السوريون يتنافسون في الدفاع عن عروبة القدس وتاريخها

30-04-2009

السوريون يتنافسون في الدفاع عن عروبة القدس وتاريخها

 أعلن مدير النشر في (دار الفكر) السورية، الدكتور شوقي أبو خليل، أن الدار ستصدر بالتعاون مع اتحاد الناشرين السوريين كتاباً كل شهر على مدار العام، مخصص للحديث عن القدس، ونبش جوانب من تاريخها...
جاء ذلك في افتتاح الأسبوع الثقافي العاشر، لدار الفكر (كبرى دور النشر الإسلامية التوجه في دمشق) الذي أقيم في الفترة (20- 23) نيسان (إبريل) الجاري... والذي افتتح تحت شعار: (القدس مسؤوليتنا جميعاً)، برعاية وزير الثقافة السوري.
وبهذا الإعلان تنضم (دار الفكر) إلى جهات ثقافية عامة وخاصة في سورية، يبدو أنها تأخذ احتفالية (القدس عاصمة ثقافية عربية لعام 2009) باهتمام بالغ... وتسعى للتعبير بشكل حثيث عن الحس القومي العفوي، الذي ما زال يميز السوريين في التعامل مع القضية الفلسطينية بمختلف تجلياتها الاجتماعية والثقافية والسياسية.

الدكتور شوقي أبو خليل، أشار في كلمته أيضاً إلى أنه (لم يفلح تقرير التنمية البشرية لعام 2003 في تنبيهنا من غفلتنا حين نشر فيما يشبه الفضيحة، إحصاءات اليونسكو التي سجلت للإسرائيلي قراءته 40 كتاباً في العام، مقابل كتاب واحد يقرأه واحد من كل ثمانين عربياً، ليستخلص من ذلك أن ما يقرأه الإسرائيلي الواحد يحتاج إلى 3200 عربي ليقرأوه، وأن ثقافة الإسرائيلي الواحد تعدل ثقافة 3200 عربي مجتمعين)... ومما لا شك فيه أن هذه الحقائق والأرقام تبدو مرعبة حين نرى جيلاً لا يعتبر الكتاب أو المجلة أو الجريدة وسيلة من وسائل المعرفة اليوم!
وكان أسبوع دار الفكر الثقافي، قد افتتح بفيلم عن دار النشر العريقة، التي تأسست في دمشق عام 1959، وأصدرت حتى اليوم، أكثر من ألفي كتاب باللغة العربية في شتى مجالات الفكر والمعرفة والثقافة، وقد كرمت الدار هذا العام، العالم السوري الدكتور هاني زرق، عالم البيولوجيا المعروف، الذي نشرت له الدار العديد من المؤلفات العلمية الهامة... كما قدمت أغنية لأجل غزة... وعرض فيلم قصير عن تاريخ القدس، وأعدت العديد من الندوات التي تتحدث عن تاريخ المدينة المقدسة وحاضرها ومستقبلها، وأخرى عن تعزيز ثقافة المقاومة، وثالثة عن القدس في الدراما السورية... ورافق البرنامج معرض لوحات فنية عن القدس.

