“معرض بكين الدولي للبستنة 2019”:

إعداد - يارا انبيعة

قبل أكثر من مائة عام، كان عالم النبات البريطاني، أرنست هنري ويلسون، قد امتدح الصين بأنها “أم الحدائق العالمية” نظراً لإسهامات البلاد في التنوع البيولوجي العالمي. اليوم، الحلم الأخضر يتفتح و”الصين الجميلة” تبهر العالم. فمنذ انعقاد المؤتمر الوطني الـ 18 للحزب الشيوعي الصيني، أدرجت اللجنة المركزية للحزب البناء الحضاري الأيكولوجي في الخطة العامة للتخطيط الإستراتيجي. وقد ساهمت سلسلة من الإجراءات التي اتخذتها الحكومة الصينية في استعادة البيئة الأيكولوجية لنهر اليانغتسي لتحقيق سماء أكثر صفاء ومياه أكثر نقاء وأرض أكثر إخضراراً.

تعود الصين للعالم، من خلال فعاليات مهرجان البستنة العالمي “معرض بكين الدولي للبستنة 2019” عند سفح سور الصين العظيم، نموذجاً حيوياً لتطبيق مفهوم التنمية الخضراء المتمثل في أن “جبل أخضر ومياه زرقاء يعنيان جبلاً من الذهب وآخر من الفضة”. وتظهر جميع مناظر البساتين الرائعة والمباني الذكية في مقر المعرض مفهوم التناغم بين الإنسان والطبيعة وتعكس قوة التكنولوجيا الإيكولوجية. ويمثل المعرض منصة رائعة، حيث الزهور والأشجار وفنون البستنة الرائعة من جميع دول العالم، كما يعد واحداً من الفعاليات الدبلوماسية الصينية المهمة و”بطاقة تعريف خضراء” تظهر سحر الصين الجميلة للعالم.


حوار الحضارات


يعد معرض بكين الدولي للبستنة بمثابة منصة لحوار الحضارات حيث يتبادل المشاركون من مختلف البلدان الأفكار والخبرات حول البذور والتصميم البستاني والتقنيات المبتكرة في المجال، بينما تجلب الثقافات والعادات القومية المتنوعة تجارب جديدة لزوار المعرض. وتسعى الصين من خلال هذا الحدث الدولي إلى تحقيق التعايش المتناغم بين الإنسان والطبيعة وتزيين المستقبل بالبيئة الخضراء وبذل الجهود مع العالم بأسره لحماية موطن الجمال. وكانت الصين قد تقاسمت تجارب مكافحة التصحر والسيطرة على الرمال مع العديد من دول العالم، وتعمل بنشاط على زراعة الأشجار وبناء الغابات، وقدمت مساهمات كبيرة للعالم.


ومن السكة الحديدية بين مومباسا ونيروبي التي يمكن للحيوانات البرية عبورها في كينيا، إلى محطة الطاقة الشمسية التي تزرع الأعشاب والبطيخ تحت ألواحها الضوئية في باكستان، ومن التعاون مع البلدان لمعالجة مشاكل تغير المناخ إلى تشجيع تطوير مبادرة “الحزام والطريق”، أصبحت الصين مشاركا ومساهما وقائداً في بناء الحضارة الإيكولوجية العالمية.
ويعد بناء “الصين الجميلة” وبناء “الوطن الأخضر” والعمل المشترك على خلق بيئة صالحة للعيش دعوة صادقة من معرض بكين الدولي للبستنة إلى العالم، اذ قال الأمين العام للجمعية الدولية لمنتجي البستنة، تيم بريركليف، ان المعرض “لا يوفر فرصة للزوار للتمتع بالبستنة الرائعة والحدائق الجميلة فحسب، بل يعكس أيضاً مفهوم الصين لتقاسم إنجازات التنمية مع العالم والسعي إلى الحياة الخضراء وبناء المجتمع ذي المصير المشترك للبشرية.”

