حجاب فتيات من القاهرة: تبدلات فوضوية على هامش المتغيّر

20-09-2014

حجاب فتيات من القاهرة: تبدلات فوضوية على هامش المتغيّر

صاحب التغيير السياسي الناتج من فشل التيار القومي والاشتراكي في نهاية الستينيات من القرن الماضي تبدلات اجتماعية في بنية المجتمع ومظهره، خصوصاً مع صعود نجم التيارات الإسلامية التي اتخذت من المظهر الخارجي أمراً محورياً ركزت في جزء كبير من دعوتها عليه، وانتشرت بسببه ظاهرة ارتداء الحجاب للنساء، وإعفاء اللحى للرجال، بشكل قد لا يخالف التقليد المتوارث في هذا الصدد، لكنه يصنع قطيعة مع السائد.

اليوم، مع التغييرات السياسية التي عرفتها مصر عقب "ثورة 25 يناير 2011"، شهدت بنى مجتمعية ارتدادات فوضوية عكسية، وانتشرت الظواهر التي تتمرد على الشكل وعلى النظام القديم، منها ظاهرة خلع الحجاب، التي انتشرت بشكل كبير بين فتيات العاصمة تحديداً.
القرار ليس سهلاً. فالفتاة التي تتخذ قراراً مغايراً في مجتمع سيطر عليه الجمود والركود لعقود طويلة، تواجه بسيل من الرفض والانتقادات والعزل الأسري أو الاجتماعي الذي يصل إلى حد الإيذاء الجسدي في بعض الأحيان.
حكايات فتيات
بدلت "الثورة" كثيراً من أفكار سارة (اسم مستعار) بنحو متدرج ولافت. خلعت النقاب لتشارك في "جمعة الغضب" في 28 كانون الثاني/يناير 2011 حين رفض مسؤول "الأسرة الإخوانية" التي تنتمي إليها أن تشارك في التظاهرات حتى "لا يقال عنها إنها ثورة إسلامية". وللإشارة، فإن "الأسرة" هي فرع في هيكل تنظيم "الإخوان المسلمين"، بحيث "ينقسم الأعضاء في الشعبة إلى أسر، ويختار نقيب لكل أسرة، ليعيشوا جوّاً إيمانياً وتربوياً للرقيّ بأخلاقهم ولفهم الإسلام فهماً شاملاً".
تحكي سارة قصتها التي بدأت بخلع النقاب ثم الحجاب. تقول: "أنتمي إلى عائلة سلفية، تأثرت بأفكارها كثيراً، وكنت أيضاً في مدرسة إسلامية. في الصف الثاني الإعدادي طلبت من والدي لبس النقاب. في البداية رفض لأني ما زلت صغيرة، لكني أصررت وارتديته، حتى يوم جمعة الغضب في 28 يناير 2011".
تضيف: «حين رفض مسؤولي في الأسرة الإخوانية مشاركتي في التظاهرة بسبب النقاب، قلت له سأخلعه وأشارك. لم يصدق حينها وظن أني أضغط عليه ليوافق على مشاركتي في التظاهرة، ثم صُدم بعد ذلك حين رآني دون حجاب عادي ودون نقاب وعلم بمشاركتي في التظاهرة».
لم تشعر سارة بأن التغيير السياسي الحاصل في مصر حينها له علاقة بقرارها بخلع النقاب وبعده الحجاب. لكن، في جميع الأحوال، عانت الفتاة من مشاكل عديدة بينها وبين والدها، الذي رفض قرار خلع النقاب وانقطع عن الحديث معها لما يزيد على شهر، ولا يعرف إلى الآن بقرار خلعها للحجاب، خصوصاً أنها استطاعت أن تستقل بحياتها بعيداً عن بيت أهلها، وهي اليوم تعمل لتنفق على دراستها للغة العربية، التي تدرّسها بدورها للأجانب.
ولم تسلم الفتاة من المعاناة على مستوى العمل في ما يخص خلعها للحجاب. تقول: «أغلب طلابي من الأجانب الذين يريدون دراسة اللغة العربية، يكونون من المسلمين الجدد أو مسلمين يريدون تعليم أولادهم القرآن، فكانوا يرفضون أن تدرّسهم امرأة غير محجبة، وكنت أتفهم ذلك وأقبله، وهناك أم كنت أدرّس ابنتها اشترطت عليّ أن ارتدي الحجاب خلال الدروس حتى لا تسأل الطفلة الصغيرة عن سبب خلعي للحجاب».
