتة على أحد النافذين أو "واسطته" ويعقد التحالفات مع زملائه التي تلم المنافع وتجمعها فيما بينها وتستر عيوب فسادها الاداري.
وهل لنا أن نتساءل هنا: بعد أن احتفلت منظمة شبيبة الثورة بعيدها الـ38, هل احتفل معها الشباب الذين كانوا منضوين تحت لوائها, وشباب طرطوس منهم  بصورة خاصة؟

 

الجمل

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...