السوريون يستثمرون كل شيء بما فيه حبة الرز

22-02-2007

السوريون يستثمرون كل شيء بما فيه حبة الرز

هل يمكننا تخيّل أن حبة الرز تستطيع تأمين معيشة إنسان؟! يمكن التحقق من الأمر عبر جولة في أسواق دمشق القديمة، حيث الكثير من اللوحات التي تحمل دعوة غريبة: «أكتب اسمك على حبّة رز»! كيف يحصل ذلك؟ وما الدافع لأن «يخلّد» شخص ما اسمه على حبّة رز، بالكاد يمكن رؤيتها؟

«استهلكت كيلو رز تقريباً حتى تمكّنت من إتقان هذه الحرفة»، يقول عقيل مبتسماً.

يدرس هذا الشاب الخط العربي في معهد للفنون، ويوضح أن عمله الأساسي كان الحفر على الحجارة الكريمة، ثم قرر الانتقال إلى عمل آخر ليحقق دخلاً مادياً أفضل، وفي الوقت ذاته، يوظّف فيه مهارته في الخط العربي. ويكون ذلك مجالاً للتميّز مع «شيء من الفانتازيا».

ولما كانت أبعاد «حبة الرز» تستعصي على أقلام الكتابة، لجأ عقيل إلى استخدام «نثرة» من القصب «الخرساني» (المستخدم لدى الخطاطين)، لا تتجاوز أبعادها «حجم رأس الدبوس». وهو يرفض الإفصاح عن تركيبة الحبر الذي يستخدمه «لأنه من أسرار المهنة، وتعبت كثيراً حتى عرفته».

التميّز في هذه الحرفة يكمن في زيادة عدد الكلمات. كان التحدّي الأول بالنسبة الى عقيل كتابة «بأيّ آلاء ربكما تكذبان» (آية قرآنية كريمة في «سورة الرحمن»)، إذ قيل له أن أحدهم نجح في كتابتها على حبة الرز. ولاحظ إمكان كتابتها «وتبقى على الحبّة مساحة زائدة»، ما شجّعه على تحدّ آخر.

يُخرج عقيل من حقيبته الخاصة مجموعة من أعماله. يبحث بينها، ويتلقّف كيساً صغيراً تظهر فيه حبة رز يغزوها نمشٌ أسود. يوضح: «لقد نجحت في كتابة الفاتحة. حدث ذلك مرتين، أهديت واحدة واحتفظت بهذه الحبّة». ويؤكّد أنه لم يستطع استخدام عدسة مكبّرة للكتابة، «لأنها تربك اليد وتجعل التحكم بها صعباً». وإنما يعتمد على إحساسه: «أشعر أنني كتبت ما أريد، وبعدها أدققه على مجهر».  
 هذه الأعمال المتقدمة لا يعرضها عقيل للبيع، إذ يعتبر أنها لا تأتي بمردود مادي يوازي «قيمتها الفنيّة». أما تعامله مع الزبائن، فيقتصر على كتابة أسمائهم، أو أي كلمة يحبذونها، علماً أن أكثر زبائنه هم «العشّاق». يقول: «غالباً ما يأتي شاب يريد أن أكتب له اسم حبيبته، أو اسميهما معاً. طبعاً كل شيء له سعره».

كتابة اسم مفرد تكلّف مئة ليرة (دولارين تقريباً)، أي أن نقش 50 اسماً فقط يعادل الحد الأدنى للأجور في سورية (100 دولار)، وترتفع التسعيرة بحسب طول الكلمة. لكن كيف ستتأكد الحبيبة، وتتباهى، أن اسمها، وليس غيره، هو المكتوب على حبّة الرز؟! إذاً للعمل تتمة، ولذلك تجهَّز «أنبولة» زجاجية، تُملأ بسائل سميك، مهمته حفظ حبّة الرز وتكبير الكتابة عليها لتبدو واضحة للعين.

إلى ذلك، تتيح هذه المهنة للعاملين فيها «خبرة واسعة في مجال الرز»، على حد تعبير عقيل الذي يوضح أن أفضل أنواعه، المواتية للكتابة عليها، هو «الرز التايلاندي» ذو الحبة الطويلة والملساء.

ليست الكتابة على حبّة الرز هي الابتكار الوحيد. وليس بعيداً من «بسطة» عقيل، يمكن مشاهدة شاب آخر يحفر الأسماء، والجمل المأثورة، على «علاّقة» مفاتيح معدنية وأقلام... وغيرها. اللافت هو الآلة التي يستخدمها للحفر، وهي ذاتها التي تثير خوفنا في عيادة طبيب الأسنان. إنها آلة حفر الأضراس. يوضح صاحبها أنه ابتاعها، مثلما يفعل كل أبناء مهنته، من مخابر المعدات الطبية. ويوضح: «نستخدم الرؤوس ذاتها التي يستعملها الطبيب، لكننا نركّب عليها أيضاً ريشاً معدنية خاصة، نشتريها من ورش «الخراطة»، فهي تحفر في شكل عميق وتعطي رونقاً جميلاً للخط». يمكن، في المقابل، الحصول على كتابات نافرة على الأصداف المختلفة. ويستخدم العاملون في هذا المجال حبراً مخلوطاً بمواد كيماوية، يكتبون به على الصدفة قبل أن يضعوها في محلول يجعل سطحها يتآكل، فيما يبقى مكان الكتابة نافراً، ومحتفظاً باللون الأصلي للأصداف.

باتت هذه الحرفة منتشرة بوضوح، وتتركز في دمشق القديمة، للاستفادة من الحركة الكثيفة هناك. وتقبع الى جانب محال بيع القطع التراثية والشرقيات، مثل نباتات «علّيق» تتطفل على جسم الحياة حولها. هذا الازدياد لا يريح الخطاط عقيل، إذ يعتبر أن مهنته تفقد بريقها بسبب «الدخلاء» عليها، ويستطرد باستياء: «الأهم في حرفتنا هو الموهبة، ويجب أن يكون العاملون فيها خطاطين. هناك كثيرون لا يكتبون سوى «خربشات»، فيما ابتدع البعض الكتابة على المعكرونة لأنها أسهل». لكن ذلك لا يمنع هذا الشاب من مواصلة طموحه في تحقيق أرقام قياسية. ومع إدراكه أن الأمر يبقى «حلماً بعيداً»، فهو يطمح الى أن يتمكن يوماً من «كتابة «سورة يس» على حبة الرز، وكذلك أن يخطّ القرآن الكريم كاملاً، ويحصد الاعتراف بأنه أفضل من كتبه، «طبعاً ليس على حبة رز»، يضحك مستدركاً.

وسيم إبراهيم

المصدر: الحياة

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...