أما شيماء محمد التي أجبرها والدها على ارتداء الحجاب حين بدأت دراستها في الجامعة، فقررت خلعه نهائياً بعد محاولات كانت تنتهي بمشاكل عديدة معه، كانت تصل في بعض الأحيان إلى منعها من الخروج للدراسة أو العمل.
وتروي شيماء قصتها وتقول: «كنت أرتدي الحجاب فقط حين أكون مع والدي، وكثيراً ما تشاجرنا بسبب أنه رآني دونه، وكان الحجاب يعطيني مساحة في الخروج للعمل والتأخير خارج المنزل ما دمت أرتديه. أما حين كنت أخلعه، فكانت تلك المساحات تتقلص تماماً».
تواصل الفتاة العشرينية حديثها، قائلة: «تجنباً للمشاكل مع والدي، كنت أرتديه. ولأنه ليس من المنطقي أن أذهب إلى العمل يوماً بالحجاب ويوماً من دونه، لكني كنت أخلعه كلما سنحت لي الفرصة. كنت دائماً أشعر بأني أرتديه لتجنب المشاكل مع والدي وليس لله. أتذكر في مرة حضرت فرح صديقتي من دون حجاب وبفستان مفتوح، واستيقظت في اليوم التالي، فارتديت الحجاب وذهبت إلى العمل!».
تتابع السرد فتوضح: «وصلت إلى مرحلة لم أعد أطيقه، لم أكره الحجاب فقط، بل كرهت شكلي به، وكنت أتحاشى النظر إلى انعكاس صورتي على المرآة والزجاج، وتراجعت ثقتي بنفسي بشكل كبير، إلى أن قررت أن أخلعه وليحدث ما يحدث». تضيف: «لم يعرف أحد في البيت. كنت أرتدي قبعة وأخلعها فور خروجي من المنزل، حتى أبلغت أمي، التي عارضت في البداية، لكنها استسلمت لقراري، المشكلة كانت في والدي الذي تشاجر معي كثيراً، وفي مرات كان الأمر يصل إلى الإيذاء الجسدي، بالضرب حتى أعود إلى ارتداء الحجاب».
تتوالى حكايات الفتيات مع الحجاب وخلعه، فأسماء مصطفى الفتاة العشرينية التي ولدت لأسرة متوسطة على قدر من التدين، كان من ضمن طقوسها أن البنات يرتدين الحجاب حين يبدأن في البلوغ.
عن حجابها تقول أسماء: «ارتديت الحجاب لمدة 10 سنوات، لم أفكر فيه يوماً، مع الوقت بدأ مستوى إدراكي يكبر، وبدأت أفكر في الحجاب على أنه فرض مجتمعي أكثر من أنه فرض ديني. بحثت في الموضوع حتى استراح ضميري لآراء تؤيد فكرة أن الحجاب ليس أهم شيء في الدين، لكن اخترت أن أبقى محجبة احتراماً للمجتمع، حتى بدأت أرى المجتمع أكثر قسوة من أن أفعل شيء لأجله".
تواصل أسماء مخبرة: «استقظيت في يوم مقررةً أنني لن أرتدي الحجاب، تشاجرت معي أمي، وهددني أبي بالحبس في المنزل، واحتدّت المناقشة بيننا. قلت له: سأرتديه امامك وأخلعه خارج المنزل. وظل الحال هكذا لمدة شهر، أخرج من البيت بالحجاب وأخلعه خارجه، وكانوا يعلمون ذلك، بعدها قاطعني والدي لمدة ثلاثة أشهر، وأمي لمدة شهر».
لم يتوقف الأمر عند هذه الحال. فما زال الوضع متأزماً داخل منزل أسماء. الزيارات العائلية تسبب ارتباكاً شديداً، وغالباً لا تحضرها، كذلك فإنها لا تشارك في أي زيارة تقوم بها العائلة لأي من أفرادها أو أصدقائهم، لأنهم لا يعلمون بأمر خلعها للحجاب. تقول: «خلعي للحجاب كان بداية استقلالي المادي التام، فوالدي تخلى عني تماماً في ما يخص الأموال، وحين احتجت نقوداً أتدينها من الأصدقاء، وما زالت أمي تخجل مني أمام الجيران وتخبرهم أني مريضة والطبيب هو من قال لي أن أخلع الحجاب».

