المجتمع السوري ونكبات لا تذكرها نشرات الأخبار

17-06-2012

المجتمع السوري ونكبات لا تذكرها نشرات الأخبار

انكسارات في النفوس والقلوب.. هزائم وانهيارات الثوابت.. شرخ في البنية الاجتماعية والمواطَنة وخسائرٌ في العلاقات.. هذا هو التوصيف الواقعي والمؤلم اليوم للمجتمع السوري.
"هل كُنا طائفيين من قبل أم أن الأحداث فجّرت كل هذه الطائفية في أعماقنا؟" تتساءل نادية، المدرّسة الثلاثينية، وتعقب كلامها بجملة: "ما أقبحنا!".
نادية فتاةٌ سوريّة قابلناها خلال جولة في كلية الآداب بجامعة دمشق.. هذه الأنثى المقيمة ضمن خليط سوري متنوع الأعراق.. أحبّت رجلاً من دينٍ آخر ودفعت الثمن رفْضَ الأهل، فاستمرت على علاقتها به سرّاً لأنها لم تتخيل قدرتها على العيش بدونه. ولأجله ضيّعت الكثير من فرص الزواج، إذ كان صعباً عليها أن تبدأ من جديد مع شخص آخر بعدما اعتادت كل تفاصيله وحفظتْه عن ظهر قلب.
واليوم قد خسرت الفتاة سنوات عمرها وحُب حياتها نتيجة الخلاف السياسي الممتزج بالإختلاف الطائفي مع من تحبّ، ما أفرز تلك النهاية البشعة، تقول نادية: "كنت أحتمل أي شيء إلا وجع تلك النهاية السخيفة. كنت أنتظر أن ينتهي الحُب الكبير نهاية عظيمة، إلا إن عصر الثورة لم يترك لنا كبيراً".
لا كبير يمكن أن يبقى في وجدان السوريين إذاً.. بحسب أي شقاق قاتل قد يمرُّون فيه، فلا نقاط مشتركة يمكن الإنطلاق منها والإتفاق عليها، بحسب حازم -طالب حمصي- يتحدث عن اشكال عائلي يمر به بيته الذي طالما كان مضرب المثل في التناغم الطائفي المميز. والدة حازم من درعا وهي اليوم مع "الثورة"، مما أثّر على مواقف شقيقاته الثلاث فيما لم يستطع أن يؤثر ذلك على موقفه الرافض للـ "الثوار".
فوالد حازم ضابط تم اغتياله على يد مسلحين من ميليشيا الجيش الحُر، وعليه فإن الفتى لا يتحمّل رؤية والدته.. بل ويعتبرها طائفية متآمرة على دم زوجها الشهيد. ولهذا ترك منزلاً لم يعد له رجل سواه واستأجر غرفة في باب توما، تاركاً أخواته ليواجهن أقدارهن، وحيداتٍ في هذا الجو العاصف الذي تمر به البلاد دون أن يفكّر حتى في السؤال عنهن أو عن الوالدة.
ليست صلة الرحم وحدها التي هانت على السوريين.. ليس الحُب والسنوات الضائعة، بل حتى الدم وأعضاء الجسد. ففي الميدان حكاية صداقة موجعة يرويها سعيد عن صديقه حيدر المقيم في المنزل الملاصق لمنزله بحي الميدان الدمشقي.. يحكي بحنين ملاحقتهما معاً لبنات الحيّ، ومغامرتهما في المراهقة عندما تناولا الكحول لأول مرة خفية عن أبويهما وعودتهما متأخَرين فإذ بهما يقضيان الليلة في الشارع مطرودَين.
بحُزن تَكَلَم سعيد عن الإجازات التي كانت تمر عليهما كالكابوس حين يذهب صديقه إلى قريته في اللاذقية، فيقضي لياليه وحيداً ضجراً وحزيناً.
أما عندما عانى والد حيدر من العطب في كليتيه فقد شارك سعيد أفراد العائلة الهمّ وذهب معهم إلى الفحص الطبي بهدف التبرع بكليته لأبي حيدر، إذ لم يحتمل رؤية دموع صديقه وآلامه على والده. والمفارقة كانت عندما تبين أنه الوحيد الذي تطابقت أنسجته مع العم أبي حيدر فاستمر في ما هو عليه من إصرار على إنقاذ حياة العم رغم بكاء والدته وخوفها على صحته.
حيدر وسعيد تزوجا في الفترة ذاتها وأنجبا أيضاً وعندما كان لسعيد من الذرية بنات فقط رغم رغبته في ولد يحمل اسمه، فإن حيدر قال له بسرور وحرص الأخ للتخفيف عنه: "ما تخاف انتا جيب البنات ومن عندي الأصهُر".
ولكن اليوم كل شيء تغير والقطيعة بين الصديقين حلّت مكان صداقة ظنّاها متينة، فحيدر ترك حي الميدان مع عائلته بعد تهديدات طالته بكونه مؤيداً.. ولم يستطع صديقه فعل شيء لحمايته، على الرغم من أن سعيد من أنصار "الثورة" إنما ضمنياً.
وبعد عدّة محاولات من سعيد للاطمئنان على صديقه، قالها له حيدر بالفم الملآن: "لا أريد أن أعرفك بعد اليوم".. بحرقة يردد سعيد تلك الكلمات مغالباً دمعته.
هي أمثلة عن نكبة السوريين في بعضهم البعض.. نكبة لا تذكرها نشرات الأخبار المتسابقة لنقل صور الدماء، إلا إن نكبة النفوس لا يمكن أن تمر عابرة في الذاكرة دون كم هائل من الخراب في النفوس قبل العمران، ما يفسح المجال، بحسب باحث اجتماعي رفض ذكر اسمه، أن تتبادر إلى الذهن هواجس عصور دموية قد تأتي فلا يمنع حصولها نظام ديكتاتور أمسك البلاد بقبضة حديدية طوال عقود.. أوهم خلالها مواطنيه أنهم ليسوا طائفيين، وعاقب من يتحدث في الشأن الطائفي بالسجنوعقوبات أخرى.
وعليه يبقى السؤال: هل كان النظام حقاً أباً قاسياً، وهل أثبت السوريون أنهم أبناء يحتاجون الوصاية ولم يبلغوا سن الرشد بعد!.

مرح ماشي

المصدر: عربي برس

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...