ومن بواكير الكتب التي أصدرتها الدار عن القدس، كتاب الباحث محمد عدنان سالم مدير دار الفكر، والذي حمل عنوان: (القدس ملامح جيل يتشكل) وهو يضم عددا من المقالات المتعلقة بالقضية الفلسطينية، قدمها المؤلف تباعاً بين أعوام (2004- 2009) في مناسبات ولقاءات ومؤتمرات شتى... وسعى من خلالها إلى دراسة الظروف الراهنة ومستجدات الأعوام الأخيرة من عمر الصراع العربي الإسرائيلي، منذ مشروع الشرق الأوسط الكبير، لإدماج إسرائيل ضمن منظومة دول المنطقة، مرورا بأحداث العدوان الإسرائيلي على جنوب لبنان في تموز عام 2006، وانتهاء بما يسميه المؤلف: (المحرقة التي جرت في أرض غزة هاشم ما بين 27/12/2008 و17/1/ 2009) وقد سارع المؤلف في مقدمة الكتاب إلى تشخيص إحدى علله وتبريرها حين قال: 'فلئن كان في المقالات أفكار مكررة في جزئياتها، فذلك بسبب ما اقتضاه سياق الكلام وبعد الزمان بين مناسبة وأخرى، ألزمت المؤلف التأكيد على ما يريد'.
ومن أجمل ما ورد في الكتاب، بعيداً عن (الأفكار المكررة) الصورة التي يرويها المؤلف في مطلع الكتاب، والتي كان يتمنى المرء لو أسهب فيها، لأن فيها الكثير من التفاصيل الحميمة التي تستحق أن تستعاد... حيث يقول:
'عشية يوم الجمعة في صيف عام 1966، اقترح أحد الأصدقاء، وكنا ثلة نسمُر، أن نصلي الجمعة في المسجد الأقصى، فما هي إلا دقائق حتى عقدنا العزم على أن ننطلق فجراً.. ثلاثمئة كيلومتر كانت تفصل القدس عن دمشق، قطعناها ثلاثاً؛ مئة إلى درعا، فمئة إلى عمان، فمئة ثالثة أوصلتنا إلى باحة الأقصى. لم تستغرق رحلتنا أكثر من أربع ساعات، متضمنة إجراءات الحدود.. لم تكن الحدود قد أدركتها التعقيدات والهواجس الأمنية بعد، وكان النسيج العربي الواحد، ما يزال السمة البارزة التي تطبع التصرفات كلها؛ لا فرق فيها بين رسمي وأهلي، ولا بين شعبي وحكومي، ولا بين سوري ولبناني وأردني. وفي باحة الأقصى بين المسجد وقبة الصخرة تحلق السوريون جماعات، يتناولون فطورهم ويحتسون شايهم، بينما كانت مجموعات من اللبنانيين تقوم بأداء الدبكات على وقع 'الدربكات' يقضون سويعات الضحى، بانتظار أذان الظهر وصلاة الجمعة... وكل شيء حولنا كان عربياً لا أثر فيه ليهود'.
وقد تساءل المؤلف إثر ذلك: 'ترى لو تاقت نفس ولدي وأصدقائه إلى شد الرحال إلى الأقصى؛ أولى القبلتين وثاني المساجد التي لا تشد الرحال لغيرها، فمتى يمكن أن تتحقق أمنيتهم؟' لكن المؤلف لا يبدو متشائماً رغم هذا، فهو يرى في المحصلة أن جيل صلاح الدين 'يتشكل الآن بأسرع مما نتصور. بدأت طلائعه في جنين 2002، ولقن إسرائيل دروساً في أطول مواجهة ما تزال تعيش هول صدمتها منذ 2006 في جنوب لنبان، وهاهو ذا يصمد في غزة صموداً أسطورياً، لم تكن تتوقعه بعد كل ما أعدت له من حصار وتجويع'.
لكن المؤلف يتناول بعض التفاصيل أحياناً بروح مهادنة، وهو يكاد يبرر تقاعس الأنظمة العربية حين يقول: 'ومن دون التورط في توجيه اللوم والاتهام إلى الأنظمة العربية، فإننا ندرك تماماً أن النظام الدولي الجديد نظام القطب الواحد، بعد انتهاء الحرب الباردة ـ قد أخرج الأنظمة العربية وجيوشها من المعركة، وشل فاعليتها، وأحكم قبضته عليها؛ سياسياً من خلال هيمنته على الأمم المتحدة، المحكومة أصلاً 'بديمقراطية حق الفيتو' وعسكرياً من خلال إمساكه بزمام التسلح وإعلانه عدم السماح للدول العربية أن تحقق تفوقاً تقنياً على إسرائيل' ومن المعروف أن الأنظمة العربية خرجت من المعركة قبل أن يبرز النظام الدولي الجديد، وقبل أن تنتهي الحرب الباردة... وهي تستحق أن نتورط في لومها بالتأكيد... لأنها أنظمة نخر الفساد الداخلي عظامها... وهي في النهاية تشتري ما تشاء من صفقات السلاح إن لم يكن علانية فسراً، لكنها تتحول مع الزمن إلى خردة في مخازن جيوش لا تقاتل، إلا دفاعاً عن كراسي حكامها... فلماذا يجب ألا نتورط في توجيه اللوم لها!

