المؤتمر العالمي للخليوي في برشلونة: حمّى أجهزة اللمس وفوضى الاختيار

حضرت الإنجازات التي تحققت في السياسة بفضل التكنولوجيا في المؤتمر العالمي للموبايل في برشلونة هذا العام. إذ عبّر الرئيس التنفيذي لشركة غوغل، أريك شميت، عن مدى فخره بوائل غنيم، الشاب الموظف لدى الشركة، الذي ساهم في تعبيد الطريق أمام الثورة الأخيرة في مصر، على صفحات «فايسبوك».رموز تشغيل مختلفة عن تلك السائدة

لم تغب ثنائية الثورة - التكنولوجيا عن الأروقة والحلقات الصغيرة، إذ إنها المرة الأولى التي يشهد فيها العالم على تأثير وسيلة تكنولوجيا في اندلاع تحركات شعبية عارمة سلمية تحقق أهدافها، وتنشر عدواها بالطريقة ذاتها. وكذلك فإنها المرة الأولى التي يشعر فيها العالم بما تحمله هذه الطريقة من تطوّر للعلاقة بين الأدوات التكنولوجية ومستخدميها من عامة الناس.

ولعلها مناسَبة للتوقف عند سرعة التطوّر وقدرة المستخدم على التعامل مع «أحدث» الأجهزة والمزايا والخدمات، شرط أن تكون في متناوله، وأن يكون استخدامها يسيراً. والحق أن هذه العلاقة بين المستخدم والجهاز والخدمات شكلت خلفية للمشهد العام للمؤتمر هذه السنة، في برشلونة، الذي يمكن وصفه بأنه مؤتمر للمستهلكين، أكثر منه لاستشراف المستقبل والمناحي، كما كان مؤتمر العام الماضي.

والدليل على النزعة الاستهلاكية فيه كان استخدام عبارات «أحدث» ومعها كل أفعل التفضيل، بقوة، ضمن كلمات ألقيت في الندوات أو العروض، وكذلك في أجنحة عرض المنتجات. حتى أن شركات كبرى استعانت بمسؤولين تنفيذيين للعب دور «مندوب مبيعات» وترويج منتجاتها. في سنوات سابقة، اكتفى أصحاب هذه المناصب بتقديم نظرة نحو المستقبل واستشراف الطريق إلى أمام.

الطقس الممطر والبرد اللذان خيّما على مدينة برشلونة، لم يثنيا المشاركين في «المؤتمر العالمي للموبايل - 2011» عن الحــضور بكثــافة وحماســة. فقد اتخذت المناسبة، هذا العام، طابعاً أكثر «شراسة» من العام الماضي، على الأقل. ويعود السبب في الحدّة إلى «فِعلة» شركة «آبل» العالمية، التي أطلقت بهدوء جهاز «أي–باد» iPad «الأصم»، كما وصفه المنافسون. فإذا بهذا الأصم الذي اتّخذ له منحى التعامل بالتطبيقات الرقمية، يلهب صناعة الأجهزة اللمسية، ويلوّنها بشتى المزايا والخدمات، ويفرض نوعاً من التشتت في تحديد ميول صناعة الاتصالات الرقمية وأجهزتها. إذ ذهبت بعض الشركات صوب التركيز على التطبيقات والبرامج، واعتمد بعضها الآخر على جمع المزايا والخدمات في خدمة مفردة. واللافت أن كثيراً من شركات الاتصالات الرقمية اعتمد على «حوسبة الغمام»Cloud Computing، لتيسير العمل على المستخدم الذي يستطيع استعمال جهازه النقّال للدخول الى الإنترنت، وإنجاز أعماله، وحفظ بياناته على الشبكة.

الصحة عبر الخليوي
قبل الخوض في حمى أجهزة الاتصالات التي ظهرت في المؤتمر، يتوجب المرور سريعاً على الندوات التي عُقدت فيه. واحتل مفهوم «الصحة عبر الخليوي» مكانة بارزة بين مواضيعها. وبدا كأن هذا الطرح استكمال لموضوع التعامل المالي عبر الموبايل، الذي طُرح بقوة خلال مؤتمر العام الماضي.

