مقهى «القصر» ذاكرة جيل ومدينة

نذير جعفر:
لا تكتسب الأمكنة العامة حضورها وقيمتها في وجدان الناس من جمال تصميمها وديكورها, إنما من الفضاء الحرّ والحميم والأليف الذي تتيحه لروادها. فكيف إذا كان هؤلاء الرواد يمثّلون مختلف شرائح المجتمع وفئاته العمرية من مثقفين, وفنانين, وكتّاب, ومحامين, وأساتذة, يتحاورون, ويبوحون بشجونهم, وأحلامهم, ورؤاهم, ومعاناتهم اليومية! ذلك كان حال مقهى «القصر» منذ مطلع السبعينيات حتى أواخر التسعينيات يوم تمت تصفيته وغُيّرت هويته, كما صُفِّي «المطعم العمّالي» بحديقته الواسعة التي حلّ مكانها أيضا سوق تجاري بطوابق عدّة! ومعهما صُفيّت سينما الكندي, ومكتبة الفجر, وكلها معالم مهمّة في حلب التي تتعرض إلى الاعتداء على ذاكرتها ومدنيتها وشواهد بيئتها وعمرانها وثقافتها تحت ذرائع تجارية شتّى أساسها الربح ثم الربح ولا شيء سواه!
مقهى القصر بموقعه الحيوي في شارع بارون الذي يتوسّط المدينة, وإطلالته على ساحة العبّارة الواسعة, وقربه من فرع اتحاد الكتّاب, وصحيفة الجماهير, والبريد المركزي في الجميلية, وتنوّع مشارب وأفكار واتجاهات رواده سواء في الأدب والفن أم في السياسة والاقتصاد, ودماثة نادليه: «بكري أبو الخير» و«نمر» اللذين يعرفان مزاج كل من يرتاده, ومذاق فنجان قهوته «الإكسبريس» وزهد ثمنه, وموسيقا وقع أقدام المحبيّن من أمامه, كل ذلك جعل منه مقهى متفردا لا يمكن لأي مقهى آخر أن يعوّضه!
ففيه كانت تعقد الجلسات الأدبيّة المسائية بأحاديثها الحميمة والعميقة التي كان يحضرها عدد من كتّاب وفناني حلب وأساتذة جامعتها المعروفين, مثل وليد إخلاصي, وفؤاد مرعي, ومحمد أبو معتوق, ونهاد سيريس, ونضال الصالح, وجمال باروت, ونيروز مالك, وفيصل خرتش, وسعد الدين كليب وعبدالرزاق الخشروم الذين كانت تجمعهم طاولة من جهة, وعصام ترشحاني, ومحمود علي السعيد, وعمر ألتنجي, وعبد الفتاح قلعجي, ويوسف طافش, ونظيم أبو حسّان, ونادر السباعي, ومحمود منقذ الهاشمي على طاولة مجاورة من جهة ثانية. إلى جانب عدد كبير من الأصدقاء الذين كنا نجالسهم ولا تحضرني أسماؤهم كلهم ومنهم رياض الصالح الحسين وبشير البكر وعزام الكسيري وصفوان صفر وناظار ناظريان ووانيس باندك وبسام حسين ومحمد فؤاد وزكريا كردي وزهير حمامي وعمر قدور ونجم سمان وخالد درويش وهشام شياح
وحمود نعساني ويوسف نعساني وفهد يكن ولؤي يكن وأحيانا سعد يكن وأنور محمد ومحمد باروت ومحمد شويحنة وعبد الجواد الصالح ومحمود البكو وآخرون. وكان يحلّ عليهم من الرقّة ضيفا بين وقت وآخر كلٌّ من عبد السلام العجيلي, ونبيل سليمان, وإبراهيم الخليل, وعبد اللطيف خطاب وسواهم. وفيه كانت تُعرض لوحات لؤي كيّالي, وشريف محرّم, وسعد يكن, الذين كانوا يترددون أيضا بين وقت وآخر على جلساته. كما تُناقش الأعمال الشعرية والقصصية والروائية الجديدة, بما في ذلك أعمال الشباب التي تنشر في الصحف والمجلاّت. وبذلك كان أشبه بمجمع ثقافي يلتقي فيه القدماء والمحدثون, والإصلاحيون والراديكاليون, والقوميون واليساريون, في ورشة نقاش صاخبة لا تتوقّف.
وأن تذكر مقهى القصر الآن, يعني أنك تبدأ رحلة مع ذاتك ومع الآخر بقدر ما تنفصل عنهما في اللحظة ذاتها! يعني أنك أسير مكان كان يمارس عليك سلطته وسحره وغوايته, مكان لم يعد له حضوره وفضاؤه الموضوعي المستقل عنك, بل الحضور الذي يستمد معناه وجماليته ودلالته بما يثيره فيك اسمه فحسب من ذكريات ومشاعر.
وأن تمرّ اليوم من أمام «القصر» يعني أن تستعد للرثاء, بعدما تحوّل إلى مصرف خاص وأحاطت بأطرافه صناديق الفاكهة والخضار الفارغة التي يكدّسها باعة الرصيف ومحتلوه, واختفى من أمامه محلّ بيع الورود والأزهار, ليحل مكانه دكان للأحذية!
ما زال الأصدقاء يذكرون أمامي عددا من المقاهي الثقافية في مدن العالم التي منع المجلس البلدي فيها تغيير هويتها كونها تمثّل معلما ثقافيا وسياحيا ووطنيا, مثل المقهى الباريسي الذي كان يجلس فيه سارتر! ومقهى «الفيشاوي» القاهري الذي كان يجلس فيه نجيب محفوظ! وهذا ما يدفعني للتساؤل: ألم يكن جديرا بمجلس مدينة حلب أن ينحو المنحى نفسه تكريما للفنان الراحل لؤي كيالي على الأقل!
لقد كانت علاقتنا بمقهى القصر علاقة دافئة, وكنّا نعيش فيه حواراتنا الصاخبة, ومودّاتنا, ومسراتنا وحتى خصوماتنا العنيفة. إنه باختصار يمثّل حيّزا من ذاكرة المثقفين وذاكرة جيلنا ومدينتنا, وما اغتياله سوى اعتداء علينا وعلى حلب معا! حلب التي نعشقها وعلينا أن نعرف كيف ندافع عنها ونحميها.