تأثير هوس الشهرة على منظومة الأخلاق

29-04-2023

تأثير هوس الشهرة على منظومة الأخلاق

Image

عزة سلطان:

للشهرة بريق لا تفوته العين، ومكاسب يجنيها من كللهم تاجها، من هنا جاءت فكرة الفيلم الكوميدي سفاح النساء (1970- إخراج نيازي مصطفى)، حيث يُعاني الصحفي محسن (فؤاد المهندس) من تجاهل رئيس التحرير (عبدالله فرغلي) له، وفي مواجهة معه يطلب منه رئيس التحرير أن يقوم بعمل تحقيق ليرفع توزيع مجلة الجريمة والعقاب، فتقترح عليه خطيبته سوسن (شويكار) أن ينتحل صفة سفاح النساء المجرم المتسلسل الذي يقتل النساء فقط، وعندما يتم اتهام محسن تحيط به أجواء الشهرة، حتى إن رئيس التحرير يعرض عليه مبلغاً ضخماً حتى يكتب مذكراته على صفحات المجلة، إنها الشهرة التي ترفع سعر مالكها، وتذلل العقبات أمام صاحبها. وإذا كانت تلك الشهرة والهوس بها تم التعرض لها في فيلم كوميدي فقد سبقت الكوميديا التطرق لنفس فكرة الهوس بالشهرة في فيلم اجتماعي هو (المغامرة الكبرى)، وكان بطولة فريد شوقي وحسن يوسف وإنتاج عام 1964 وإخراج محمود فريد، حينها كان الهوس تنحصر مظاهره في مواضع قليلة جاءت في الشهرة لما يعقبها من امتيازات يجنيها صاحبها.

إذن فالهوس هو انفعال وتطرف في التعامل مع مشاعر قد تبدو طبيعية، ولكن هذا الهوس قد يأخذ منحى مرضياً وهو ما فسره بعض علماء النفس كأحد أعراض اضطراب ثنائي القطب، حيث تُشير Mayou إلى أن الهوس يظهر في المراحل المبكرة لمريض الاضطراب ثنائي القطب، وتُصبح أشهر تجليات الهوس هي تلك المرتبطة بالشهرة.

الهوس والشهرة

للهوس تجليات عديدة، بعضها في السلوك الشخصي كهؤلاء المعتنين بالنظافة، وآخرين هوسهم بالتنظيم، لكن السلوكيات المقترنة بهوس لا تأخذ طريقها للمعرفة العامة كون أصحابها لا يحصدون من هوسهم سوى الانتقاد الاجتماعي، بل إن بعضهم قد يُعاني بعداً من المحيطين به لهوسه، وربما تحول الهوس لوصمة.
خلال العقدين السابقين والتغيرات الاجتماعية التي أعلت من شأن الشهرة والمشاهير، والتي كانت منحصرة في الفنانين ولاعبي الكرة، لتتسع المجالات ونجد أن مواقع التواصل تصنع أيضاً مشاهير، فيكفي أن يكون عدد متابعيك كبيراً لتبدأ في جني ثمار الشهرة، وليس هذا فحسب بل إن الأمر بلغ مداه عندما أصبحت المشاهدات والمتابعة يتم ترجمتها إلى مقابل مادي، فعرف الهوس طريقه للانتشار بين العديد.
في مسلسل الكبير الجزء السادس الذي عرض في الموسم الرمضاني 2022، نرى شخصية جوني يُعاني أعراضاً انسحابية وكأنه مُدمن يُقلع عن الإدمان، وكان ذلك عندما أخذ جوني قراراً بالبعد عن أحد مواقع التواصل وعدم الاهتمام باجتذاب المتابعين، جاء المشهد بصورة ساخرة، حيث اختار صُناع العمل الدرامي طريقة السخرية parody لنقد بعض السلوكيات، وكان من بينها فعل أي شيء لاجتذاب متابعين، هذه الرغبة التي أخذت منحى مرضياً عند البعض.

نسب المشاهدة

اعتمدت آلية عمل عدد من مواقع التواصل على ارتفاع نسب المشاهدة كوسيلة لرفع قيمتها وجلب المزيد من الإعلانات، فالمقابل المادي المتصاعد بشكل متوازٍ مع ارتفاع نسب المشاهدة صنع هوساً جديداً، وبينما كانت الضغوط الاقتصادية وارتفاع نسب البطالة أشباحاً تطارد العديد، جاءت مواقع التواصل لتقدم سبلاً للكسب السريع.
العديد من مشاهير مواقع التواصل اعتمد وجودهم على تصوير لقطات من سلوكياتهم اليومية، وصل الأمر لتعريض زوجين ابنتهما لمخاطر لمجرد أن يحصدا نسب مشاهدة، ثم تطور الأمر لإعلان انفصالهما، وكلما استطاع فعل جذب جماهير المشاهدين، خرج من يُزايد على الفعل، ثم وعت الجماهير البسيطة إلى سطوة مواقع التواصل كونها مصدراً للكسب السريع، فظهرت لقطات لمن تقوم بعمل الكفتة في غرفة النوم، ومقاطع فيديو أخرى لمن تقوم بتنظيف المطبخ، ومن يطالع بعض تلك المواقع يُشاهد العديد من لقطات الفيديو التي تُثير العجب والدهشة، فقبل سطوع نجم مواقع التواصل، كان السائد أن تبتعد عن الشهرة وعن الظهور العام.
لم يتوقف الأمر عند هذه المرحلة، بل دخلت السباق المحطات التليفزيونية، حيث صارت تقوم بتقطيع مقاطع فيديو ساخنة وتنشرها لحسابها لتجني جزءاً من الثروة المقبلة، وتطرقت بعض المحطات لتعيين بعض مشاهير مواقع التواصل لتقديم برامج طمعاً في شهرتهم.
لم يتوقف السباق أو يحافظ على سرعته، لكن بلوغ أعلى نسبة مشاهدة بات هدفاً يتسابق من أجله الكثير، ذلك الهوس الذي كان فيما سبق هو شكل من أشكال انحراف المشاعر؛ أصبح هو ذاته دافعاً لانحرافات سلوكية، وتجاوزات وتطرف في الآراء والسلوك رغبة في بلوغ نسبة المشاهدة الأعلى ومنافسة النظراء.
آراء وتصريحات مبالغة في التطرف، صرحت بها بعض المذيعات، فبينما انطلقت إحداهن تسب وتلعن في الرجال، خرجت على الجانب الآخر أخرى تبالغ في تدليل الرجل، والانسحاق في تصريحات مبالغة تنال من كرامة المرأة وصورتها، كلتا الإعلاميتين تسعى لاجتذاب الجماهير وخلق صراع وهمي تُشارك فيه الجماهير بالمشاهدة وتحصد القناة المال والإعلامية شهرة مضاعفة بما يوازيها من رفع قيمة أجرها.
تنسحب تلك السلوكيات على مصادر أخرى، فلم تعد حكراً على القنوات أو مواقع التواصل، بل دخلت حلبة المنافسة الصحف والمواقع الإخبارية، صانعة جميعها ما اصطلح على تسميته بالترند، إذ إن تصدّر خبر أو رأي خاص بموقف أو إنسان أصبح له ما يقابله من المال، إنه السعي المحموم والهوس الذي لا يتوقف.

