دراسة سورية ميدانية تثبت انعكاس سوء معاملة الأبناء وإهمالهم سلبا على تحصيلهم الدراسي

03-01-2012

دراسة سورية ميدانية تثبت انعكاس سوء معاملة الأبناء وإهمالهم سلبا على تحصيلهم الدراسي

إن ظاهرة سوء معاملة الأبناء وإهمالهم شائعة عالميا وتحدث في المجتمعات كافة وفي مختلف الطبقات الاجتماعية والاقتصادية حيث قدرت منظمة الصحة العالمية أن زهاء40 مليون يافع أعمارهم أقل من 15 سنة في العالم يعانون سوء المعاملة والإهمال ويحتاجون إلى رعاية صحية واجتماعية.

وجميع الدراسات العربية التي أعدت في هذا المجال بينت أن لسوء معاملة الأبناء وإهمالهم عواقب سيئة قد تستمر لأوقات طويلة بعد حدوثها وتظهر تلك العواقب جلية في مرحلة الطفولة أو المراهقة أو الكهولة على شكل عواقب صحية وجسدية وعواقب نفسية وسلوكية وعواقب ذكائية واستعرافية ومن المرجح أن يكون من بين هذه العواقب تدهور الأداء الدراسي لدى الطالب الذي تعرض لسوء المعاملة والإهمال.

وأدت تلك الدراسات لدفع الباحث وليد حمادة من كلية التربية في جامعة دمشق إلى إتباعه المنهج الوصفي التحليلي في إجراء دراسة ميدانية استقصائية على طلبة الصف الأول الثانوي العام في مدارس محافظة دمشق الرسمية...لمعرفة عدة محاور أهمها تحديد أشكال سوء المعاملة والإهمال والتي حددت بسوء المعاملة الجسدي من خلال التسبب بأي نوع من الأذى الجسدي لليافع من قبل من يرعاه نتيجة الضرب أو الصفع أو الركل أو الحرق أو غيرها ويتضمن أيضا الإفراط في الضبط والعقاب الجسدي.

سوء المعاملة النفسي نموذج متكرر من السلوك أو الفعل المتطرف الذي يمارسه الأهل على الطفل

وسوء المعاملة النفسي يعد نموذجا متكررا من السلوك أو الفعل المتطرف الذي يمارسه الأهل والذي يوحي للطفل بأنه مشوه أو غير محبوب أو غير مرغوب فيه أو لا قيمة له إضافة إلى الإهمال المتمثل بالتقصير في تلبية الحاجات الرئيسية لليافع مثل حرمانه من الغذاء أو المأوى أو الإشراف أو الرعاية الطبية شريطة ألا يكون سببه الفقر أو عدم المقدرة على ذلك ومن أشكال الإهمال الجسدي والتعليمي و العاطفي.

ويشير الباحث حمادة خلال بحثه إلى العوامل المؤدية لسوء المعاملة والإهمال والتي حددت بعوامل الأهل أو مقدمي الرعاية فقد يعاني كلا الوالدين أو أحدهما من مشكلات تسهم في حدوث سوء معاملة اليافعين وإهمالهم مثل اضطراب الشخصية والأمراض النفسية والإدمان على الكحول والمخدرات وسوابق التعرض لسوء المعاملة والإهمال في الطفولة وكذلك فإن معارف الوالدين ومواقفهما وعمرهما قد تؤثر في حدوثها إضافة لعوامل الأسرة نتيجة ظروف الوالدين الحياتية مثل الخلافات الزوجية والعنف المنزلي والطلاق والبطالة والضغوط المالية والعزلة الاجتماعية وهناك عوامل خاصة بالطفل تتجسد في عدم تفاعل الوالدين مع بعض خصائص طفلهم مثل عدم فهمهم لمراحل تطوره ودرجة نموه الجسدي و العقلي والعاطفي والاجتماعي كما أن الطفل المصاب بإعاقة جسدية أو استعرافية أو عاطفية يعتبر الأكثر تعرضا لسوء المعاملة والإهمال.