تحديات بيئية


أعلن الرئيس الصيني، شي جين بينغ، عن أمله في أن ينتشر مفهوم التنمية الخضراء الذي تجسده حديقة المعرض إلى كل ركن من أركان العالم، كما ركز في خطابه الذي القاه ضمن حفل الإفتتاح على المستقبل من خلال التطور الصديق للبيئة والذي يتوافق مع قواعد الطبيعة إذ قال “تنمية الحضارة البيئية في الصين تسير على الطريق الصحيح والسليم. سيعيش الناس في بيئة أفضل مع سماء زرقاء وجبال خضراء ومياه صافية. يجب أن نحمي البيئة مثل حماية أعيننا ونقدرها بنفس الطريقة التي نقدر بها حياتنا”، وتابع “فقط من خلال الجهود المنسقة، يمكننا التعامل بفعالية مع القضايا البيئية العالمية مثل تغير المناخ والتلوث البحري وتحقيق أهداف خطة التنمية المستدامة 2030 للأمم المتحدة.”


كما رأى السفير الفلسطيني لدى بكين، فريز مهداوي، أن المعرض يمثل حدثاً مهماً لأنه يحفز على التنمية الخضراء التي باتت تمثل أحد القضايا الهامة التي تلقى اهتماماً كبيراً على صعيد البشرية عموما “لأننا نتشارك مستقبلاً واحداً”، مشيراً إلى أن دعوة الصين مجدداً إلى ضرورة التركيز على التنمية الخضراء تأتي لتعبر عن تحملها مسؤولية قيادية في هذا المجال، مشيداً في الوقت ذاته بجهودها وقراراتها الحاسمة والنتائج التي حققتها في هذا المجال على أرض الواقع.


أيضاً، عبر السفير مهداوي عن أهمية تعزيز العمل على المستوى العربي للتغلب على المشكلات البيئية التي تعاني منها المنطقة العربية ومن بينها التصحر ونقص المياه، مع الأخذ في الإعتبار ضرورة توفير مقومات حياة صحية لأبنائنا والأجيال القادمة.


من جانبه، ذكر سفير دولة الإمارات لدى الصين، الدكتور علي عبيد الظاهري، أن المعرض حدث بارز ينقل رسالة حضارية بين الشعوب ومشاركة الإمارات فيه تأتي في إطار العلاقات المتميزة بين بلاده والصين، معرباً عن سعادته كون جناح الإمارات في المعرض يبرز ويعطى فكرة عما وصلت إليه دولته في مجال التطور الزراعي. كما لفت السفير الظاهري الى أن التحديات البيئة كثيرة ولكن يمكن التعامل معها من خلال تضافر الجهود والتعاضد، مسلطاً الضوء على ضرورة التعاون بشكل خاص في تسخير التكنولوجيا لتحقيق أهداف التنمية الخضراء، ومؤكداً أن تحقيق التكامل بين الدول والشعوب في مسألة تسخير التكنولوجيا أمر إيجابي ويساعد في التغلب على التحديات البيئية.


إضافة إلى ذلك، أخذت المشاركة السورية نسبة في المعرض، حيث اعتبر مدير عام هيئة دعم وتنمية الإنتاج المحلي والصادرات، الدكتور ابراهيم ميدة، أن المعرض يشكل نافذة وفرصة مهمة لتسويق المنتجات السورية ذات القدرة التنافسية وترويجها والتعريف بها في الأسواق الصينية وبناء علاقات تجارية قوية مع رجال الأعمال والشركات الخارجية الصديقة.


كما أوضح الدكتور ميده أن 80% من مساحة الجناح السوري خصصت للمنتجات المتعلقة بالبستنة و20% لمعروضات الشركات في مجالات “صناعية وغذائية”، مبيناً أن وزارة الزراعة السورية زودت المعرض بالشتلات اللازمة وتم التركيز على الوردة الشامية والزيوت التي تشتهر بها سوريا ومنتجات القطاع الغذائي المطلوبة في الخارج.


محاربة التصحر


أولت الحكومة الصينية، خلال السنوات الأخيرة، اهتماماً كبيراً بتطبيق سلسلة من مشروعات البناء الإيكولوجي لمعالجتها، حيث خصصت لها استثمارات سنوية بلغت قيمتها مليارات الدولارات، وأظهرت بيانات رسمية صينية أن البلاد بات بوسعها تقليص مساحة الأراضي المتصحرة بأكثر من 1400 كلم مربع سنوياً، كما كان لديها أكبر عدد من طلبات حقوق اكتشاف أصناف نباتية جديدة في العالم للسنة الثانية على التوالي، ما يشير إلى جهودها وقدرتها على محاربة التصحر، فضلاً عن مساهمتها في زيادة الغطاء الأخضر عالمياً.