صناعة الهوس

سماسرة التطبيقات فئة جديدة ظهرت مع ميلاد التطبيقات المعتمدة على نسب المشاهدة، فإذا كان الترند يخص المشاهير التقليديين من إعلاميين ونجوم الفن والمجتمع؛ فإن هناك عالماً موازياً يصنع مشاهيره، حيث ظهرت فئة من مشجعي وداعمي الظهور على التطبيقات في مقابل مادي، وانعكس ذلك في شيوع التطبيقات وكذلك صناعة عالم موازٍ أدواته كسب نسب مشاهدة عالية.
وأمام الكسب السريع غير المقترن بجهد أو خبرة وكفاءة تسارع المشاركون في تقديم ما يجذب الجماهير، مهما كان المحتوى المهم أن يتوافر له الجاذبية، فأخذ التطرف مكانة أولية وتصدر القوى الدافعة للعديد من البشر.
سماسرة التطبيقات يلوحون بالشهرة والمال، الحياة السهلة اليسيرة، ويعددون النماذج التي كسبت، يلونون أهدافهم بألوان خاطفة للبصر مستغلين الفقر من جهة، وسهولة الوصول إلى الشهرة إذا كنت تقدم شيئاً مختلفاً.
في العالم الموازي هناك ملايين يصنعون شهرتهم، ويجنون أرباحها، ويبالغون في الظهور والاختلاف مدفوعين بالهوس الذي وضع بذرته السماسرة من جانب والواقع الفعلي من الجانب الآخر.

تأثير  هوس الشهرة على منظومة الأخلاق

لم تعد كلمة ترند غريبة على الأذن العربية، ولم يعد مشاهير مواقع التواصل تنحصر شهرتهم في بلدانهم، بل ساعدت وسائل التواصل على العولمة في أبهى صورها، فالعالم الذي صار قرية صغيرة، كشف أن التميز للمهووسين، فالهوس أداة لا غنى عنها لصنع مكانة لأحدهم والحفاظ على تلك المكانة بمزيد من الهوس والتطرف في السلوك والرأي.
ولأن الهوس لا يحتاج سوى تطرف في المشاعر والآراء، وفى المقابل هناك مال ونفوذ؛ فإن تحقيق مثل تلك الشهرة خلفه بطلان قيم العمل والاجتهاد، وذابت مفاهيم الكفاءة أمام الشهرة الزائفة، التي تنطفئ عن شخص لتسطع على آخر.
الكسب السريع أهدر مفاهيم اجتماعية عديدة مثل الخصوصية التي ذابت أمام الترند، فهوس الشهرة دفع عائلات لكشف تفاصيل حياتهم الشخصية صعوداً لسلم الترند وبلوغ أعلى درجاته، ليست الخصوصية فقط التي تهاوت ولكن مفاهيم مثل الستر والترابط، فالعديد يخرجون ليقولوا عن تفاصيل تخص غيرهم، وفضائح المهم هو الترند.
فالهوس الذي كان عرضاً مرضياً لمرضى الاكتئاب ثنائي القطب خرج من حيزه التشخيصي ليُصبح سمة مجتمعية، وسوس ينخر في القيم، فذلك الهوس دفع آباء وأمهات للزج بأطفالهم على تلك الشاشات، لم يقتصر الهوس عند تلك المرحلة بل إن هناك أزواجاً لا يمانعون في ظهور زوجاتهم، أو الدفع بالشأن العائلي للساحة العامة.
تلك الممارسات تتغلغل في نفوس الأطفال والناشئة ليخرج جيل لا يرى قيمة سوى للمال والشهرة، مبتعدين عن العلم والجهد. وبينما تتسيد القيمة المادية تنزلق القيم والأخلاق في حفر ربما لن تنجو بسهولة، فانتشرت الجريمة، وضعفت الأواصر، وسط إدانة مجتمعية لضياع الأخلاق دون الوقوف عند أسباب الضياع أو التعرض لطرق للعلاج.

ـــــــــــــــــــــــــــــ
* مجلة العربية / العدد 559 / أبريل 2023

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...