العوامل البيئية  تزيد من احتمال حدوث سوء معاملة اليافعين وإهمالهم

ليضيف الباحث على ذلك العوامل البيئية التي قد تزيد من احتمال حدوث سوء معاملة اليافعين وإهمالهم مثل الفقر والبطالة والعزلة الاجتماعية والخصائص المجتمعية ونقص الدعم الاجتماعي عدا عن ترويج وسائل الإعلام للعنف من خلال ما تطرحه على المتلقي من مواد وبرامج تشير إلى العنف أو تلمح إليه.

و يشيرالباحث حمادة إلى العواقب التي يخلفها سوء معاملة اليافعين وإهمالهم وقد تكون عميقة تستمر لأوقات طويلة بعد حدوثها وقد تظهر في مرحلة الطفولة أو المراهقة أو الكهولة وتؤثر في مختلف مظاهر تطور الفرد وحصرها الباحث في ثلاث زمر متداخلة أولها العواقب الصحية والجسدية وتتضمن تأثيرات آنية نذكر منها الأذية الدماغية والسجحات والحروق والكدمات وكسور العظام وتأثيرات مديدة كالأذية الدماغية والنزوف والإعاقة الدائمة التي تنجم عن رض فيزيائي مثل الصفع على الرأس أو الجسم والخض العنيف والحرق بالماء الساخن والخنق أو عن إهمال مثل الحرمان من التغذية المناسبة أو التحريض الحركي المناسب أو من العلاج الطبي.

أما ثاني العواقب فهي الذكائية والاستعرافية إذ بينت بعض الأبحاث انخفاض الأداء الذكائي والاستعرافي عند اليافعين اللذين تعرضوا لسوء المعاملة والإهمال مقارنة بيافعين لم يتعرضوا لها بينما لم تكشف أي فوارق في أبحاث أخرى في حين أكدت أبحاث أخرى أن سوء المعاملة يترافق بتراجع التحصيل الدراسي.

وأشار حمادة إلى أن ثالث العواقب هي العاطفية والنفسية والسلوكية والتي ترى أن أي أنماط سوء معاملة اليافعين وإهمالهم يؤثر في تطور الطفل العاطفي والنفسي ويتسبب في مشكلات سلوكية تظهر مباشرة أو بعد مرور أعوام وتظهر في عدة أشكال مثل احتقار الذات والقلق والاكتئاب ومتلازمة الكرب التالي للرض وصعوبات التعلق وسلوك أذى النفس وجنوح الأحداث.

ويبين الباحث التربوي أن الوقاية من سوء المعاملة وإهمالها يتم عادة على ثلاثة مستويات.. مستوى وقاية أولية أو شاملة تتوجه إلى عامة الجمهور بهدف منع حدوث سوء المعاملة أو الإهمال أصلا حيث يتولى الإعلام هذه المهمة على عاتقه من خلال نشره للتوعية الأسرية عبر إعلاناته العامة الطرقية والإذاعية والتلفزيونية ودعمها بحملات توعية وتوفير الخدمات للمواطنين في حين يتوجه المستوى الثاني الوقاية الثانوية أو الانتقائية إلى الأسر ذات الخطورة العالية بهدف تخفيف الظروف التي تمهد لسوء معاملة اليافعين وإهمالهم ويكون ذلك من خلال البرامج الاجتماعية التوجيهية مثل برامج معالجة الإدمان ورعاية الأطفال المعوقين ومراكز تقديم المعلومات ودعم الأسر المعرضة لخطر سوء المعاملة وإهمال الأطفال ودعم برامج الزيارات المنزلية.

ويضيف.. إن المستوى الثالث والأخير هو الوقاية الثالثية أو المستطبة.. حيث توجه الخدمات الاجتماعية والرعاية إلى الأسر التي حدثت ضمنها سوء المعاملة وإهمال اليافعين بغية تخفيف عواقبها ومنع تكرار حدوثها مستقبلا وتتم من خلال برامج خدمات مكثفة للحفاظ على الأسرة المأزومة من قبل أسر مستقرة تقدم الدعم والقدوة الصالحة وخدمات الصحة النفسية للأطفال والأسر المتأثرة بسوء المعاملة والإهمال...لافتا إلى أن التعافي من الصدمات النفسية المتعلقة بالإساءة غالبا ما يكون صعبا ويحتاج ضحايا تلك الصدمات إلى المساندة النفسية الحثيثة والمساعدة الطبية على حد سواء وبأسرع وقت ممكن وبتكامل مستويات الوقاية الثلاثة في أي مجتمع يتشكل طيف من الخدمات اللازمة والمتكاملة التي تسهم بالحد من شدة سوء معاملة الأطفال وإهمالهم.

