في الفرق بين وجودانية هايدغر ووجودية سارتر

01-01-2022

في الفرق بين وجودانية هايدغر ووجودية سارتر

 مشير باسيل عون:
ينتسب الفيلسوفان الألماني هايدغر (1889-1976) والفرنسي سارتر (1905-1980) إلى المدرسة الفِنومِنولوجية التي أسسها أستاذهما الفيلسوف الألماني هوسرل (1859-1938). كلاهما تأثر به وبمنهجه الفِنومِنولوجي الذي يبحث عن حقيقة الأشياء في ظهورها العفوي التلقائي أمام الوعي المنشغل بها انشغالاً قصدياً. فالفِنومِنولوجيا، في التعريف المبسط، ترسم أن الشجرة القائمة أمامي تستدعي وعيي وتستنهضه على وجوه شتى: فإما أنها عنصر جمالي من الطبيعة، وإما مهبط للعصافير، وإما معمل للثمار الشهية، وإما موئل للعشاق، وإما محمية من الظلال الواقية، وإما شاهدة على حضور أسلافي منذ أقدم الأجيال. لا ريب في أن هذه التأويلات تستثير الوعيَ الذاتي حتى يقصدها قصداً مقترناً بالاختبارات المعيشية التي أختزنها. في كل تأويل يتجلى لي وجه من وجوه حقيقة الشجرة، بحيث إن حقيقتها الأشمل تنطوي على مجموع التناولات القصدية التي تجعلها تظهر ظهوراً عفوياً لا تعنيف فيه ولا قهر ولا تعسف.
ورث هايدغر وسارتر هذه المنهجية، ولكنهما أكبا يستثمرانها في توطيد أنظومتهما الفكرية الخاصة. فإذا بهايدغر يستخدمها في تحرير حقيقة كينونة الكائنات من كل إمساك عقلاني حساب، وإذا بسارتر يتناولها في وصف علاقة الوعي الذاتي بالوعي الآخر، وفي تحليل مقام الوجود الإنساني تحليلاً يجعل الحرية الذاتية أصلَ جميع الاختبارات الفردية. اعتنق بعض الفلاسفة الفرنسيين فِنومِنولوجيا هوسرل، وفي اعتقادهم أنها تُكسب الإنسانَ سعادة اكتشاف الغنى المبثوث في تضاعيف الأشياء والموجودات، وتتيح للوعي أن يتناولها تناولاً متنوعَ الدلالات والنبرات والسمات. تأثر هايدغر وسارتر بالفِنومِنولوجيا لأسباب شتى. كان هايدغر يروم أن يستثمر نظرية معلمه هوسرل في استكشاف كنوز الكائنات التي ينحجب فيها سر الكينونة، ولم يكن متحمساً للبحث الفِنومِنولوجي في أساليب إدراك الوعي، إذ إنه كان يرغب في بناء فكر أونطولوجي يبحث في معنى الكينونة، لا نظرية معرفية إبيستِمولوجية تنظر في شروط اكتساب المعرفة السليمة.
أما سارتر، فذهب إلى برلين في شتاء عام 1933 ليدرس على هوسرل، ويتعلم منه فن قيادة الوعي المدرِك. في برلين أيضاً اكتشف فرادة الفكر الأونطولوجي الذي كان هايدغر، في حقبته الأولى، يدافع عنه في كتاب "الكينونة والزمان". لا ريب في أن أبرز ما استقطب انتباهه في الفِنومِنولوجيا حرصُ هوسرل على حضور الأشياء الحر، الشفاف، الخالص، تستنهض بسريتها الساحرة الوعيَ الداخلي الذي يتنازعه ضربان من الوجود: الوجود في ذاته (الأشياء)، والوجود في سبيل ذاته (الإنسان).
وجوه الشبه في مقارنة السيرتين الذاتيتين
قبل إنشاء المقارنة الفكرية، يجدر إلقاء البال إلى الشبه النافر بين سيرة هايدغر وسيرة سارتر، إذ إنهما كليهما أباحا تنويع الاختبارات العاطفية والملذات الوصالية، وكليهما ضلا سواء السبيل في مبايعتهما السياسية. استأذن هايدغر امرأته إلفريدِه بتري، وانغمس في عشق طالباته تتقدمهن جمالاً وذكاءً وسحراً هانا أرِندت، واتفق سارتر مع عشيقته سيمون دُبوڤوار على صون الحرية العاطفية في التزامهما الحبي الحر. انخرط هايدغر في صفوف القومية-الاشتراكية (النازية)، وما لبث أن عاد إلى رشده، فاعتزل الاجتماع السياسي برمته. وانسلك سارتر في الحزب الشيوعي الفرنسي، ولكنه سرعان ما أدرك مخاطر العمى الأيديولوجي المتربص بالأنظومات الشمولية.