ومن الكتب التي أصدرتها دار الفكر لمواكبة احتفالية القدس، كتاب: 'العهدة العمرية: البعد الإنساني في الفتوحات العربية الإسلامية' للدكتور شوقي أبو خليل، الذي يستحضر قصة فتح بيت المقدس في عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، حيث حاصر أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنه القدس، وعرض على أهلها الصلح... فمانعوا، ثم طلبوا من أبي عبيدة أن يكتب إلى الخليفة عمر بن الخطاب كي يحضر شخصياً، وعندها يسلموه مفاتيح المدينة ويكون الخليفة هو الذي يعطيهم العهد ويكتب لهم الأمان.. ولما كتب أبو عبيدة للخليفة عمر يعرض عليه الأمر، سارع بالسفر من المدينة المنورة إلى بيت المقدس، ملبياً طلب نصارى القدس، وكان أن كتب لهم أماناً، وأعطاهم عهداً عرف في تاريخ العلاقات الإسلامية ـ المسيحية باسم العهد العمرية، التي أمّن فيها النصارى على أنفسهم وأموالهم وكنائسهم وصلبانهم... وهكذا يرى المؤلف في العهدة العمرية: 'لوحة غراء في تاريخ العرب والمسلمين، وآية في التسامح الذي أمر به الإسلام، عنواناً كبيراً على حضارة باذخة ضربت جذورها في الزمان والمكان، لتكون منهاجاً إنسانياً في طريقة التعامل الإنساني الراقي، القائم على قيود ضابطة واضحة'.
وربما كان من المفيد لمؤلف الكتاب الذي جاء في فصول قصيرة لاهثة، أن يعرض بعض الشهادات الغربية الهامة عن العهدة العمرية، والتي يبقى أبرزها، ما كتبته الباحثة البريطانية كارين آرمسترونغ في كتابها: 'القدس مدينة واحدة وعقائد ثلاث' والتي تقول فيه بالنص:
(عبّر عمر أيضاً عن مبدأ التراحم التوحيدي أكثر من أي ممن فتحوا أورشليم قبله... فقد أشرف على أكثر غزو للمدينة سلاماً، ودون أي إراقة للدماء، لقد كان فتحا لم تشهد المدينة مثله في تاريخها الطويل والمأساوي في أغلب الأحوال. فبمجرد أن استسلم المسيحيون، لم يحدث قتل أو تدمير للممتلكات أو إحراق للرموز الدينية المنافسة، وأيضا لم يكن هناك طرد للسكان، أو نزع للملكية، أو محاولة لإجبار السكان على اعتناق الإسلام، ولو أخذنا احترام سكان المدينة السابقين معيارا لسلامة وقوة العقيدة التوحيدية، يمكننا القول هنا إن الإسلام قد بدأ ولايته الطويلة هناك حسنة جداً).
وفي كل الأحوال، يبقى استحضار قصة العهدة العمرية، وعرضه للقارئ العربي الذي لا يقرأ تاريخه اليوم، مسألة هامة وجديرة بالاستعادة اليوم، كي نعلم أية ثقافة تسامح أشاعها الإسلام في ذاكرة وتاريخ القدس!

محمد منصور

المصدر: القدس العربي

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...