حكومة صلّحها

إذا رغبت في زيارة أقدم مطعم فول، في أقدم مدينة مأهولة في العالم، فما عليك سوى الذهاب إلى حي السويقة بدمشق، حيث مطعم (الجناني)، المعروف بمطعم (صلّحها) منذ أيام العثمانيين، الذين لم يتركوا لأجدادنا شيئاً يسندون به أمعاءهم الدقيقة والغليظة، سوى صحن الفول والحمص. وقد ذهب العثمانيون وجاء الفرنسيون، ولم يتركوا بدورهم لآبائنا، ما يأكلونه سوى صحن الحمص والفول أيضاً، في مطعم الجناني؛ ثم جاء الاستقلال، واستمر مواطنونا بمصارعة الحياة من أجل الحصول على الطبقين المذكورين أعلاه، على امتداد حكوماتنا المتلاحقة، قبل وبعد الثورة المظفرة، التي أوصلت رواد مطعم صلحها (الكادحين)، إلى سدة حكوماتنا المتعاقبة، على أمل أن يرتقوا بنا إلى مستوى بروتينات اللحوم، بدلاً من بروتينات البقول. وما زال مطعم صلحها وأخوته، يستقبلون أسنان المواطنين وقواطعهم بأعداد أكبر...
وإذا فتشنا عن سبب استمرار إقبال (الكادحين) على مطعم الجناني، عبر قرن مضى، فلأن صاحبه يصلّح صحن الحمص أو الفول، عندما لا تمتلئ معدة الزبون من الصحن الأول، وبالسعر نفسه. وهذا كرم يفتقر إليه أصحاب المطاعم الحديثة، الذين يقدمون لك صحوناً لا يمكنها أن تملأ فراغات أسنانك، ومن ثم يتحفونك بفاتورة مضاعفة، بحجة إضافة ضريبة الإنفاق الاستهلاكي، التي طلعت علينا بها حكومة الزعبي الثالثة – وأقصد حكومة العطري السابقة – هذا إذا اعتبرنا أن حكومة ميرو هي حكومة الزعبي الثانية، وصولاً إلى حكومة العطري اللاحقة والذي قام بتصليح – تعديل – حكومته السابقة قبل أيام، حيث أضاف أسماء وزراء (حبابين وكربوجين)، يصلحون للعمل في سنوات الرخاء الاقتصادي والديمقراطي، أكثر ما يصلحون للقيام بأعباء حكومة طوارئ، لمواجهة الأخطار الخارجية والداخلية المحيقة ببلدنا سورية؛ إذ أن أغلبهم يفتقر عملياً إلى تاريخ سياسي عريق يسنده، أو إلى قاعدة شعبية يقف فوقها – باستثناء السيدين وليد المعلم وفيصل المقداد – لذا سيكونون عائمين في الفراغ  إلى أن يسحب بساط الوزارة من تحتهم، فيختفون عن الساحة، وكأنهم لم يكونوا ضمن تعداد المواطنين الفاعلين في بناء هذا الوطن العظيم. ويمكننا أن نحصي معكم دزينة من الأسماء، التي مرت مؤخراتها على كرسي الوزارة، دون أن تترك أثراً يذكر، خلال عقدين من الزمن؛ كما يمكننا أن نذكركم بعناوين كل حكومة سابقة، غدت هي نفسها عناوين الحكومة اللاحقة:
إصلاح إداري، اقتصادي، ضريبي، توزيع الدخل القومي، كسر الفجوة بين الأسعار والأجور، الحد من البطالة والسيطرة على التضخم والفساد.
لذلك نرى: أن هذه أيضاً ستكون عناوين الحكومة المعدلة حالياً، والتي لن تتمكن – حسب ظني – من توزيع الدخل القومي، كما تفعل سائر حكومات الدول الفاضلة، لأسباب تتعلق بتغيير الطرابيش والإبقاء على الآلية، بمعنى أن قطار الزبداني القديم، ما زال يمشي على سكته القديمة، ولا يتغير شيء سوى الركاب، طبعاً.
إذاً، ومع قراءة سريعة، لأسماء أعضاء الحكومة الجديدة، يمكننا أن نفهم أن لا تغيير في السياسة الاقتصادية، على الرغم من عدم فلاح فريقها الاقتصادي. أما في الخارجية، فيبدو أن هناك تغييراً طفيفاً في الأسلوب، وليس في المبادئ الأساسية، وقد يكون الإنجاز المهم هو إقصاء الوزير مكرم عبيد، لكي يستمتع فيما تبقى من حياته، بمدخراته الوظيفية. أما الإعلام، فإن التغيير الجديد عليه، يحيلنا إلى أيام الوزير عدنان عمران، الذي جاء من الدبلوماسية بالبراشوت، ليحطَّ أقدامه في مكان غريب عليه..
إذاً، من يضمن نجاح الحكومة الجديدة، ويقنعنا بأنها ليست حكومة تجارب وارتجالات كالتي سبقتها؟ على أي حال، نحن نظن أن التعديل الوزاري المبارك، قد جاء متأخراً سنة على الأقل، ولو جيء بهؤلاء الوزراء قبل سنة، فلربما كان شملهم التعديل – نقصد التصليح – من يدري؟

 

 

الجمل/نبيل صالح