زكريا تامر: جعجع يجعجع دماً

18-02-2007

زكريا تامر: جعجع يجعجع دماً

وصف نزار قباني بيروت بأنها حصان الحرية, ولو كان اليوم حياً لوصفها بأنها مدينة تصنع المعجزات, فالقاتل فيها يخرج من سجنه مكرماً مبجلاً ليصبح واحداً من أربعة يتحكمون بلبنان, وليعقد كل يوم مؤتمراً صحافياً مخصصاً للجديد من آرائه وتوجيهاته, وكل من يرى سمير جعجع في نشرات الأخبار التلفزيونية يكلم وسائل الإعلام المحلية والأجنبية أو يخطب في جمهرة من مريديه لا بد له من أن يتنبه إلى وجهه المستورد من أفلام مصاصي الدماء الهوليودية, والذي لا يخفي قلقه وانزعاجه كأنه مرغم على ممارسة فعل لا يستسيغه ويتوق إلى فعل آخر لن يتحقق إلا إذا جلب له أعوانه زهاء مائة شخص مختطفين من الشوارع وقد أوثقت أيديهم بالحبال خلف ظهورهم, فيقترب سمير جعجع منهم شاهراً مسدسه, ويتأملهم بنظرات متفحصة ويسأل كل واحد منهم عن دينه ومذهبه, ويطلق النار على رأس كل مختطف قبل أن يكمل جوابه.

أما إذا كان المختطف مسيحياً, فلا يقتله إلا بعد أن يأمر بفك وثاقه, فالمسيحي المنتمي إلى أحزاب خصومه يستحق في رأيه أن يحظى بمعاملة خاصة لا تخلو من تدليل.‏

وسيشعر أعوانه آنذاك أنهم طلاب في جامعة ينصتون لمحاضرة تربوية بالغة الأهمية يلقيها عليهم أستاذهم مستخدماً لغة يستسيغها ولا تسبب له أي ضيق.‏

ولا شك في أن سمير جعجع يتمتع بشخصية مثيرة تحض على التخيل, ولكن التخيل يظل مجرد محاولة متواضعة يهزأ بها ما يحدث يومياً على الأرض اللبنانية.‏

أتخيل سمير جعجع يستقبل وفداً من حفاري القبور الذين أتوا إليه ليعبروا له عن شكرهم وامتنانهم, فلولاه لكسدت أعمالهم وانضموا إلى المتسولين, وأتخيله قد التقى السفير الأمريكي في بيروت, وقال له إن جنود الجيش الأمريكي في العراق مساكين لأن الأسلحة الحديثة المتطورة تتكفل بالإبادة, وتحرم الجنود مسرات القتل, واقترح عليه تسلية الجنود إثر كل معركة بحفلة ساهرة يقتلون فيها الأسرى بسواطير مثلومة النصل, وأتخيله يدخل مطعماً, ويأكل مشمئزاً لحم خنزير أو خروف أو عجل أو طير, فاللحم البشري الجدير بأن يؤكل نيئاً لا تزال المطاعم تجهله ولا تقدمه لروادها, وأتخيله بطلاً في فيلم أمريكي يدمر الكرة الأرضية بقنابل نووية وهو يبتسم ابتسامة طفل يحب المزاح واللهو, وأتخيله مشرفاً على تدريب جزارين ناشئين, ويفرض عليهم ذبح أطفال كخطوة أولى لإتقان ذبح الخراف والبقر, ومن يجبن أو يتردد يطوقه الاحتقار, ويطرد فوراً ويؤمر بأن يعمل حلاقاً للسيدات, وأتخيله يأمر أنصاره بإحراق مدارس لأن تلاميذها أطفال يحبون القطط الوديعة والعصافير المغردة والسماء الزرقاء والشمس المشرقة والشجر الأخضر, وأتخيله مؤلفاً لكتاب عنوانه (كيف تتعلم القتل في ثلاثين دقيقة وتجدد في أساليبه).‏

وأتخيل كوهين المشنوق في إحدى ساحات دمشق قد انتهى من تأليف كتاب عاطفي عنوانه (هذا خالك سمير يا ولدي), وأتخيل الموت يحدق إلى سمير جعجع مغتاظاً, وأتخيل سمير جعجع يطلب من زوجته أن تصفه بصدق وإيجاز, فتتأمله ملياً, وتقول له إنه خليط من موسوليني والبابا أوربان الثاني, وأتخيله يحاول الحفاظ على مستواه القتالي بإطلاق النار على صور فوتوغرافية للكعبة محاطة بالحجاج, وأتخيل المافيات الأميركية تكرم سمير جعجع بوصفه رائداً, وتطالب بأن يطلق اسمه على شارعين, شارع أميركي وشارع إسرائيلي.‏

وأتخيل سمير جعجع مستلقياً على سريره مغمض العينين يرى في اثناء نومه أنه طفل يلاعب أطفالاً بكرة هي رأس طفلة لا تحبه, وأتخيله مشاركاً في مسابقة للركض, ويحرز المركز الأول بعد أن تولى أعوانه اغتيال كل المنافسين, وأتخيله يتذمر من عجز العلم عن تحقيق ما يحلم به, وهو أن تطلق أصابع يده اليمنى ويده اليسرى النار من دون مسدس, وأتخيل بشير الجميل وأرييل شارون في عالم الموتى يتشاجران ويتضاربان, ويزعم كل منهما أن سمير جعجع هو تلميذه المطواع.‏

وأتخيل سمير جعجع يصلي بخشوع مبتهلاً إلى الله أن يرسل إليه ملاكاً مزوداً بأسماء اللبنانيين المطلوب اغتيالهم, وأتخيله حفنة من الذباب تحط سعيدة على جبل من قمامة السفارات الأجنبية, وأتخيله مشنوقاً يتدلى من غصن شجرة مثمرة, فتسارع أرواح ضحاياه إلى استنكار أن يعاقب هذا العقاب السهل غير المتلائم مع ما ارتكبه من جرائم, وتشكل محكمة تصدر عليه حكماً مدوناً في سيرة الظاهر بيبرس, فعندما اعتقل جيشه عدواً كان سبباً في هلاك الكثير من أبطاله, حكم عليه بأن يتفرج على جسده وهو يقطع قطعةً قطعةً.‏

زكريا تامر

المصدر: الثورة

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...