أحمد فؤاد نجم في دمشق بعد أربعة وعشرين عاماً

07-12-2009

أحمد فؤاد نجم في دمشق بعد أربعة وعشرين عاماً

جاء خبر زيارة الشاعر المصري (أحمد فؤاد نجم) إلى دمشق بعد أربعة وعشرين عاماً من الغياب عنها قوياً كقصائده، ولعل صوته الآتي من الباب الموارب لغرفته في فندق برج الفردوس يشي بعفويته العالية التي شكَّلت أبرز ملامحه الشعرية، وفي حديثه معنا استرجع (نجم) بعضاً من ذكرياته في سورية لافتاً إلى بعض إرهاصاته الشعرية وعلاقته ببعض الشخصيات التي باتت بمنزلة رموزٍ في الوطنية.

يروي صاحب /جيفارا مات/ لم أستطع تصديق خبر وفاته، فأنا مع كثيرين من أصدقائي ما كنا نعتقد وقتها أن يد الموت تستطيع أن تمس (جيفارا) هذا المثال الثوري، ولذلك في فوضى مشاعري حينها كتبت / مات المناضل المثال.. يا ميت خسارة عَ الرجال.. مات الجدع فوق مدفعه جوّه الغابات.. جسّد نضاله بمصرعه.. ومن سُكات.. لا طبالين يفرقعوا.. ولا إعلانات/ وذهبت إلى (الشيخ إمام) وفي الوقت ذاته الذي انتهيت فيه من إلقاء قصيدتي الجديدة عليه كان صاحب الزخم الموسيقي الهائل أنهى تلحين القصيدة وبدأنا مع من التف حولنا حينها من أبناء حي (الشيخ إمام) بغناء (جيفارا مات) من أول المساء وحتى ساعات الفجر الأولى. ‏

فلم يتخلّ (نجم) في جميع ما كتب عن شعرية غنائية تجمع بين الحكاية والشعر، محاولاً أسطرة الحكاية بقصائده، من دون أن يتوانى عن الإبقاء على عوالمه الملحمية، والتركيز على شباب القصيدة عبر جذوتها المتوقدة، من خلال شعبيتها اللماحة وتسييجها بعفوية صادقة، وبداهة متأججة تجعل من كل قصيدة بمنزلة صدى لمشاعر جمعية، فهو اعتاد الاحتكاك بالناس والحياة بينهم لاسيما أن مراحل كثيرة من حياته جعلته قادراً على التواصل مع شعوب عربية من أقطار مختلفة، حيث أنه زار بيروت ستينيات القرن الماضي مع وفد منظمة تضامن الشعوب الأفرو آسيوية، ولإصابته بالملاريا تخلف عن اجتماعات المؤتمر الذي جاء من أجله، يقول العم أحمد كما يحب أن يناديه المقربون منه: (كان ذلك فرصة للاحتكاك باللبنانيين، وعاميتي المصرية كانت بمنزلة هوية معلنة جعلت كل من يلتقي بي يقول: /يا هلا بزلمة أبو خالد/ يعني أهلاً برجال عبد الناصر، هذه الجملة كان يقولها الناس البسطاء العاديون، وفي تلك الفترة القصيرة التي قضيتها في بيروت تعرفت إلى كثير من الفلسطينيين واللبنانيين، ودارت بيننا مناقشات معمقة أعادتني وأنا مؤمن وموقن بأن الوحدة العربية مصير وقدر لابد منه ولا مهرب). 
 ذكرياته في دمشق كانت مختلفة بعض الشيء إذ زارها في الثمانينيات، يروي صاحب /البحر بيضحك ليه/: (كنت أجد سائق التاكسي في دمشق يشغل شريط كاسيت لأم كلثوم أو عبد الحليم حافظ أو خطب عبد الناصر، ليس لأنني مصري، بل لأن ذلك كان بمنزلة امتثال لرغبات وطنية حقيقية) ويتذكر (نجم) أيضاً أنه عندما كان في الشام أقيم مهرجان للمسرح العربي ويقول: (مصر أرسلت فرقتين، إحداهما تعرض مسرحية الوزير العاشق وكان بطلها الراحل عبد الله غيث، وفي أثناء المهرجان أحييت أمسية شعرية في كلية الآداب جامعة دمشق، وأثناء وقوفي على المسرح ألقي قصائدي، فوجئت بما يشبه الانفجار في القاعة، تصفيق وصراخ هستيري، نظرت فوجدت عبد الله غيث ومعه عزة بلبع، فتوقفت عن الإلقاء، واستمر التصفيق خمس دقائق متواصلة، وعبد الله غيث يقف في حالة ارتباك، فنزلت وأخذته من يده الى المسرح لكي يحيي الناس ونزل، ثم طلب الجمهور سماع قصائد معينة، وكثرت الطلبات وتضاربت، فقلت لهم: /والله العظيم أطلعلكم عبد الله غيث يتكلم/ فتصاعد الصراخ، نزلت وصعد غيث مرة أخرى وقال الآتي: /أنا رجل أشتغل في المسرح، وعمري ما ارتبكت، أنا لأول مرة في حياتي أرتبك أمام الجمهور، وأنا جايب لكم سلام من القاهرة لشقيقتها دمشق عاصمة الجمهورية العربية المتحدة/، ولا تسألني عما حدث بعد ان نطق عبد الله غيث بهذه العبارة، حالة هيستريا وحماس وجنون، وبدأت دموعي تتساقط، تأثراً من هذا المشهد). ‏