تأصيل "الظاهرة"
يؤصّل الباحث في شؤون الدراسات الإسلامية، محمد حسين، لبداية انتشار الحجاب في مصر مع نهاية الستينيات وبداية السبعينيات، "بعد نكسة 67 وانهيار المشروع القومي للدولة"، في مقابل صعود تيارات الإسلام السياسي، وكان من ضمن تجليات تلك في المظهر انتشار الحجاب بالنسبة إلى النساء، واللحى بالنسبة إلى الرجال، وفي مصر تقريباً كانت اللحية شبه مختفية تماماً قبل ذلك الوقت.
وعن بدء انتشار ظاهرة خلع الحجاب، قال حسين «إنها زادت مع ثورات الربيع العربي، وهي في الأصل مرتبطة بفشل التيار الإسلامي في التواصل مع جيل احتاج إلى نوع آخر من الخطاب غير خطاب تلك الجماعات الذي يعتمد على التلقين».
ويرى حسين أن انتشار ظاهرة خلع الحجاب هو نوع من "التمرد على تلك الحركات، وعلى المجتمع، وعلى سلطة الأب أو ذكور العائلة"، وهذا يفسر في نظر حسين العنف الذي تتعرض له بعض النساء حين يقررن خلع الحجاب، لأن الأب أو الزوج يعتبر ذلك سبّة في جبين الأسرة، ويشعره بالخجل من ابنته، لكن حسين يرى أيضاً أن العنف الذي يمارسه الآباء على الفتيات اللاتي قررن خلع الحجاب لا يزيدهن إلا عناداً.
ومن الناحية الفقهية، يقول حسين: «لا خلاف فقهياً على أن الحجاب فرض، والمرأة التي تقرر خلع الحجاب ترتكب معصية».
الباحث في شؤون الحركات الإسلامية، حسام تمام، يقول في مقال له بعنوان «الحشمة قبل الحجاب دائماً»، إنه طوال عقدي الستينيات والسبعينيات جرى "ما أسميه أيقنة الحجاب كشكل محدد للباس الشرعي للمرأة"، أي تحويل الحجاب إلى أيقونة ترمز إلى مجموعة من القيم والأخلاق.
ويضيف الباحث الراحل في مقاله: «لقد جرى الربط الشرطي والآلي بين ارتداء الحجاب وبين الأخلاق، بحيث صار الحجاب علامة وحيدة وحصرية على الأخلاق التي يفترض أنها تغيب بغيابه وتحضر بحضوره. فصُكَّت شعارات مثل: حجابك أخلاقك، حجابك عفتك، الحجاب فريضة كالصلاة، الحجاب قبل الحساب، وحجابك نقاؤك وعفتك، ما جعل الحجاب اللباس الطبيعي والحصري الذي يميز الأنثى المسلمة، وتم تعبئته بحمولة شرعية وأخلاقية كبيرة حُرِّم معها أي لباس آخر غير الحجاب، حتى ولو توافرت فيه الشروط التي استقر عليها النظر الفقهي التقليدي، وهي ألّا يصف ولا يشف ولا يكون زينة في ذاته يلفت إليها الأنظار».
ومع بداية عقد التسعينيات من القرن الماضي والتوسع في انتشار ارتداء الحجاب، أجرى أستاذ علم الاجتماع السياسي في "جامعة السويس"، أحمد يحيى، دراسة على طالبات بعض الجامعات المصرية تناولت أسباب ارتداء النساء للحجاب، وأوضحت نتائج الدراسة أن 40% يلبسن الحجاب التزاماً بالوازع الديني، و37% يرتدينه اتساقاً مع مظاهر المجتمع، و33% يرتدين الحجاب لأسباب اقتصادية لها علاقة بالأموال التي تحتاج المرأة إلى إنفاقها على مظهرها.

سلمى خطاب

المصدر: الأخبار

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...