القصة الكاملة لـ«تهجير» مسيحيي رفح المصرية

03-10-2012

القصة الكاملة لـ«تهجير» مسيحيي رفح المصرية

ما زالت قضية «تهجير» العائلات المسيحية في رفح تتفاعل، بين تقليل رئيس الوزراء المصري هشام قنديل من أهمية ما تعرض له أقباط المدينة من تهديدات، وبين دخول مؤسسة الرئاسة ومشايخ سيناء على خط الأزمة رفضاً لأي اعتداء يتعرض له مواطنون مصريون.
وفي موازاة التنديد بالتهديدات التي أطلقتها الجماعات التكفيرية في سيناء ضد الأقباط، فإن أجهزة الحكم المصرية، التي يديرها «الإخوان المسلمون»، بدأت تواجه انتقادات حادة من قبل منظمات المجتمع المدني، خصوصاً أن ما جرى في رفح منذ أيام يأتي في سياق أحداث مماثلة جرت في أماكن أخرى في مصر خلال الأشهر الماضية.
وكتبت صحيفة «الشروق» المستقلة أمس: «لم يجبر أحد من سكان مدينة رفح المصرية على الهجرة طوال تاريخهم، فحتى عندما وقعت المدينة تحت الاحتلال الإسرائيلي، ظل أهلها صامدين، وحتى عندما كانت المقاتلات الإسرائيلية تقصف الجانب الآخر من المدينة المقسمة بين غزة وسيناء، ليلا ونهارا، ظلوا صامدين، لم يزحزحهم عن مدينتهم سوى تهديدات الإرهابيين مؤخراً».
وأضافت «الآن جاء الوقت الذي تجد فيه الأسر المسيحية في المدينة ذاتها مجبرة على الهجرة، هربا من تهديدات بالقتل طالتها من جانب الجماعات التكفيرية، التي تسيطر على بوابة البلاد الشرقية المتروكة مفتوحة على مصراعيها».
ويسرد المدرس الشاب وجدي جمال عياد للصحيفة قصة التهجير التي بدأت بالعثور على ورقتين، إحداهما أمام محل الأدوات الكهربائية المملوك لوالده، والأخرى أمام محل البقال ممدوح نصيف، وحملت الورقتان ذات المضمون: «أيها النصارى ارحلوا من البلد خلال 48 ساعة، وإذا لم ترحلوا فلا تلوموا إلا أنفسكم».
ويضيف عياد «فور العثور على الورقتين، أخطرنا مكتب المخابرات، الذي رد على مخاوفنا قائلا: توكلوا على الله، الذي يهدد لا ينفذ... لكن بعد إطلاق الرصاص على محل أبو جورج، اتخذت التهديدات طابع الجدية».
ووفقا لعياد، لا توجد أي عداوات للأسر المسيحية مع أي طرف في المدينة. لكن الشاب ذهب إلى قسم الشرطة القريب من المنزل قائلا «تعرض المقاول للتهديد، فقرر أن يرحل منذ ثلاثة أشهر، وتمت سرقة حديد التسليح».
أما أمين الشرطة جورج يوسف فقال للصحيفة: «كنت في إجازة في البلد، وعندما عدت إلى رفح، فوجئت بما حدث»، مضيفاً ان «الصبية أصحاب الدراجات النارية يلاحقوننا بالمضايقات دائما، وأحيانا بالطوب، حتى عندما أكون متوجها إلى عملي في المعبر، لكننا نضطر إلى السكوت لأننا لا نمتلك بديلا، كما ان ذات المضايقات يتعرض لها جيراننا المسلمون الوافدون من المحافظات الأخرى».
ويبدو أن المسألة لا تقتصر على التهديدات الصادرة عن الجماعات التكفيرية في سيناء، بل تمتد إلى تقصير غير مبرر من قبل السلطات المصرية.
وفي هذا الإطار، انتقدت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، وهي من بين المنظمات الحقوقية المرموقة في مصر، أداء أجهزة الدولة المختلفة في التعامل مع وقائع التهجير القسري للمواطنين الأقباط في رفح.
وقال إسحق إبراهيم، مسؤول ملف حرية الدين والمعتقد في المبادرة المصرية، إن «هذا الحادث هو حلقة في سلسلة من الاعتداءات على حياة وممتلكات المواطنين المسيحيين ثم تهجيرهم قسرياً برعاية الدولة والمسؤولين بدلا من تطبيق القانون وتعويض الضحايا»، مشيراً إلى انه «لا يمكن النظر إلى هذه الحادثة بمعزل عن حوادث العامرية في أيار العام 2012، ودهشور في آب العام 2012، و حوادث عديدة أخرى تم فيها تهجير مصريين».
وأعربت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية عن دهشتها من تصريحات رئيس الوزراء هشام قنديل، التي نفى خلالها وجود عمليات تهجير قسري، مشيراً إلى أن الأقباط هم من ارتأوا الانتقال إلى منطقة أخرى، وأن لهم الحرية شأن أي مواطن مصري.
وقدمت المبادرة المصرية رواية مستندة إلى تحقيقات أجرتها في هذه الحادثة. وأوضحت أنه «في 15 أيلول، قام شخص ملثم يقود دراجة بخارية بترك منشورات مكتوبة بخط اليد لدى ثلاثة محال تجارية يملكها أقباط بمدينة رفح، وهم: جمال عياد وممدوح نصيف ومجدي مشرقي. وكان المنشور عبارة عن ورقة كراسة مكتوب عليها بخط اليد وبها أخطاء إملائية، ونصه: أيها النصارى ارحلوا من هنا، أمامكم 48 ساعة، قد أعذر من أنذر، ولا تلومن الا أنفسكم».
