صدور كتاب “قراءات في القرآن” لمحمد أركون

 

صدر كتاب محمد أركون “قراءات في القرآن” هذا العام (2017)، بعد وفاته بسبع سنوات. كان يرى في هذا الكتاب وصيته الأخيرة، فاستجمع فيه ملخصات لمعظم آرائه التي صدرت منذ عقود تحت عنوان “نقد العقل الإسلامي”. استخدم المناهج الحديثة، فقرأ بموجبها النص القرآني قراءة تاريخية، وإلى إبحاره في الوحي وكيف تعاطت معه سائر الأديان التوحيدية، لإظهار أين يقع الصواب وأين الخطأ، إلى كل السجالات التي سعت إلى التمييز في كل دين بين الثابت المتصل بالعقيدة، وبين المتغير المتصل بالشريعة والخاضع للتحولات الاجتماعية ولتغيرات الزمان والمكان، كل ذلك كان عالم أركون الفكري. لعل أركون من أهم المفكرين الذين فصلوا الجوهر عن الشكليات في الدين فأظهر حقيقة الإسلام في مضمونه الإنساني والأخلاقي. يجد القاريء في كتابه هذا كل ما يرغب في فهمه فهماً علمياً وصحيحاً للنص القرآني. صدر الكتاب عن “دار الساقي” في بيروت، وبترجمة لهاشم صالح.

الجامع في كتابات أركون نقده للباحثين في الدين الإسلامي وغيره من الأديان، في عدم تجرؤهم على استخدام المناهج العلمية الحديثة، التاريخية والاجتماعية والنفسية واللسانية .. في قراءة النص الديني، مما جعلهم أسرى مناهج تمت إلى قرون سابقة، ولا تساعد في فهم النص وتأويله والاجتهاد في شأنه. في قضية مركزية، تعتبر قضية القضايا في كل دين، وهي المتصلة بالوحي، يرى أركون أن الخطابات الإنشائية تتحكم في كتابات الباحثين. هناك ثابت لدى كل دين، وخصوصا التوحيدية منها، يتمركز فيه التفكير الدوغمائي المنغلق داخل إطار الأنظمة اللاهوتية الأرثوذكسية، والتي ترى في كل دين من أديانها حامل الوحي ومحتكره والممثل لدينه في وصفه الدين الحق. فاليهود يرون أن الوحي انتهى مع موسى، وأن الله صنفهم “شعب الله المختار”. ويقول المسيحيون إن الوحي انتهى مع يسوع المسيح الذي هو الله نفسه مجسدًا في إنسان، وأن المسيحية هي الدين الحقيقي ودين الخلاص للبشرية. أما الإسلام فقد كان أصرح من سابقيه، بحيث يعتبر أن الدين عند الله الإسلام، وأن محمداً كان خاتم الأنبياء، وأن أتباعه “خير أمة أخرجت للناس”. واستنادا إلى هذا الإحتكار للسماء، بات كل دين ينظر إلى الآخر بمنطق المنحرف والمقيم في الضلال، بكل ما يعنيه ذلك من بناء أبراج من الكراهية بين الشعوب وما يتبعها من صراعات باسم الدين.

لعل أحد المشكلات الكبرى عند المسلمين، في نظر أركون، تكمن في تغييب العقل ومناهجه عن فهم الدين، في عقيدنه ونصوصه، وفي طقوسه وكيفية ممارستها وطغيانهاعلى الجوهري في الدين. إن العقل المنفتح، الرافض للتحجر والدوغمائية، وتوظيفه في قراءة النص، هو مدخل أساسي في فهم الدين. والفكر الإسلامي خسر كثيراً عندما أخرس صوت المعتزلة وكفّر أطروحتهم الخاصة بالقرآن، خصوصاً أنهم “ميزوا الجانب المتعالي غير المكشوف ولا المعروف في كلام الله عن الجانب المعروف المتجلي والمخلوق في كلام الله”.

