متحف بيرغامون في برلين يعرض أرشيفاً ضخماً من الوثائق التي تحفظ التراث السوريّ الذي دمرته الحرب

ترجمة: لينا جبور- الكاتب: كاثرين هيكلي  

معرض جديد يعرض وثائق تسهِّل أسس إعادة إعمار حلب ومواقع أخرى دمرتها الحرب.

غادر رامي الأفندي، باحث سوريّ في علم الآثار، حلب في أيلول/سبتمبر 2012، قبل أسابيع من تعليق جميع الرحلات الجويّة من المطار. وقضى السنوات الخمس التالية في ماليزيا يعمل على تحصيل شهادة الدكتوراه، التي تبحث في الألواح الخشبية ذات الطراز العثمانيّ المزينة بالزخارف العثمانيّة في 12 منزلاً من منازل حلب الفخمة. من هناك جاء إلى برلين حيث يمكن الاستفادة من أبحاثه في دعم الاستعدادات لإعادة بناء تراث وطنه الذي تأثر كثيراً بالحرب.

هذا، وبين عامي 2006 و2010، قام الأفندي بالتقاط مئات الصّور الفوتوغرافية والفيديوهات للمنازل الحلبية. وكانت الصور الملتقطة للمباني من قبل الحرب –مثل: بيت غزالة، وهو منزل يعود إلى القرن السابع عشر، تم ترميمه في عام 2009-2010 ليكون بمثابة متحف للصُّور التذكاريّة لمدينة حلب– قد اكتسبت أهمية جديدة في ضوء الدّمار الكبير الذي لحق بهذه المباني في الحرب. ويقول الأفندي: «تمت إزالةُ جميع لوحات بيت غزالة تقريباً، ولسنا متأكدين إذا كانت قد دُمّرت، ونعتقد أنَّ لصوصاً سرقوها من أجل بيعها. ولم يظهر أيٌّ منها حتى الآن».

يُعَدُّ الأفندي الآن جزءاً من فريق عمل يتألف من ثلاثة أشخاص يعملون في مبادرة تسمّى "توثيق تراث مباني حلب"، وهي قسم من مشروع أرشيف التراث السوريّ، الذي يقوده متحف برلين للفنون الإسلاميّة ومعهد الآثار الألماني. سيكون افتتاح المعرض في 28 شباط/فبراير في متحف بيرغامون في برلين، الذي سيعرض أعمال مشروع أرشيف التراث السوريّ بشكل رئيس.

يقول ستيفان ويبر، مدير متحف الفنّ الإسلاميّ ومقيم سابق في دمشق، إنَّ المشروع، الذي بدأ في عام 2013، كان من بين المشاريع الأولى من نوعها. ويضيف، أنه بتمويل من مكتب الخارجيّة الألمانيّ ومؤسسة جيردا هنكل ومؤسسة أندرو دبليو ميلون، قام المشروع بتجميع أكبر أرشيف للمعلومات حول التراث السوريّ خارج سورية –أكثر من 200.000 صورة فوتوغرافية، إضافة إلى تقارير عن الآثار وخرائط وخطط ورسومات وشهادات شفوية. وجاءت مصادر هذه المواد من باحثين أمثال الأفندي، والأرشيفات التاريخية الخاصة والعامة، إضافة إلى المقيمين السوريين واللاجئين.

تعرض بعض هذه الوثائق، إلى جانب الأفلام والشاشات التفاعلية التي سيتم تشغيلها في المعرض «رحلة افتراضية للاستكشاف» عبر التراث السوريّ، مع التركيز على مدن دمشق وحلب وتدمر والرقة، وما تسمّى المدن المنسيّة أو «المدن الميتة»[1]، مجموعة من نحو 700 مدينة مهجورة في الشمال الغربي.

في نهاية المطاف، يسعى مشروع أرشيف التراث السوريّ إلى "توفير أساس لإعادة البناء في المستقبل"، يقول ويبر. «نحن لسنا فريق إعادة إعمار يمكننا فقط تقديم الوثائق. لقد كنا محظوظين، لأنَّ الكثير من السوريين جاءوا إلى ألمانيا وعملوا معنا».