يصف (نجم) السوريين بأنهم أكثر الشعوب العربية من حيث يقظة وجدانهم وسخونته في مسألة الوحدة لافتاً إلا أنه لا يملك تصوراً جديداً لهذا الهدف النبيل، لكنه يعتقد أن القضاء على الكيان الصهيوني العنصري وتحرير فلسطين هو الشمال المغناطيسي الذي ينبغي أن تنصب عليه الجهود القومية العربية، يوضح صاحب /ورقة من ملف القضية/: أن الأمل كله بات بيد الشباب العربي الذي يستطيع أن يمتلك الناصية على الصعد كلها السياسية والاجتماعية والثقافية، ويقول: (إن التركيز يجب أن يكون على هذه الفئة لأنهم يمتلكون ناصية الإبداع الحقيقي، فالقصيدة على سبيل المثال تكون حقيقية بمقدار ما تكون شابة، مع العلم أن الأمر لا يتعلق بعمر مبدعها بل بزخم الصدق الذي فيها، وقدرتها على التواصل مع متلقيها والتأثير فيه). ‏

من هنا يرى (نجم) في قصائده التي كتبها إثر الانقلاب الطلابي بمصر في سبعينيات القرن الماضي من أجمل ما كتب لأنها حركت السكون إضافة إلى بعض القصائد التي سبقت ذلك التاريخ من أمثال /الليل ع الطريق/ و/مسافر مسافر/، فما زال هذا الشاعر المصري يتغلب على السياسة بحدسه الشعري، ولا نبالغ القول أن قصيدته لم تكتمل لولا إحساسه الداخلي بأن ما يقدمه فيها ما هو إلا مشاهدة حقيقية لحيوات كاملة، تتوالى فيها الجمل بإيقاعية فريدة ضمن صوت شعري خاص، ومتخلٍ عن أي تزيينات بلاغية، فهو يصر على أن أكثر ما يميز أشعاره هو التصاقها العضوي بمتلقيها، وقدرتها على التعبير عما يجول في كوامنه، لاسيما أنه استطاع أن يكون صوت الكثيرين، وأن يجمع بقصائده آلام المحرومين وحقدهم المكتوم على ما يُمارس عليهم من أهوال اجتماعية، وضغوط اقتصادية، وأهواء سياسية، وأن يولّف ذلك كله ليكون كما وصفه البعض بأنه صوت شعري قادر على تحطيم الأسوار.

بديع منير صنيج

المصدر: تشرين

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...