مفهوم الصيرورة عند هيراقليطس

16-08-2022

مفهوم الصيرورة عند هيراقليطس

سام صالح:  الغامض و المُظلِم ، هذان اللّقبان اللذان أُطلِقا على الفيلسوف اليوناني الأقدم ( هيرقليطس ) المتوفى سنة ( ٤٧٥ ق . م )
و سبب هذين اللقبين هو التعقيد والغموض في فلسفته إلى درجة أن سقراط العظيم نفسه و الذي جاء بعده لم يفهم كلّ مراده مما قال . ولكنه أحسن الظن بسلفه وقال  ( إن ما فهمه من كلامه قيّم عظيم وما لم يفهمه يجب أن يُقاس على ما فهم )
ليس لنا أن نسأل ( هيرقليطس ) عن سبب جعله فلسفته ضرباً من الرموز و الأحاجي .فهو أعلم بما فعل .. و لنا أن نتفكر فيما بقي لنا مما ترك و نحسن الفهم والظن معاً كما فعل سقراط الحكيم .
سنتحدث عن مفهوم الصيرورة حسب فيلسوفنا الكبير و هو مفهوم عميق بعيد الغور، و في رأيي قليل الذين يفهمونه كما أراد ..
أنكر هيرقليطس فكرة دوام الشيء على ماهو عليه للحظتين متتاليتين ... و هذا يمكن أن نفهمه في حيوات الكائنات الحية ذوات الأعمار القصيرة .
أما عند هيرقليطس فسيّان في ذلك الحشرة التي تعيش ساعات قليلة و الجبل الأشمّ الذي يبقى قروناً طويلة ولا يبدو أنه تغيَّرَ كثيراً ..
و نحن البشر ننخدع بصور الأشياء التي تُوهِمُنا بثباتها على حال واحد و لو لفترة قصيرة . و لكن هذا يبقى وهماً و إن هو إلا خدعة تنطلي على البصر ولا تنطلي على البصيرة ..
هذا الكلام قد يبدو لبعضنا أن فيه مبالغة . و لكن كما يبدو لي هو صحيح ١٠٠ % . و سأضرب مثلاً مُوضِحاً : لو ذهبنا إلى بعض القلاع القديمة و أمعَنّا النظر فيها فماذا سنلاحظ؟! أحجار عتيقة ضاربة اللون إلى السواد قد أثَّرَ فيها مرورُ الأحقاب و أحالها عما كانت عليه في بدء تعميرها ..
الشيء الثابت عند كل ذي عقل أن الزمان أثّر في القلعة فلو فرضنا أن عمر القلعة خمسة آلاف سنة، و قدَّرنا الأثر الفعلي لهذه الخمسة آلاف سنة في القلعة فهذا يعني أن كل لحظة زمنية  مرّت على القلعة كان لها مقدار ما من التأثير الذاتي فيها. و أكثر من ذلك أقول : إن اللمحة الزمنية التي هي اللاتناهي في التقسيم الزمني وهي تقابل الجزء الأصمّ في المادة هذه اللمحة عملياً لها تأثير على قياسها في صور الأشياء . كالقلعة التي افترضناها مثلاً . ولو لم يكن للمحة الواحدة تأثير لم يكن لخمسة آلاف سنة تأثير ولا لعشرة آلاف ولا للدهر كله مهما طال ..فالنتيجة أن مرور لمحتين متتاليتين على صورة حسية يُحدِث تغييراً في ذات الصورة و هذا هو السبب الذي يُؤدي إلى الفساد بعد الكون في عالم العناصر .
مبدأ الصيرورة الهيرقليطسي يعني أن الشيء موجود و غير موجود في الوقت نفسه . و بتعبير آخر : إننا لحظة تَحقُّقِنا لصورة من الصور الوجودية تكون تلك الصورة قد تغيّرت في ذاتها و تقدَّمَ كونُها خطوةً باتجاه الفساد على غِرار ما قال أمير المؤمنين ( نَفَسُ المرء خطاه إلى أجله )
و ثمة معنى أعمق لهذه الصيرورة مفاده أن الإثبات والنفي ثنائية من لوازم الصور في كل الوجود، و القدرة الإلهية الذاتية  تكون مستعارة في صور الوجود و بهذه القدرة الذاتية يتحرك الوجود بجميع صوره .. فأنت لا تكاد تعاين الصورة حتى تثبت القدرة ولا تكاد  تثبت القدرة حتى تنفي الصورة و هكذا ..فالقدرة ذاتية لأنها منسوبة للأحد الباقي، و الصورة من لوازم الخلق لذلك حين نعاين مقدار القدرة المحصورة في الصورة والظاهرة منها نقول هي مستعارة باعتبار الأسماء والصفات و المظاهر الخلقية فإذا نحن جرّدنا و نزَّهنا و نسفنا الاعتبارات الخلقية في يَمّ النسيان تحققنا القدرة الذاتية الأحدية و عرفنا ما معنى أن الحول والقوة هما  بالله العلي العظيم .. والله أعلم .
 

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...