ويضم المشروع 15 موظفاً بدوامٍ كامل، تسعة منهم سوريون واثنان نصف سوريين، بحدّ قول ويبر. قام فريقه بإرسال مجموعات من البيانات عن مواقع التراث السوريّ إلى اليونسكو، بما في ذلك تقرير عن الألواح الخشبية المفقودة في بيت غزالة. وقد تم تمرير هذا إلى الإنتربول والمجلس الدوليّ للمتاحف، على أمل أن تعود الألواح إلى الظهور في سوق الفنّ وتتم استعادتها.

في حين أنَّ المواقع القديمة غير المأهولة، مثل تدمر، يمكن إعادة بنائها في مرحلة لاحقة بمساعدة نماذج ثلاثية الأبعاد، إلا أن عملية إعادة إعمار حلب هي أولوية ملحة جداً مع عودة الحياة السكانية والاقتصادية، حسب ويبر. وهي موقع مُدرج على لائحة التراث العالميّ لليونسكو منذ عام 1986، ومدينة مأهولة منذ أكثر من 5000 عام، وكانت مركزاً للعديد من طرق التجارة الرئيسة منذ الألفية الثانية قبل الميلاد. وفي القرن السادس عشر، كانت حلب تماثل من حيث المساحة مدينة لندن. ينظر ويبر إلى المدينة القديمة كواحدة من أهم المواقع في منطقة البحر الأبيض المتوسط​​، بقلعتها ومساجدها ومدارسها وكنائسها وقصورها وأسواقها.واقتصر تمويل الاتحاد الأوروبيّ ومشاركته في إعادة بناء التراث السوريّ، حتى الآن، على المبادرات الخاصة بسبب العقوبات المفروضة على سورية. لكن هناك بعض المشاريع القائمة تمولها مصادر أخرى: فالحكومة الشيشانية تمول إعادة بناء المسجد الأمويّ الذي تعرّض لأضرار جزئية، وهو أحد أقدم وأكبر المساجد في حلب. كما يساعد صندوق الأغا خان للثقافة (AKTC)، الذي حافظ على وجود محدود له في المدينة في مدّة الحرب، على ترميم سوق السقطية.

يقول لويس مونريال، المدير العام لصندوق الأغا خان للثقافة AKTC: «يعدُّ السوق جزءاً هاماً جداً من البنية التحتية للحياة الاقتصادية، إضافة إلى أنه جزء من تراث حلب». «نحن نعمل مع أصحاب المحلات الذين دفعوا أموالهم الخاصة لإعادة البناء».

غير أنَّ مدينة حلب تضم مئات الأسواق، وسيشكل هذا العدد تحدّياً في إعادة الإعمار لعقود قادمة. يقول ويبر، إنه حتى فرز وتصنيف آلاف الصّور التي تلقاها المشروع للسوق يُعدّ عمليّة شاقة. لم تحدد أيّة صورة من هذه الصور الموقع، وتم أخذ معظمها عندما كانت المتاجر مفتوحة، لذلك «ينبغي عليك أن تعرف المكان جيداً حتى تستطيع التعرف عليها».هذا، ومع وجود العديد من أعضاء الفريق الأكبر الذي يعمل على توثيق المدينة،إضافة إلى قسم توثيق مباني التراث في حلب، يؤكد ويبر على أنّه بالنسبة للمشروع «لا يتم جمع مواده بشكل عشوائي، ولكن يتم اختيار المواد التي ستكون مفيدة كقاعدة وأساس لأولئك المشاركين في إعادة الإعمار عندما يأتي اليوم». صحيح أنَّ العمل بطيء، ولكن حسب اعتقاده «سننجز شوطاً طويلاً في غضون هذه السنوات الثلاث القادمة من الآن».

[1] المدن المنسية (أو المدن الميتة) هي مدن وقرى أثرية سورية تقع ضمن الحدود الإدارية لمحافظتي حلب وإدلب، وهي المواقع والقرى الممتدة في جبال الكتلة الكلسية ووديانها وشعابها في شمال غرب سورية، من حدود تركيا في الشمال حتى منطقة أفاميا جنوباً، ومن سهل الغاب غرباً حتى سهول حلب.

 

 


الجمل بالتعاون مع مركز دمشق للدراسات