نموذج الحرب الكورية.. والتفاوض السوري

15-11-2016

نموذج الحرب الكورية.. والتفاوض السوري

بعض المراقبين الذين تخلّوا بحكمة عن فكرة تدمير نظام الرئيس بشار الأسد، ما زالوا يجادلون بأنه يجب اللجوء إلى رفع وتيرة القوة، بما فيها القوة العسكرية الأميركية، للضغط عليه للتفاوض من أجل إيجاد تسوية للحرب. هذا التبرير المبسّط، وهو دائماً مُبسّط، يعكس سوء الفهم، على الأقل من ناحيتين، بشأن كيفية وجوب أن يرتبط الوضع العسكري لأي حرب، بفتح المجال للتفاوض.دمار لحق بكنيسة القديس الياس الغيور جراء القصف في بلدة حرستا قرب دمشق أمس الأول (أ ب أ)
أولاً، تتطلب مفاوضات السلام وجود طرفين على الأقل. وعلى كلا الطرفين في الحرب أن يجدا إيجابية في أن يذهبا إلى التفاوض بدلاً من عدم التفاوض، وأن يجدا ذلك في وقت متزامن. هذه الحقيقة تحديداً ذات صلة وثيقة بالصراع في سوريا: قوات المعارضة استخدمت لغة لا تنازل فيها بقدر ما فعل النظام، للتعبير عن طموحاتهما بتحقيق النصر العسكري. ومن هنا يمكن استخلاص نتيجة مفادها أن الوضع العسكري في سوريا سيفضي إلى مفاوضات إذا كان كلا الطرفين، المعارضة والنظام، الى جانب القوى الخارجية الداعمة لهما، قد تراجعا عن مثل هذه الطموحات ولديهما سبب للتفاوض بجدية ولتقديم تنازلات في شكل المستقبل السياسي لسوريا. إن مسألة قتل أحلام النصر ليست متعلّقة بطرف واحد فقط.
ثانياً، حتى يكون الطرف المحارب مستعداً للتفاوض، يجب ألا تسير الحرب بالنسبة إليه جيداً، وألا تسوء للغاية أيضاً. أن تسير الحرب جيداً يعني أن يستمرّ الطرفان في الإيغال بطموحاتهما لتحقيق انتصار عسكري صريح من دون أن تكون هناك حاجة لتقديم أي تنازلات على طاولة المفاوضات. أما ذهاب الحرب باتجاه الأسوأ بالنسبة لطرف، فيفرض زيادة مخاوفه من الذهاب إلى طاولة المفاوضات ضعيفاً. ووجود هذه المخاوف يؤدي الى مواصلة القتال من قبل أحد الطرفين لقلب المعادلة لمصلحته لضمان امتلاك أوراق قوة قبل الشروع بعملية التفاوض.
هذا المبدأ أيضاً يلتصق بالحرب السورية. نظام الأسد مثلاً، الذي وجوده بأكمله على المحكّ، يمتلك حافزاً قوياً لمواصلة القتال إذا كانت يده خاسرة وتوفرت له الفرصة لتحسين موقعه. وفي ظل وجود دعم روسي، يراهن النظام على التقاط هذا النوع من الفرص. غير أن هذا الدعم الروسي بالذات المقدم للنظام السوري قد ظهر بطريقة صمّمت لا لضمان انتصار النظام بصورة مباشرة بل للحفاظ على وتيرة المعركة وعدم ذهابها باتجاه الأسوأ، من أجل تفادي مسألة خسارة النظام سواء في ساحات القتال أو على طاولة المفاوضات.
وكانت الحروب السابقة قد أثبتت هذه المبادئ. مثال جيد شمل الولايات المتحدة هو الحرب الكورية في عام 1950. وكانت تلك الحرب قد شهدت عاماً من القتال في جو من التأرجح قبل البدء بالمفاوضات من أجل إرساء هدنة وقعت بعد عامين ولا تزال ساريةً الى اليوم. والجدير ذكره، أنه خلال هذا العام الأول من الحرب، رأى كلا الجانبين، أو رأى الجانبان معاً، أن الحرب تسير جيداً بالنسبة إليهما، أو أنها كانت في حالة تأزم تمنع اللجوء الى طاولة المفاوضات.