لم ينزل القرآن دفعة واحدة على النبي، بل نزل على دفعات وجواباً عن كل قضية كانت تواجه النبي، سواء أكانت في العقيدة أم الحاجات التي تفرض على الدين إعطاء رأي في شأنها. ليس لدينا كل النصوص، فهناك مصاحف أتلفت في سياق الصراع بين القبائل على السلطة بعد وفاة النبي، وهناك نصوص ضاعت، لانعدام تسجيلها مباشرة، والاعتماد على الذاكرة. ففي زمن الوحي، كان الحفظ الشفهي عن طريق الذاكرة سائداً وليس التسجيل الكتابي للعبارات أو الآيات القرآنية. هذه من الأسباب التي توجب قراءة عقلانية للكشف عن مضمونها، ما كان ظاهراً منها وما كان باطناً. يكتسب هذا الأمر أهمية أكبر في الزمن الحاضر. فالمسلمون اليوم عاجزون عن استعادة تلك اللحظات الاستثنائية التي ترينا النبي عندما تلفّظ بالقرآن لأول مرة أمام القرشيين أو المكيين، وكيف كانت ردود فعلهم “على الساخن” إذا ما جاز التعبير.

تكتسب قراءة القرآن والغوص في معانيه أهمية كبيرة في المرحلة الحالية من تطور المجتمعات الإسلامية. من المعلوم أن المسلم يمارس الاستشهاد بالقرآن في حياته اليومية، كما يتضرع ويبتهل إلى الله يومياً، من دون أن يعني ذلك أنه “يشغل فعلاً وظيفة الذروة العليا للسيادة الإلهية المستقلة”. والأخطر في كيفية التعاطي مع القرآن ما تشهده الساحة الإسلامية من استخدامه من قبل التنظيمات المتطرفة ومن الأنظمة السياسية على السواء. خلال العقود الأخيرة، طغى خطاب إسلاموي يرمي إلى استعادة الجهاد من أجل إعادة الخلافة الإسلامية إلى الوجود، واستعاد هذا الخطاب مقولات تنظيم الإخوان المسلمين ونظريتهم في استخدام العنف من أجل تحقيق الدولة الدينية. وبات كل طرف يقرأ النص القرآني وفق مصالحه، وبما يعطي مشروعية لعملية القتل والإرهاب باسم الدين الإسلامي. يوفر النص لهذه المجموعات المادة الملتهبة التي يستندون إليها، انطلاقاً من اعتبارها أن النص المقدس صالح لكل زمان ومكان، وأن ما ورد فيه يفرض على المسلم التزامه. والنص المقدس يضم آيات القتال التي نزلت في ظروف تاريخية معينة خلال مرحلة الدعوة، وباتت متقادمة مع الزمن، ولا يمكن الاستناد إليها في تبرير ممارسة الإرهاب باسم الإسلام. يعزز من هذه النظرة موقف المؤسسات الدينية ورجالاتها الذين يرفضون دائماً استخدام المنهجية التفكيكية والتاريخية والألسنية والاجتماعية والأنتروبولوجية للعقيدة الإسلامية، التي يرونها مفروضة من الله ، مقدسة ومعصومة ويستحيل تغييرها أو تطويرها. فهي وجدت من الأزل، ومستمرة إلى الآن، وكل حرف فيها مقدس ومسلّم به تسليما.

لعلّ المفارقة اليوم لدى المسلمين، أن المنتشر والسائد في الخطاب الإسلامي هو كلمة “إسلام” وليست كلمة “الله”، على عكس ما ينص عليه القرآن، حيث وردت كلمة الله في النص 1697 مرة، فيما وردت كلمة إسلام 6 مرات فقط. لقد تضاءلت أهمية القرآن بالقياس إلى ما يمثله من مشروعية دينية، لصالح تفسير حرفي دوغمائي وتبسيطي هو الأكثر فساداً وإفساداً للعقل السليم. نزع المتطرفون عن الإسلام جوهره الصحيح والحنيف، وبات النص مدار تلاعب وتفسيرات عشوائية، يمكن تلمسها في النتاج الضخم الذي تفرزه هذه التنظيمات، التي تنال احتضان المؤسسات الإسلامية إلى حد بعيد. مما جعل العالم العربي والإسلامي يعيش تحت انقاض هائلة في الميادين الفكرية والروحية والأخلاقية والثقافية والعلمية والسياسية والاجتماعية.

