عود كبريت ماركة «البوعزيزي»

27-01-2011

عود كبريت ماركة «البوعزيزي»

أبطال الحريق التونسي: 1- موظفة البلدية التي صفعت بائع البسطة محمد البوعزيزي فولدت شرارة الغضب 2- محمد البوعزيزي الذي أضرم النار بنفسه بسبب إهانة موظفة البلدية لرجولته 3- الشوفير السابق ودكتاتور تونس اللاحق زين العابدين بن علي 4- الكوافيرة السابقة وزوجة الرئيس اللاحقة ليلى طرابلسي.
هؤلاء الأربعة لم يكونوا على دراية بالنظرية السببية ولا بالفلسفة الوضعية التي أطاحت بهم خلال 24 ساعة من زمن المسرحية الكلاسيكية التي مازالت تعرض على خشبات التاريخ، ذلك أن الثقافة والفلسفة وعلم الاجتماع هي لزوم ما لا يلزم بالنسبة للمجتمعات العربية، حكومات وشعباً..
ولكن كيف يمكن لحدث أن يكون سبباً لآخر، وكيف يمكن لعود كبريت «البوعزيزي» أن تمتد ناره لتشعل حطب الاستبداد في سائر تونس قبل أن يتدفأ عليه فقراء البلدان العربية؟ وهل الصعوبة تكمن في إشعال الثورة أم في حسن إدارتها واستمرارها؟
لم يكن سقوط (زين العابدين) بسبب الثورة فقط، وإنما أيضاً بسبب عدم قدرته على فرض هيبته على زوجته قبل قادة أجهزته الذين أدركوا ضعفه مقابل تفوق ( ليلى) في منافسته على الطغيان والثروة، وهذا ما يحصل عندما تعطى السلطة لسائق وحلاقة نسائية لا يفهمان العمق الحقيقي لبنية المجتمع الذي يحكمانه، ذلك أن الحكم القوي يحتاج إلى أكثر من أجهزة قمعية وجيش لا يحارب أحداً مهمته حماية النظام واستمراريته، وكما يقول الأمريكان (إنه الاقتصاد يا غبي)، وحقيقة الأمر أن الاقتصاد العربي قد غدا بيد المافيات والشركات العائلية المتحالفة مع السلطات التي لم تترك لغيرها سوى العظام والفتات حتى غدا جوع الناس أقوى من خوفهم..
لقد تمت الإطاحة برأس النظام التونسي ولكن هل يمكن التخلص من بنية النظام التونسي-العربي إذا لم تتجذر ثقافة الديمقراطية في المجتمعات العربية بحيث تغدو حاضنة صحية لبذرة الثورة؟ هذا سؤال تكمن إجابته بالعودة إلى منتصف القرن الماضي حيث قامت ثورات الفقراء والكادحين على الإقطاعيين و الأثرياء الذين دعمتهم قوى الاسالرسم للفنان أحمد معلاتعمار بعد الجلاء، ولكن يبدو أن ما فعلته هذه الثورات هي أنها حولت قادتها الفقراء إلى أثرياء وأبقت على الفقر و الفقراء لتعيد مقولة وحشيّ الخالدة: سادتنا في الجاهلية سادتنا في الإسلام، وهكذا بقي النسر القرشي شعاراً للعرب من قبل ومن بعد.. ففي العراق مثلا سقط رأس النظام وأثرياء الاستبداد ثم استلم المقاليد من بعدهم أثرياء الشيعة والسنة والأكراد .. لقد ذهب الاستبداد وبقي الجوع والإرهاب، فقط لأنه لا توجد حاضنة اجتماعية ديمقراطية، بمعنى أن نوع الثقافة هي ما يميز بين الأمم، قويها وضعيفها، ولولا انتشار أفكار " العقد الإجتماعي " لجان جاك روسو بين الفرنسيين لما نجحت الثورة الفرنسية بالتخلص من الاستبداد والمَلَكية التي ما زالت تحكم البلدان العربية..
أخيراً نذكر أنه من الجيد إشعال النار، ولكن ما قيمة النار من دون طباخين محترفين يتقنون صناعة وتقديم الطعام الذي يحقق الوئام بين الأنام، ويمدهم بالطاقة للتفكير بأشياء أخرى خلاقة أرفع من مستوى الأمعاء الغاضبة.. لقد جاء زين العابدين وليلى أيضا من بين الفقراء فماذا فعلوا.. بل  كيف وصلوا لولا أن هناك أرضية ممهدة لاستنبات الإستبداد وامتداد الفساد .. إن ثقافة الديموقراطية وقبول الآخر- الذي هو من خارج الطائفة و الحزب والعائلة والعشيرة والطبقة الإجتماعية - ضمن مفهوم حقوق المواطنة هي مايحافظ على مكاسب الثورات وكرامة الفقراء وأمان الأغنياء ..


تخيُّل: هكذا أتخيل بداية اشتعال ثورة تونس: مواطن جائع ينتظر على موقف باص الحبيب بو رقيبة. مرّ أول باص محملاً بالجياع الذاهبين إلى بيوتهم الخاوية ولم يستطع المواطن الصعود إليه لشدة الإزدحام. طال انتظاره وبدأت مصارينه تلتف على بعضها وتأكل نفسها. فتح المواطن فمه وأراد أن يصرخ لكن عواء المصارين الفارغة خرج من حنجرته، فراح يعوي بشكل متقطع قبل أن يثير انتباه البائسين من حوله. اشتد عواؤه حتى انتقلت عدواه إلى غيره، وراح العواء يمتد ويعلو والناس يتقاطرون من كل حدب وصوب باتجاه قصر النمرالوردي زين العابدين حتى طوقوه بعواء الأمعاء الغاضبة من الجوع والذل والقهر. ارتعش قلب النمر أولاً ثم خفق بشدة عندما رأى أن عدوى العواء انتقل إلى حرسه وقوات نظامه فما كان منه إلا أن لوى ذيله بين ساقيه وتسلل إلى طائرته التي تنتظره فيها عائلته حاملة ذهبها وخوفها مثل أي قط مذعور.. هكذا طار زين العابدين فوق سماء تونس يلاحقه عواء الأمعاء الخاوية.. فقد اكتشف الفقراء أن لديهم أنياب أيضاً...

دعاء وشكر: زين العابدين والحريري ومن بعدهم مبارك.. هذا كثير علينا يا رب..

ملحوظة: على الرغم من كل ما قدموه لها فقد بدت واشنطن غير قادرة على حماية حلفائها من «عرب روتانا» المتأمركين.. فهل يتعظوا قبل أن يتزحلقوا؟


نبيل صالح

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...