وتابعت المبادرة المصرية في بيان صحافي: «على إثر ذلك، قام أفراد في رفح وقادة دينيون مسيحيون في محافظة شمال سيناء بإبلاغ القيادات الأمنية العسكرية والشرطية وتم تسليم المنشورات لهم، ورفضت الأجهزة الأمنية تحرير محضر بذلك، وقللت من خطورة مضمون التحذيرات المكتوبة في المنشورات».
وتابع البيان أانه «:في مساء الثلاثاء 25 أيلول، أطلق ملثمان يقودان دراجة نارية أعيرة نارية على محل تجاري يملكه ممدوح نصيف، ما أدى إلى تهشم الواجهة الأمامية للمحل وإتلاف محتوياته، بينما لم يصب صاحب المحل حيث هرب واختبأ في مقهى مجاور. وفي اليوم التالي، توجه وفد من الأهالي المسيحيين إلى مكتب محافظ شمال سيناء، والتقوا سكرتير عام المحافظة الذي طالبهم بمغادرة رفح قائلا إن كل ما يستطيع عمله هو إصدار قرارات ندب للموظفين الأقباط للعمل في العريش بدلا من رفح».
وأشار البيان إلى أنه «عندما اشتكى الأهالي من عدم وجود سكن لهم وأن نفقات المعيشة في العريش أغلى من رفح أجابهم (السكرتير العام للمحافظة): شوفوا الكنيسة يمكن تساعدكم. كما طلب من أهالي رفح البقاء بمنازلهم وعدم الخروج منها أو الذهاب للعمل لحـين إنهـاء إجراءات الندب».
وبحسب المبادرة المصرية فإنه «بدءً من 29 كانون الثاني العام 2011، ولعدة أيام متتالية، تعرضت كنيسة مار جرجس والعائلة المقدسة، وهي كنيسة مرخصة افتتحت في رفح في العام 1996، لاعتداءات مسلحة، وعمليات نهب وسرقة وحرق، حيث قامت مجموعة من الملثمين يحملون أسلحة نارية آلية في الرابعة عصرا بتهديد معلّم الكنيسة بالسلاح، ثم سرقوا محتوياتها. وانضمت إليهم أثناء ذلك مجموعة كبيرة من الأشخاص يبلغ عددهم قرابة المائتين هبطوا من سيارات كانت تُقلّهم، وحطموا كشافات الإنارة وزجاج الكنيسة، ثم اقتحموا الكنيسة وهدموا الصليب الموجود أعلى القبة، وسرقوا المقاعد الخشبية والأبواب الداخلية».
وتابعت المبادرة المصرية أنه «في اليوم التالي، جاءت مجموعة أخرى من الملثّمين، وسرقوا البوابة الحديدية الرئيسية، ثم أشعلوا النيران في الكنيسة. وفي اليوم الثالث، خلعت مجموعات من الناس الرخام من الأرضيات والسلالم، وحاولت هدم القبة وتركت الكنيسة وهي هيكل خرساني».
وباستثناء نشر دبابات للجيش في محيط الكنيسة المهدمة، وذلك لأيام معدودة، أشارت «المبادرة المصرية» إلى أن «الأمن لم يلق القبض على أي متهم في الأحداث، ولم تصرف أية تعويضات من قبل الدولة للكنيسة حتى الآن».
وقد نفى مسؤولو المحافظة وقوع تهجير لأقباط رفح بحجة أن الأهالي تركوا منازلهم خوفا على حياتهم، وهو ما دفع قائم قام بابا الكنيسة القبطية الأنبا باخوميوس إلى إصدار بيان أكد فيه حدوث تهجير قسري لمسيحيين، قائلاً «تلقينا بأسف شديد تكرار حوادث تهجير الأقباط من بيوتهم ومحافظاتهم قسرا تارة، وبتهديد تارة أخرى، إذ بدأت بواقعة التهجير في منطقة العامرية ثم امتدت إلى منطقة دهشور واليوم يتم بألم شديد بث الرعب والتهديد في نفوس أبنائنا الأقباط في رفح لتهجيرهم من أماكنهم».
وطالب باخوميوس الأجهزة المسؤولة بـ«التصدي لهذه التصرفات التي تحاول إهدار سلطة الدولة وإظهارها بما لا يليق نحو عدم قدرتها على حماية أبنائها» وبضرورة توفير الأمن لكافة المواطنين.
ودخلت رئاسة الجمهورية على خط الأزمة يوم السبت الماضي، إذ قال المتحدث الرسمي باسم الرئاسة ياسر علي إن الرئيس محمد مرسي أمر بتوفير أكبر قدر من الحماية في سيناء، وطالب بعودة الأسر في أقرب وقت، مشيرا إلى أن مؤسسة الرئاسة لا تقبل بهذا الوضع لأي مواطن مصري.
وفي موازاة ذلك، اجتمع عدد من قادة الجيش الثاني الميداني بمجموعة من مشايخ شمال سيناء ومشايخ الدعوة السلفية، لبحث كيفية حماية وتأمين أقباط رفح وإعادة من تم تهجيرهم إلى العريش.
واستنكر المشايخ خلال اللقاء ما حدث في رفح بحق الأسر المسيحية، ووصفوا إطلاق النار على محل تاجر قبطي بأنه بلطجة واضحة بعيدة تماما عن التسامح الذي يعرف به الدين الإسلامي. وشددوا على أن التعايش بين المسلمين والمسيحيين في رفح قائم منذ سنوات طويلة، مؤكدين أن أقباط رفح في حمايتهم ولن يمسوا بسوء في ديارهم. كما حذروا من أن أهالي المنطقة قادرون على التصدي لأي محاولة للاعتداء على إخوانهم في الوطن.

المصدر: السفير

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...