خلال الأشهر الثلاثة الأولى بعد هجوم كوريا الشمالية المفاجئ عبر خط 38 في حزيران من عام 1950، بدا أنّ أياً من الطرفين لم يكن ينظر باتجاه المفاوضات. وفي تلك الأثناء، كانت قوات الشمال تندفع جنوباً وخفضت سيطرة القوات المعارضة لها لحدود مرتكزة حول «بوسان» في شبه الجزيرة الكورية. بالنسبة للشيوعيين، كانت الحرب تسير جيداً وهو ما لا يدفعهم الى التفاوض، وبالأخص مع نجاح عسكري يعزز إمكانية توحيد كوريا تحت سيطرتهم من خلال استخدام القوة العسكرية فقط. أما بالنسبة للدور الأميركي وقيادته لقوات الأمم المتحدة، فلم يكن هناك تفكير بالتفاوض باعتبار أن الحرب تسير بشكل سيئ للغاية. وكان كل تفكير الجانب الأميركي يتمحور في تلك المرحلة حول بذل الجهود لقلب نتائج المعركة وإعادة السيطرة لمصلحته.
وقد تحقق ذلك التحوّل مع الهبوط الذكي للجنرال دوغلاس ماك آرثر في «انشون» في أيلول، إذ مع بقاء سيطرة القوات الشيوعية على معظم شبه الجزيرة، ولكن مع تراجعها إلى الشمال، قامت هذه القوى الشيوعية لوقت قصير ببعض الجهود، أكثرها من خلال الديبلوماسية السوفياتية في الأمم المتحدة، بهدف إطلاق مفاوضات الهدنة. ولكن سرعان ما فقدوا اهتمامهم بالمفاوضات مع استمرار تراجعهم. وفي تشرين الأول، توغلت قوات الأمم المتحدة شمالاً عبر الخط 38، ما استدعى قرار الصين التدخل. وفي الوقت عينه، كان تحول «ما بعد أنشون» عسكرياً مفاجئاً جداً، لدرجة أن تفكير الأميركيين تحول من عدم الرغبة بالتفاوض لأن مسار المعركة لم يكن لمصلحتهم في البداية، إلى بقاء هذه الرغبة بعدم التفاوض لأن هذه الحرب بدأت تسير لمصلحتهم بشكل كبير، فيما كانت قوات ماك آرثر ستحرّر كل شيء، حتى منطقة يالو، وبدء ظهور كوريا موحّدة ومتحرّرة من السيطرة الشيوعية.
وكان لتدخل الصين في أواخر تشرين الثاني أثره على مجريات الحرب مرة جديدة وبصورة مفاجئة. وبعد أشهر قليلة، تجلى الموقف الديبلوماسي لكل طرف بصورة مشابهة لما كانت عليه في الأشهر الثلاثة الاولى. فالشيوعيون من جهتهم لم يكونوا مهتمين بالمفاوضات، لأن الحرب كانت تسير على ما يرام. أما بالنسبة للولايات المتحدة فلم يكن خيار التفاوض وارداً لها باعتبار أن حال الحرب سيئة للغاية.
وأوقفت قوات الأمم المتحدة التقدم الصيني بحلول كانون الثاني عام 1951، وأعادت الخط الأمامي للحرب ببطء إلى جوار الخط 38. وفي نيسان، قال الرئيس الأميركي هاري ترومان إن الولايات المتحدة أصبحت أخيراً مستعدة للتفاوض. وكان الصينيون لا يزالون يأملون دفع خط الجبهة جنوباً مرة أخرى، وهو أملٌ مات مع فشل الهجوم الشيوعي في شهر أيار. وفي حزيران، أشار السفير السوفياتي في الأمم المتحدة إلى أن الجانب الشيوعي كان على استعداد لبدء مفاوضات الهدنة التي بدأت في تموز.
باختصار، استمر سفك الدماء ولم تبدأ المفاوضات خلال السنة الأولى من الحرب الكورية لأنه، وبطريقة متعادلة، كان أحد الاطراف المتحاربة يخسر وشعر بالحاجة إلى تحسين وضعه العسكري قبل الشروع بالتفاوض، وأحد الأطراف في المقلب الآخر يشعر بالفوز ويشتمّ رائحة النصر.
وبناءً على هذا النموذج، يمكن تفسير الحرب الحالية بين النظام والمعارضة في سوريا. فمن المُرجّح ألا تكون نتيجة زيادة الضغط العسكري على نظام الأسد هي زيادة رغبته باللجوء إلى المفاوضات، ولكن قد تكون عوضاً عن ذلك تصميمه على مواصلة القتال لتحويل الوضع العسكري لمصلحته في ظل استمرار الدعم الروسي، وأداء الروس دوراً محركاً للوضع، بنحو ما شبيه بالدور الذي أدّته الصين في كوريا.


السفير نقلاً (عن مجلة «ناشونال انترست»)

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...