وأثناء جلسة حول الصحة عبر الموبايل، لفت المحاضرون إلى أهمية الوصول إلى الجمهور الواسع في هذا الشأن المتصل بحياتهم وعافيتهم، ليس لمجرد جمع المعلومات، بل أيضاً لتقديم المساعدة بشتى أشكالها، مثل النصح والاستشارات. ويعتمد هذا الأمر على شيوع الهاتف الخليوي ووجوده في المناطق النائية، وكذلك الحال بالنسبة الى الدول المتفاوتة في الثروة والتطور. وبرزت توقعات تشير إلى أن ثلاثة أرباع سكان الأرض (5 بلايين نسمة) سيمتلكون جهازاً خليوياً بحلول نهاية العام الجاري.

ونوقِشَت تجربة بنغلادش، على أنها تجربة رائدة. فهناك، حيث الفقر مدقع، ثمة 3 آلاف مستشفى تخدم قرابة 153 مليون نسمة. ويقدّم 0.3 في المئة من الأطباء خدماتهم لنحو 52 في المئة من السكان. ويأتي دور الهاتف الخليوي، لكونه منتشراً في أبسط أشكاله، ليستخدم للتبليغ عن مرض أو آفة أو عدوى. ويصل التبليغ سريعاً إلى المعنيين. وقبل الخليوي، طابور طويل في انتظار ستيف بالمر الرئيس التنفيذي لمايكروسوفت (الحياة).jpg كان التبليغ يستغرق نحو 3 أسابيع، تكون العدوى في أثنائها قد اجتاحت مناطق كبيرة.

وتتمثّل المنفعة الثانية للصحة عبر الموبايل، في بنغلادش، في إمكان تقديم الأطباء الاستشارات الطبية، خصوصاً في المناطق النائية، لتدارك الأخطار والتفاعلات، قبل أن تضرب المريض.

وفي دول أكثر يسراً من بنغلادش ومثيلاتها، قد لا يجد المراقب في مسألة الصحة عبر الموبايل حاجة ملحّة، لولا أن فائدتها تتجاوز الفقر إلى منفعة الفرد عبر جمع المعلومات الصحية عن نفسه، بهدف تأمين المساعدة اللازمة إذا تعرّض لوعكة عابرة أو حادث خطير.

بالعودة إلى أجهزة الموبايل وتطبيقاتها وخدماتها، بدا المشهد العام في المؤتمر هذا العام حاداً في «الهجوم» على الأسواق.

ولم تخلُ منصة عرض من موظفين ومهندسين مهمتهم تقديم منتجات الشركة على أفضل وجه. وينطبق ذلك على صالات «موتورولا»، «هوواوي» (الصينية)، «مايكروسوفت» وغيرها.

غير أن الحدث الذي استقطب حضوراً كثيفاً، هو المحاضرة التي ألقاها ستيف بالمر، المدير التنفيذي لمايكروسوفت، وتشكّل صف انتظار طويلاً خضع كل فرد فيه للتحقق من بطاقته، (أشبه بإجراء أمني)، قبل أن يندفع الحاضرون إلى القاعة ويحتلوا مقاعدها.

والحق أنه كان يُتوقع أن يطرح بالمر صورة مستقبلية لمنحى الشركة العملاقة، مثلما كان يفعل سلفه بيل غايتس. إلا أن بالمر ظهر على الخشبة، وشرع في إقناع الحضور بأن هاتف «ويندوز 7» هو الأفضل في السوق، بدليل أن «93 في المئة من المستخدمين الذين جرّبوه أبدوا إعجابهم بمزاياه» (هذه النسبة من المعجبين جاءت أيضاً على ألسنة ممثلي الشركات الأخرى). فكان بالمر، التنفيذي الكبير، أشبه بمندوب المبيعات ذاته الذي يقدّم عرض الترويج في صالة العرض لمايكروسوفت، في أحد أجنحة المؤتمر!