لا ينكر أركون أن القرآن، بوصفه كتاب الله، عسير على الفهم، حتى على أفضل الشراح والمفسرين. فطريقة القرآن خاصة في تقديم أفكاره، واستخدامه غير المعهود للخطاب والأوامر، بل وكثرة تلميحاته الأسطورية والتاريخية والجغرافية والدينية. ولهجة التحدي العنيفة واضحة في الوحي كل الوضوح تجاه الأديان التوحيدية الأخرى، أي اليهودية والمسيحية. وهو أمر يفرض إخضاع النص القرآني إلى التفحص النقدي القادر على تبديد كل أنواع الغموض والالتباسات. يحدد أركون أهم عناصر منهجه بالقول: “بدلاً من التركيز على الوحدات النصية المفردة المعزولة، من الأفضل أن نركز على النص ككل على أساس أنه نظام من العلاقات اللغوية الداخلية المترابطة… إذا ما اكتشفنا كل العلاقات اللغوية الداخلية التي تشكل النص القرآني، فإننا نكتشف أيضاً بنية اللغة العربية والديناميكية الخاصة بها.. لا ينبغي أن نسقط المعاني الحالية للكلمات على معانيها في القرآن. ينبغي أن نقرأ القرآن قراءة تزامنية في عصره. ينبغي أن نتموضع في عصره وننسى عصرنا تماماً لكي نفهمه على حقيقته.. إن الوحي يطبع بطابعه أشياء هذا العالم عن طريق الإيحاء للإنسان بوجود شيء اسمه السر المجهول (الغيب)، وعن طريق الكشف له عن ظروف الحياة الأخرى (الآخرة)، وعن طريق إظهار بدائع السماوات والأرض له”.

يعتبر أركون أن الصحة الالهية للقرآن تشكل أحد المواضيع الاستراتيجية والأساسية التي ينبغي الإهتمام بها من أجل تأسيس فكر خلاق ومبدع عن مفهوم الدين ودلالته ومعناه. وبالنظر إلى ضياع الوثائق الأساسية والضرورية للوصول إلى معرفة دقيقة وصحيحة بالقرآن، فإن التوصل إلى المعنى التاريخي الكامل للعبارات اللغوية للقرآن تبدو شبه مستحيلة. يزيد الأمر صعوبة أن قادة الحركات الإسلاموية يجرون النص نحو الإستخدامات السياسية المؤدلجة، ولا يدخل في همومهم التوصل إلى معرفة علمية ودقيقة بالقرآن. لذا، ولكي نفهم القرآن جيداً، نحن بحاجة إلى إنجاز معجم لفظي شامل للغة العربية القديمة جداً، أي اللغة التي كانت سائدة لحظات نزول القرآن، بل للفترات السابقة على هذا النزول.

يتناول أركون سورة الفاتحة محاولاً تفسيرها وإظهار معانيها ودلالالتها. على رغم صعوبة معرفة الظروف التي جرى فيها لفظ سورة الفاتحة شفهيا لأول مرة، إلا أن السورة تنطوي على كل القيم الشعائرية واللاهوتية واللغوية. فالقرآن مثل التوراة والأناجيل، نصوص دينية كبرى ينبغي أن تقرأ بروح البحث والتساؤل. لا يزال التفسير الكلاسيكي للنص هو المتحكم بالقراءة، ومنها سورة الفاتحة، فيما يحتاج الموضوع إلى استخدام المناهج الحديثة في قراءة الإسلام وتراثه. يشير أركون إلى محددات التفسير الكلاسيكي الذي ينطلق من أن الله موجود، وقد تكلم إلى جميع البشرية باللغة العربية وذلك عبر النبي محمد خاتم الأنبياء، وأنه جمع كلامه في القرآن، الذي يقول كل شيء في شأن الكينونة والوجود، وأن كل ما يقوله الله هو الحقيقة الوحيدة.

