تفعيل المشترك في الرسالات السماوية

20-11-2006

تفعيل المشترك في الرسالات السماوية

في عصر يراد له تكريس الانقسامات الحادة وتأجيج الافتئاتات المريرية بين الثقافات والأديان، وذلك عن طريق استخدام الجماعات والشعوب كوقود مجاني في سلسلة من الصراعات والتناقضات.

تحت شعارات وأهداف تصور على أنها حقائق مطلقة، وفي ظل ما يروج عن الصراع بين الأديان لتغطية مصالح الأفراد والشركات، واستخدام ذرائع مفضوحة كالإرهاب أو الدفاع عن حقوق الأقليات، تبدو المهام الملقاة على عاتق العلماء والمفكّرين من الأطياف والانتماءات كلها، أشدّ خطورة وإلحاحاً من أي وقت مضى، خصوصاً إزاء التغييب المتعمد للقواسم المشتركة بين الرسالات الإلهية الذي يمارس عالمياً من قبل اتجاهات تسعى للسيطرة على الموارد والثروات والإنسان.. 
 في هذا الإطار نظم معهد جمعية الفتح الإسلامي في دمشق ندوة فكرية موسّعة حضرها مفكّرون وباحثون وعلماء دين يمثلون مختلف الاتجاهات من جامعة الأزهر الشريف ورابطة الجامعات الإسلامية وجامعة هارتفورد سيمزي (ولاية كوناتيكت) الأميركية وجامعة القاهرة وعين شمس. ‏

حيث قدم الجميع مداخلات أكدوا فيها على القواسم المشتركة بين الرسالات الإلهية ودعوا الى تفعيلها والتذكير بها، بغية إنقاذ الدين من الدعوات المضلّلة التي يحاول البعض إغراقه فيها¾ وتأكيداً على دور سورية المشرق والحضاري في تكريس ثقافة التفاعل بين مختلف الأطياف والثقافات باعتبارها مهد الحضارات وملتقى الرسالات ومنارة الإشعاع العلمي والثقافي والروحي في العالم. 
 وقد أكد المشاركون أن الأزمة التي تعانيها الإنسانية بشكل عام، يحاول البعض تأجيجها واستثمارها تحت مسوغات تحاول قلب الحقائق وتشويه المفاهيم كالخلط الدائم بين الإرهاب وحق الشعوب في المقاومة ودفع الظلم ومناهضة الاحتلال.. وليس ما يجري في فلسطين إلا دليلاً حياً على ذلك. وأشار الدكتور حسام الدين الفرفور نائب رئيس جمعية الفتح الإسلامي الى أن القيم الإنسانية النبيلة التي تحضّ على التواصل والاحترام المتبادل بين الرسالات الإلهية، إنما هي قيم عليا يجب التركيز عليها وتنميتها وإيصالها الى الأجيال كي تبقى منيعة أمام محاولات التشويه والتحريف التي تمارس بشكل ممنهج ضدها. ‏

الدكتورة هايدي هاتسل رئيسة جامعة هارتفورد سيمزي في الولايات المتحدة الأميركية التي تمتلك سجلاً حافلاً على صعيد الحوار بين المسيحية والإسلام، بيّنت دور الجامعة في العمل على هذا الصعيد داخل المسيحية وبين المسيحية والإسلام أيضاً حيث يعمل الكثير من الأساتذة المختصين في الجامعة ومجلس أمنائها المتكون من مسيحيين ومسلمين على تقوية العلاقات بين الطرفين باعتباره جزءاً من برامج عمل وأهداف الجامعة التي تسعى الى تحقيقها.. وأبدت هاتسل إعجابها الشديد بسورية وطبيعة العلاقات المتبادلة بين الأديان الموجودة على هذه الأرض منذ تاريخ طويل حيث يشكل ذلك نموذجاً يحتذى في العالم. وأضافت: إن التواصل مع الآخر عبر تعلم لغته والاطلاع على أفكاره وحياته يعتبر شيئاً مهماً جداً، ذلك أن الحوار هو ممارسة قبل كل شيء، مادام الجميع ينطلقون من محبة الله وتنفيذ أوامره في العلاقات السامية والسلمية بين البشر، وربما يمكن أن يشكل ذلك تشجيعاً للسياسيين في العالم كي يطوروا علاقات الاحترام المتبادل فيما بينهم فيتعزز السلام ونضع حداً لجميع مفاهيم التجاوز والإلغاء. 
 الدكتور جعفر عبد السلام علي، أمين عام رابطة الجامعات الإسلامية، أثنى على جهود جمعية الفتح الإسلامي على صعيد علاقاتها مع جامعات العالم وإسهامها في عقد اللقاءات الفكرية والحوارية على هذا الصعيد، انطلاقاً من إيمان الرسالات بقيم واحدة وانطلاقها من نبع واحد ما يدفعها للاتفاق على الكثير من الأمور المشتركة. ‏