وإضافة إلى التصميم اليسير للشاشة، عبر تقسيمها إلى مربعات ينقسم كل منها إلى مربعات أصغر وفق التطبيق المستخدم، حملت مايكروسوفت تطبيق «ويندوز أوفيس» Windows Office إلى هاتفها الخليوي، مبتعدة من منحى «آبل» في التعويل على التطبيقات. وقدّمت نحو 8 آلاف تطبيق، مقابل 300 ألف لـ «آبل».

حمى اللمس
يمكن القول إن معركة حامية انطلقت في الأسواق بين نهجين، على الأقل، في التعامل مع الموبايل الذي يُدار عبر شاشة تعمل باللمس.

وكرت سبحة المفاجآت في مختلف صالات العرض. فالجهاز الذي يتمتّع بكاميرا ذات عدسة نقية، يفتقر إلى تصميم الشاشة وتوزيع التطبيقات. والجهاز الذي يستفيد من شبكة «واي فاي» ليست له القدرة، كأجهزة «بلاك بيري»، على الاستغناء عنها. وحملت «موتورولا» مزايا التوافق بين الخليوي وكومبيوتر اللوح، فما ينفّذ في الأول يظهر في الثاني. وطاول الاختلاف في أجهزة اللمس هذه، الرموز والأيقونات المتّفق عليها عالمياً، كصورة المنزل للرجوع إلى البداية والقرص للحفظ، المعهودة في شاشات الكومبيوتر والموحّدة دلالاتها.

وفي خضم هذه الموجة، برز فارقان واضحان. يتمثّل الأول في وجهة الاستخدام. ففي حين يصنّف «بلاك بيري» وما يشبهه من الأجهزة، بأنه جهاز لرجال الأعمال، توصف الأجهزة الأخرى بأنها للمستخدمين العاديين. ويظهر الفارق الثاني في السعر، الذي تتضمّن أرقامه مفاجآت عدّة، ما يوجب على المرء أن ينتظر قليلاً ريثما تتبدّد الغمامة. بيد أن لقصة الانتظار مساوئها، مثلما حصل لكل من كان ينتظر هبوط أسعار الكومبيوتر، فما يكاد يحصل على مبتغاه حتى يظهر كومبيوتر أفضل منه وبالسعر ذاته أو أدنى.

وبدا واضحاً أن شركة «هوواوي» الصينية باتت جاهزة للعب على وتر السعر، إذ تطرح قريباً جهازين من نوع كومبيوتر اللوح، بقياس 7 إنش و10 إنش، يعمل كلاهما بنظام تشغيل «أندرويد» Android، الذي صنعته شركة «غوغل». ولا يزيد سعر أي منهما على 300 دولار للشركات التجارية. ولم يعرف السعر الذي سيعرض على الجمهور.

وظهر قاسم مشترك بين صُنّاع الخليوي وجهاز الكومبيوتر أيقونات تشغيل مختلفة عن تلك السائدة.jpg اللوح، يتمثّل في أن منتجاتهم واستخداماتها لا تشكل عبئاً على شركات تشغيل الاتصالات والبنى التحتية. ولن تظهر مدى صحة هذا الأمر قبل المرحلة المقبلة التي ستتصاعد فيها عمليات تحميل التطبيـقات وتبـادل البيانــات عبر الموبايل.

ومن ناحية أخرى، ثمة شركات، مثل «في أم وير» vmware، و «موبيوس» Mobius، تحاول التخفيف من حدّة «الاشتباك» من خلال تأمين خادم «سيرفر» خاص، يستوعب التطبيقات والبرامج، وييسّر البقاء على العمل الأخير الذي يحفظه المستخدم، أينما كان ومن أي نوع من أنواع الأجهزة. ولعلّ هاتف غوغل يدخل في هذا التصنيف لأنه يؤمّن العمل على التطبيقات والبرامج بالطريقة ذاتها.

في الختام، إذا وقعت في حيرة من أمرك حيال انتقاء الجهاز المناسب، دع إصبعك تختاره بالنيابة عنك. ثم اترك الأمر لـ... «جيبك» يحدّد حسن الاختيار!

زكي محفوض

المصدر: الحياة

إرسال تعليق جديد

سيبقى محتوى هذا الحقل خاصا و لن ينشر للعموم.
  • لا يسمح بإشارات HTML
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.