في حديثه عن الانتقال “من الإجتهاد إلى نقد العقل الديني”، يشير أركون إلى بعض المحددات السياسية التي ساهمت في نقل الإسلام من الموقع الديني إلى الموقع السياسي. في طليعة الحركات كان الإخوان المسلمون أكثر من ورّط الإسلام في المعركة السياسية الدنيوية. ثم أتت هزيمة حزيران 1967 لترفع من شأن الإسلام السياسي الذي قدم شعاره “الإسلام هو الحل” جواباً على فشل الأنظمة العربية وهزائمها لأنها تخلت عن الإسلام. وأكملت الثورة الإيرانية هذا المسار وبشكل فج، عبر الادعاء بإقامة دولة دينية وفق ما طالب به القرآن، فيما أنتجت الثورة نظاماً استبدادياً يقوده الملالي، ويوظفون الدين في خدمة سلطاتهم الطاغية. نجم عن ذلك مصادرة الإجتهاد في وصفه فعالية فكرية عالمة أو نخبوية، سواء من قبل الأنظمة الحاكمة أو مؤسساتها الدينية. وانتشر علم أصول الدين وعلم أصول الفقه الذي عزز مزاعم الفقهاء بإمكانيتهم سن قانون إلهي وفرض الأرثوذكسية العقائدية. هذه الأرثوذكسية اعتبرت نفسها المسؤولة عن التفسير الصحيح والمستقيم للنصوص المقدسة، والنظر إلى ما عداه بأنه هرطقة وضلال. لم يطل الوقت ليظهر أن هذا الخطاب المستند إلى تسييس الدين هو “أبعد ما يكون عن اللاهوت الحديث المؤسس والمعاش بصفته إيماناً حياً موضوعاً على محك الزمن، أي على محك التاريخية للعقل والقيم”. أي بمعنى إخضاعه للتحول والتطور، أي تحول القيم وتغيرها بتغير العصور والأزمان. فما كان محظوراً سابقاً قد يصير مباحاً حالياً. أما الإيمان فيبقى، لكنه أيضاً يتخذ تجليات مختلفة ومتحولة بتجدد العصور.

على امتداد القرون الماضية، وخصوصاً في العصر الحديث، سعى الفقهاء إلى إنتاج فقه يتناول الدين والمجتمع طبقاً لمثال الإسلام. أنتج الفقه اللاهوتي نصوصاً اعتبرها مقدسة، ففرضها على السلوك البشري للمسلمين وعلى تفكيرهم وخيالهم. دعّم علم أصول الفقه الفكرة القائلة أن المجتمع لا يمكنه أن يحسم بنفسه أي شيء من الأشياء الخاصة المتعلقة بوعي الفرد وسلوكه، إنما الله هو الذي يقوم بذلك. من هنا، ومن أجل إصلاح المجتمع المهدد دوماً بالقصور أو الانحطاط، فمن الضروري العودة إلى الأشكال الأصلية للحقائق التي علمنا إياها الله والنبي وطبقاها. مما يعني بكلام أصرح، أن الموقف الإصلاحي للإسلام يكون في العودة إلى الوراء لا في التقدم إلى الأمام. هذا الموقف الإسلامي من مسألة الروباط بين الدين والمجتمع، يبدو إما مثالياً تجريدياً، وإما براغماتياً تبعاً للحالة والحاجة. فالمجتمع وتاريخه ينتجان عن الدين الذي أرسله الله وعلمه للبشر وليس العكس. وما انتعاش القانون الديني المسمى الشريعة في العصر الحديث، سوى الشاهد على مدى قوة تغلغل القوالب التقليدية في ممارسة الأفراد والشعوب التي تعتنق الدين الإسلامي.