المطران غطاس هزيم ـ المعاون البطريركي للروم الأرثوذكس ـ شرح دورة الحياة والتفاعل بين كنيسة المشرق وأخواتها من بقية الطوائف والأديان حيث عانى الجميع في المراحل التاريخية المتعددة مختلف الظروف التي مرّت على المنطقة.. ودعا العالم الى الإقلاع عن لغة القوة واعتماد الحوار والتوافق حيث إن الدين يتضمن كل القيم الإنسانية النبيلة، وانطلاقاً من كلمة يوحنا الإنجيلي «الله محبة» دعا هزيم الى إعلان الحب والاحترام للآخر. ورأى أن منطقة الشرق الأوسط تعرضت للكثير من الظلم رغم أنها تضم الأراضي المقدّسة، فمن الغبن أن تفتقد مدينة السلام للسلام.. فالكلمة الأخيرة دائماً ستكون للحياة. 
 الدكتور عبد الله نظام مدير الحوزة العلمية في السيدة رقية في دمشق ـ دعا الى تفعيل الدين على أساس القيم المشتركة بين الرسالات للوصول الى إحقاق الحق ورفع الظلم عن هذه المنطقة التي تتعرض دائماً للمطامع والضغوط ، ورأى أن القواسم المشتركة بين الإسلام والمسيحية تشكل منطلقاللوصول الى برامج عمل من خلال اللقاءات المستمرة بين رجال الدين من الطرفين. 
 المفتي العام للجمهورية الدكتور الشيخ أحمد بدر الدين حسون رأى أن الذين يستعملون أسلحة الدمار الثقافي والعسكري والأخلاقي هم واحد ومنطلقهم واحد، فهل نستطيع، نحن من يحمل الرسالات السماوية أن نقف في وجههم، إن القضية أخطر بكثير من الكلمات والعواطف لأنها تحتاج الى تصميم ووحدة هدف حتى نهيئ لأبنائنا مجتمعاً لا تمزقه الطوائف.. عندما نقول بوحدة الرسالات الإلهية نعني وحدة الإنسان. ‏

وأكد حسون أن البعض قد قرأ الكون من صفحة واحدة رغم وحدة الرسل ووحدة المصدر سبحانه وتعالى الذي تعددت صفاته وتعددت أحياناً أسماؤه لكنه بقي واحداً في جميع اللغات.. يجب أن ننتبه إلى أننا نقول بتعدد الشرائع لكن العقيدة واحدة، ولا بدّ من أن نتيقظ الى دور الصهيونية في تفريق الأديان وخلق بذور الشقاق بينها. ‏

الدكتور عبد الله التطاوي ـ نائب رئيس جامعة القاهرة لشؤون خدمة المجتمع وتنمية البيئة ـ رأى أنه من الطبيعي أن تلتقي الأديان حول منظومة من القيم من منطلق الحق والخير والجمال وبكل ما تحتويه كل قيمة منها من ا لتفاصيل التي تضمن للإنسان استقراره ورفاهيته من خلال رونق علاقته بأخيه الإنسان بعيداً عن صناع التصادمية ودعاة العدوان. 
 يذكر أن معهد جمعية الفتح يهدف من وراء هذا الملتقى الى إعطاء الوجه الحقيقي لطبيعة العلاقة بين الشعوب والثقافات والأديان بعيداً عما تحاول تكريسه أجهزة الإعلام الغربي من افتراء وإذكاء للانقسامات بهدف أن يحلّ مكان ذلك كله ثقافة التواصل والحوار والمحبة انطلاقاً من دور سورية المشرق تاريخياً على هذا الصعيد. ‏

زيد قطريب

المصدر: تشرين

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...