وفي الوقت نفسه، تعمل الصين على تشاطر التقنيات المتقدمة وتبادل الخبرات المتراكمة بشأن تحويل الصحراء القاحلة إلى بيئة خضراء مع الدول العربية، بما فيها الإمارات، من أجل إفادة بعضهما البعض. ففي العام 2018، نجح فريق بحثي صيني، بقيادة البروفيسور يي تشي جيان من جامعة تشونغتشنغ للنقل والمواصلات، في اختبار تكنولوجيات بشأن مكافحة التصحر في الإمارات، ثم وقع مذكرة تفاهم مع شركة “موارد” القابضة الإماراتية، ما فتح باب تطبيق هذه التكنولوجيا في العالم العربي.


وبحسب المذكرة، سيُجري باحثون صينيون اختبارات لتحويل الصحارى إلى تربة خصبة، وزراعة أنواع من النباتات والخضراوات والأشجار على مساحة تبلغ 10 كلم مربعة في أبو ظبي. أما في المجال الزراعي، فجرب علماء صينيون بنجاح زراعة الأرز المتحمل للملوحة والقلوية في صحراء دبي، في العام 2018، حيث وصل حجم إنتاج الأرز فيها الى أكثر من 7500 كيلوغرام للهكتار خلال هذه التجارب.


وتعد هذه التجربة الأولى من نوعها على مستوى العالم في ظل ضرورة التغلب على الظروف القاسية المتمثلة في نقصان المياه العذبة وتصحر التربة، الأمر الذي بلا ريب يسهم في رفع القدرة على ضمان الأمن الغذائي وتحسين الظروف الإيكولوجية في المناطق الصحراوية.


ختاماً، يثبت “معرض بكين الدولي للبستنة 2019” عزم الصين على مواصلة سياسة الإنفتاح في كافة المجالات، حتى الزراعية منها، اذ انه يبين للعالم جمال الإندماج خصوصاً في عالم أصبح أقل ما يقال عنه بأنه “قرية صغيرة” تتشابك فيها المصالح والمصائر. إن إقامة المعرض يمثل خطوة عملية صينية من أجل احتضان العولمة الإقتصادية، ما يعكس انفتاحها بصورة أكبر على العالم؛ فقد أظهرت الصين، من خلال نشاطات عدة، نيتها في التعاون القائم على مبدأ “الربح المتبادل” من خلال تعزيز التعامل في متخلف الميادين والمجالات مع بقية دول العالم عملاً ببيت من الشعر الصيني القديم يقول “لا يحل الربيع بتفتح زهرة واحدة، بل بإمتلاء الحديقة بالزهور المتفتحة”، وهو ما أشار إليه الرئيس شي بأن “ليس لبناء حديقة خلفية خاصة بها، بل لبناء مائة حدائق تشترك فيها جميع البلدان.”


هذا وتجب الإشارة هنا إلى أن الصين نفسها قامت على مبدأ “الإشتراكية الزراعية” منذ تأسيسها في العام 1949، على يد الزعيم ماو تسي تونغ، وكانت الزراعة من أحد الأسباب الجديدة في نهضة الصين الحديثة. وتبعا لذلك، إن تركيز الصين على عولمة الزراعة لم يأت من فراغ لكونها قد اختبرتها بنفسها.


كما يبدو اهتمام الصين بالزراعة من خلال المشاريع الضخمة التي تقيمها مع مختلف دول العالم، كدولة الإمارات على غرار ما ذكرنا أعلاه، أبرزها يقع ضمن القارة الإفريقية لكونها تضم حوالي 80% من الأراضي الزراعية الخصبة في العالم، ناهيك عن الكميات الضخمة من الأمطار الموسمية التي تسقط فيها سنوياً، وعامل الحرارة بسبب مرور خط الإستواء فيها.

 


الجمل بالتعاون مع مركز سيتا للدراسات