عندما تصير مشاريع «الضرورة» بديلاً عن مشاريع «الشغف والرغبة»

29-07-2009

عندما تصير مشاريع «الضرورة» بديلاً عن مشاريع «الشغف والرغبة»

ذرّة الأوكسجين في وضع حرج دائماً. يوجد على مدارها الخارجي ستة الكترونات. ولكي تستقر تحتاج إلى إلكترونين، لذا لا تتردد في الالتحاق (المذّل) بذرتي هيدروجين أو بذرة كربون أو بغيرهما، لتؤمّن استقرارها على حساب فرادتها، وعلى أساس فقدان هويتها!
تشبه الغالبيّة العظمى من الشباب السوري ذرة الأوكسجين تلك: ما من مشروع فردي، ما من وجود مستقل، ما من هدف يحدّده الشغف أو الرغبة. للضرورة الكلمة العليا، فإذاً وداعاً للأحلام.
وإن كان الكائن هو حلمه، فإن العيش للضرورة يحوّل أولئك الشباب، الجامعي على الأخص، إلى شوارد تائهة في سوق العمل الضيّق، تصطدم رغباتهم وأهدافهم ببعضها البعض، وتزداد حرارة المزيج بفعل الشروط القاسيّة التي تحدد مصير طالب العمل، شروط تُختزل - بشكل تعسفي - بواحد لا أكثر: العلاقات العامّة.
شرط «يودي» بأصحاب شهادة الهندسة إلى العمل في شركة اتصالات خلوية، ومن يدرس الصحافة قد يعمل في شركة سياحيّة. أين الحلم، وأين المشروع الفردي؟ لا جواب! وهو أمرُ ينبغي أن يكون مفهوماً، فلا أحد ينتظر جواباً من شوارد تائهة، همّها أن تلتقط من الفضاء الصغير المتاح لها، ما يجعلها تحيا في «الضرورة»: المأكل، المشرب، الملبس.. وسهرة الـ«week end"، ليس للترويح عن النفس بالضرورة، بل للمزيد من.. العلاقات العامّة!
«فطر» مهند و«خشخشة» حسين!
يبدي مهند قلقه من الوضع الحالي. «لا نقود، لا عمل». يتحسّر على «الأيام الخوالي» التي كانت فيها «المئة ليرة (دولارين) تعمل شي». وهي بالمناسبة ليست «خوالي» تماماً، إنّها فقط السنوات الثلاث المنقضيّة لا أكثر.
رغم موهبته في الرسم لم يتح لمهند من يهتم أو يكترث أو يحتضن. الرسم هو الحلم الوردي، والمشروع الفردي، لكنّ الضرورة سيئة السمعة تأخذ مهند إلى مطارح مغايرة تماماً لحلمه ومشروعه: «أفكّر باستئجار إسطبل في ريف دمشق، وزراعة الفطر الطولاني!». إسطبل وفطر، أوكي. ولكن تلك «الطولاني» لا تعجبك كثيراً، ربما لأنّك لا تفهمها.
جاءت الفكرة من خلال برنامج «أرضنا الخضراء» الذي تعرضه القناة السوريّة الأرضيّة. تتفوّق المفاجأة بفكرة المشروع على المفاجأة بكون مهند ما زال يتابع تلك القناة وهذا النوع من البرامج. ولكن لا بدّ من السؤال، فيجيب: «ليش شو في عندي شي اعملو! وما عندي ستلايت»، ثمّ يكمل محاولاً إقناع شريكه في السكن بمشاركته في المشروع: «بس شو بدّك صدقني في ربح هادا المشروع، ما بيكلّف شي، شويّة كياس خيش، جبصين، وتبن والكثير من الرطوبة، وخود على مواسم وعلى أكل فطر».
الضحكة التي يطلقها مهند، بعد أن ينهي كلامه، تشي بسخريته هو نفسه من مشروع الفطر الطولاني. لكنّ هذه السخريّة المفترضة لا تقلل من حماسه للفكرة: «لك بدنا نعيش...!».
فضلاً عن مشاركته لمهند في السكن والبطالة، فإنّ حسين يشاركه الضحك والسخريّة الصريحة هذه المرّة، من مشروع «إسطبل الفطر الطولاني»، كما يسميه.
لكنّ حسين، والذي لديه مواهب في كل شيء تقريباً (الرسم، النحت، العزف على العود..)، يقترح حلاً آخر «للوضع»: صناعة الحلي النسائيّة، الأطواق والأساور.. أي باختصار، وكما يعبّّر هو: «كل ما يمت إلى الخشخشة الأنثويّة بصّلة!». هنا يبدأ دور مهند في السخريّة: «بدّك صبر أبو أيوب لحتى تشتغل هيك شغلة». ثمّ، وبشكل جدي: «كم طوق أو إسوارة رح نعمل في اليوم، مين بدّو يسوّق، من وين بدّك تجيب تصاميم لشغلك.. قلتلي خشخشي؟!».
لا يصمد حسين كثيراً أمام تدفق مهند بالأسئلة، يتذّرع بتجديد كأس المتّة كي يذهب إلى المطبخ، لكنّه يلتفت لمهند قائلاً: «بتضل الخشخشي أحسن من الطولاني تبعك!».
«الواضح في مخططات أبو صالح»
لأبي صالح مشاريع لا تنتهي. وقد جمعها وصنّفها في دفتر صغير أسماه «الواضح في مخططات أبو صالح ـ السِفر الأوّل» (بكسر السين). وبوجود توأم في بطن زوجته التي لم تنه بعد دراستها الجامعيّة، يستعدّ أبو صالح لكتابة السِفر الثاني من»واضحه». أمّا وصف الجزء الأوّل بأنّه «سِفر» فله ما يبرره، حيث يحتل حلم - مشروع السَفر (بفتح السين) ثلاثة أرباع السِفر الأوّل من «الواضح».
يقول أبو صالح: «هادا الدفتر عزيز على قلبي لأنّو على صفحاتو أنا داير شي أربع خمس دول، فرنسا شي تلات مرات، أميركا، بريطانيا وواصل على السعوديّة كمان، وصرت غني وتفرّغت للكتابة!». أبو صالح يتذكر بكاءه يوماً حين قرأ «عشت لأروي»، السيرة الذاتيّة لغابرييل غارثيا ماركيز، وبالضبط حين دافع ماركيز عن رغبته في أن يقضي حياته في عمل ما يحبّه: كتابة القصص.
فأبو صالح تخلّى عن كتابة القصص وأضاع، كما يقول، ما تعلّمه من أستاذه الكاتب الأرجنتيني بورخيس. يقول: «ما في وقت وما في راحة، بس الأسوأ من هيك إنّو ما عاد في حلم كبير!». يصمت قليلاً ثمّ يتابع: «ما تخيّلت مرّة إنّو يحتل التفكير بالجزئيات وقت كبير بحياتي: الأكل، الشرب، الأجار... الله يرحم أيام التفكير بالكليات: الحب، الوجود، الله...». ثمّ يقول بلهجة المتوّعد «بس ما في مشكلة لسّه الأيام جايي»، لكنّه يضيف بنبرة خافتة كمن يستدرك: «والتوأم كمان!».

محمد دحنون

المصدر: السفير

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...