وبالنسبة لعلاقة سوء معاملة اليافعين وإهمالهم وانعكاس ذلك على تراجع تحصيلهم الدراسي يعرف الباحث التحصيل الدراسي على أنه معلومات وصفية تبين مدى ماتعلمه التلاميذ بشكل مباشر من محتوى المادة الدرسية ويتبين ذلك من خلال الاختبارات التي طبقت على التلاميذ خلال العام الدراسي لقياس مدى استيعابهم للمعارف والمفاهيم والمهارات وقد تكون تلك الاختبارات شهرية أو فصلية أو في نهاية المرحلة التعليمية.

طريقة معاملة الوالدين لأبنائهم ومدى اهتمامهم ومشاركتهم لهم تؤثر على مستوى تحصيلهم الدراسي بالسلب أو الإيجاب

ويبين حمادة العوامل المؤثرة في التحصيل الدراسي والتي تتلخص في عوامل متعلقة باليافع نفسه منها الدافعية للإنجاز في التحصيل الدراسي وعوامل الذات إذ يتأثر سلوك اليافع وأداؤه بمفهومه عن ذاته ونظرته تجاهها بالسلب أو الإيجاب على تحصيله العلمي والاستعداد الدراسي والذي يقيس مدى قابلية الفرد للتعلم وقدرته على اكتساب سلوك أو مهارة معينة إذا ما تهيأت له الظروف المواتية والقدرات العقلية إذ يتأثر التحصيل الدراسي بقدرات الطالب العقلية فذوي العقلية المرتفعة أكثر تحصيلا من ذوي القدرات العقلية المنخفضة مضيفا إلى ذلك عوامل متعلقة بالأسرة إذ تؤثر طريقة معاملة الوالدين لأبنائهم ومدى اهتمامهم ومشاركتهم لهم على مستوى تحصيلهم الدراسي بالسلب أو الإيجاب إضافة إلى ما توفره الأسرة من بيئة اجتماعية ونفسية لأبنائها وما تتيحه لهم من إمكانات مادية تلبية متطلباتهم الدراسية والتي تؤثر بمجملها على استقرارهم النفسي والاجتماعي وبالتالي على تحصيلهم الدراسي.

وهناك بحسب الدراسة أيضا عوامل متعلقة بالمدرسة وأهمها البيئة الاجتماعية والمادية للمدرسة وأنظمة الامتحانات فيها ومدى انسجام الطلاب في محيطهم المدرسي وعلاقتهم مع بعضهم البعض.

واختتم الباحث حمادة دراسته بتوصيات أهمها إجراء دراسات وطنية لظاهرة سوء معاملة اليافعين للوقوف على أسبابها ومظاهرها وكيفية التعامل معها والمتغيرات الأسرية والمجتمعية والإكلينيكية والمدرسية المتعلقة بها والعمل على مواجهة المشكلات التي تواجه الأسرة والتي تؤدي لسوء المعاملة وإنشاء مراكز وطنية تقدم برامج تثقيف وتوعية ودعم للأسر وتبرز أهمية دورها في حماية اليافعين والأطفال من سوء المعاملة ودراسة المشكلات التي يعاني منها الطلبة للوقوف على أسبابها وإيجاد آلية مناسبة للتعامل معها ونشر الوعي حول الظاهرة وأخطارها على الأطفال والمجتمع من خلال وسائل الإعلام وتبني الجهات الحكومية والمنظمات الأهلية خططا وقائية لحماية الأطفال والعمل على سن قوانين وتشريعات خاصة بالتعامل مع الأطفال واليافعين المعرضين لسوء المعاملة.

ريما حجازي

المصدر: سانا

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...