يطرح أركون سؤلا: كيف تتجلى لنا العلاقات بين الدين والسياسة في القرآن وفي العمل التاريخي اليومي المحسوس للنبي محمد؟ يرى أن جميع الأنظمة السياسية التي ظهرت في أرض الإسلام منذ العام 632 ميلادية، كانت قد أعلنت انتسابها إلى تعاليم القرآن والنبي محمد، وادعت مسؤوليتها العليا عن حماية هذه التعاليم. النتيجة التي ترتبت على هذا الادعاء كانت في تشكل نظرية تقول إن الإسلام دين ودولة متلازمان ولا ينفصلان، بكل ما يعنيه ذلك من انعدام التفريق بين الروحي والزمني، أو بين الديني والدنيوي. نجم عن ذلك تشكل المدونة الرسمية للعبادات القرآنية، والتي كانت واحدة من التحولات الأساسية التي وسمت التاريخ الإسلامي. تطبيقاً لذلك،جرى تكريس سيادة الله الواحد الحي المتكلم إلى البشر عبر انبيائه والحكم الديان يوم الحساب. هذه السيادة العليا الإلهية التي تعلو ولا يعلى عليها هي التي ستخلع المشروعية على السلطة السياسية للنبي ثم على خلفائه من بعده. حتى أن النبي، يتخذ صراحة لنفسه صفة الشخص المطاع أو المفروض إطاعته، لكنه يشعرنا في الوقت نفسه أن هذه الطاعة هي إحدى نتائج وتجليات التقوى الواجبة تجاه الله، ليصل إلى الحسم في أن طاعة الرسول من طاعة الله، ولا يمكن الفصل بينهما.

يتناول أركون طقوس الحج في الإسلام، فيرى فيها وظائف نفسانية وثقافية واجتماعية وسياسية، وهي موروثة عن السياق الوثني. يرتبط الحج بموقع مدينة مكة، وهو موقع جغرافي تمتلكه المدينة منذ أقدم العصور اليونانية والرومانية القديمة، حيث كانت محلاً للعبور ونقطة تقاطع للقوافل.. جرى تأسيس الحج العربي المرتبط بتاريخ الجزيرة العربية بين القرنين الثالث والسابع للميلاد. شكل الحج أحد الأطر الصلبة للتعبير، ولترسيخ المضامين المعنوية للنص القرآني. ففي آيات الحج، هناك إله واحد يتكلم ويتخذ المبادرات والقرارات من أجل خير كل البشر، هذا الله المهيمن والناطق – المؤلف للقرآن، هو الفاعل بالمعنى اللغوي للكلمة، وكذلك بالمعنى المنطقي والنفسي لكل العبارات أو الآيات القرآنية. “في الزمكان المقدس للحج، يحدث للوعي نوع من تحوير أو تحويل الحقائق المادية إلى حقائق روحانية. هنا تكمن عبقرية الخطاب الإلهي بالضبط، فهو قادر على تحويل التراب إلى ذهب، والأرضي إلى سماوي” على ما يقول أركون. كان الحج الوثني يتميز بمقدس عارض وطاريء، ولم يكن يساوي بين البشر. أحلّ القرآن محله مقدساً جديداً متجاوزا للتمايزات الاجتماعية، بل متجاوزاً لكل تاريخ، ومتركزاً على الله فقط. فالبشر كلهم متساوون، وكل واحد منهم يدخل في تواصل مع الله عن طريق أداء الشعائر وعن طريق تقديم الأضحية بوصفها “شعائر الله”. انحرف الحج عن معانيه الروحية على يد تشريعات الفقهاء، فتحول إلى مجرد مواقف وحركات جسدية، وإلى مجرد تمرينات رياضية، بل انتقل من المستوى الإلهي للقرآن، إلى مستوى الإكراهات الجسدية والعقلية المرتبطة بأداء الشعائر فقط. يضاف إلى كل ذلك الوظيفة الاقتصادية للحج، حيث يشكل مورداً أساسياً للدولة الراعية له، كما كان أساسياً في التجارة قبل الإسلام وبعده. “إن فكرة التحول الراديكالي الذي يطرأ على الحاج بعد رؤية الأماكن المقدسة والكعبة وضريح الرسول، تبقى منتعشة وحية جداً من الوسط الإسلامي والشعبي”. على ما يقول أركون.

ستظلّ كتابات محمد أركون في طليعة النصوص المساهمة في الإصلاح الديني في الإسلام، وفي إعادة هذا الدين إلى موقعه الأخلاقي والروحاني والإنساني، بعيداً عن تحويله إلى أيديولوجيا تشرّع للإرهاب وتبرر القيام به، على غرار ما هو سائد اليوم في المجتمعات العربية والإسلامية.
المصدر: الأوان

 

إرسال تعليق جديد

سيبقى محتوى هذا الحقل خاصا و لن ينشر للعموم.
  • لا يسمح بإشارات HTML
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.