كان هايدغر قد ذاع صيتُه في الأوساط الفكرية الفرنسية في الثلاثينيات من القرن العشرين بفضل بعض الدراسات التي أنشأها جان ڤال (1888-1974) وغابريال مارسِل (1889-1973)، وترجمات هنري كوربَن (1903-1978) وألفونس دُوِلِنس (1911-1981) وغيرهما. بيد أن المشكلة نشأت من تصنيف فكره في مقام الفلسفة الوجودية الذي كان يُصر على الانعتاق منه. كان متشوقاً إلى اكتشاف البيئة الفكرية الفرنسية، من بعد أن انهزمت النازية، وجُرد من حقوقه الجامعية، وصُرف إلى التقاعد المبكر، وقُلص راتبه الجامعي. لذلك عقد العزم على لقاء سارتر الذي كانت شهرته قد طبقت الآفاق. فاستعان بأصدقائه الفرنسيين الذين كانوا يحجون إليه في صومعة الغابة السوداء (توتناوبِرغ) من أجل تدبير لقاء بينه وبين سارتر كان من المفترض أن يحصل في مدينة بادِن الألمانية، ولكن تأخر حتى عام 1952، وجرى في مدينة فرايبورغ الألمانية. قبل ذلك، كان هايدغر قد أنشأ رسالة شخصية وجهها إلى سارتر ليهنئه فيها على فهمه الإشكالية الأونطولوجية الأساسية في كتاب "الكينونة والزمان".
ومع أنه أعرب في هذه الرسالة عن نية التعاون في سبيل تمكين الإنسان المعاصر من علاقة أصيلة بحقيقة الكينونة، إلا أنه سرعان ما أدرك الاختلاف الشاسع بين فكره الأونطولوجي ووجودية سارتر الإنسية. من المعلوم أن سارتر، في كتاب "الكينونة والعدم" (L’être et le néant)، ينتقد الشموليات الاستبدادية كلها، ويجتهد في أن يستعيد كرامة الإنسان التي مرَّغها الاحتلال النازي في أوحال الانحراف والفساد.
التحليل الوجوداني والتحليل الوجودي
يسمي هايدغر الإنسان الدازاين (Dasein)، أي الإنسان القائم خارج ذاته في رحاب الكينونة، المقذوف في العالم، الحامل همّ الكينونة والساعي إلى إدراك معناها من خلال الاختبارات البنيوية الأساسية التي تطبع كينونته الذاتية طبعاً دامغاً. أما سارتر، فيدعو الإنسانَ الوجودَ في سبيل ذاته، وينسب إليه طاقةَ تحقيق ذاته في معترك الحياة اليومية على الرغم من وعيه المأزوم الذي ينعته نعتاً مربكاً، فيصفه بالعيب الدائم في الكينونة. في هذا كله يستعير سارتر اصطلاحات هايدغر التي ينطوي عليها كتابُه "الكينونة والزمان". ولكنه لا يلبث أن يطوعها لكي تنسلك في مسعاه الفلسفي الوجودي. لذلك يفترق الرجلان افتراقاً خطيراً، إذ إن هايدغر لا يحلل بنى الاختبار الإنساني تحليلاً وجودياً محضاً، على طريقة سارتر، بل يتناولها في عمق أصالتها وقدرتها على استطلاع معنى الكينونة.
ليس القلق في أونطولوجيا هايدغر اختباراً وجودياً (existenziell) جزئياً، بل بنية وجودانية (existenzial) عميقة تكشف لنا كيف يرتبط وجود الإنسان ارتباطاً وثيقاً بالكينونة، أي بسر الكائنات جميعها. الوجود (existence) في قاموس سارتر حضور تاريخي تجريبي (إمبريقي) منغرس في صميم التحقق الذاتي، قادر مع ذلك على التعالي وتجاوز إنجازاته المتعينة في قرائن المكان والزمان. أما الوجود (Ek-sistenz) في نصوص هايدغر المتأخرة، فيشير إلى انبراء الإنسان وخروجه من ذاته إلى العالم وإلى الكائنات والكينونة خروجاً يجعله يحظى بحقيقته بفضل اعتلان الكينونة فيه وحوله وأمامه.
الاختلاف في معاني الإنسية
لا ريب في أن أفضل السبُل إلى اكتشاف الاختلاف الجوهري بين الفيلسوفَين أن يقارن المرءُ رسالة هايدغر في الإنسية بمقالة سارتر في الوجودية. ظهرت ردود هايدغر على سارتر في النص الذي أنشأه جواباً عن أسئلة صديقه الفرنسي جان بوفرِه (1907-1982) في شأن مقام الإنسان وأثر فكر الكينونة العملي في واقع الحياة المعاصرة. أراد بوفريه، وهو محاورُ هايدغر الأبرز في الساحة الفلسفية الفرنسية، أن يستفسر المعلمَ عن معنى الإنسية في زمن التقنية الجارفة. تنطوي "الرسالة في الإنسية" (Brief über den Humanismus) على تصور هايدغر الأونطولوجي الذي يتميز تميزاً صريحاً من كل المذاهب الأنثروبولوجية الإنسية السائدة، ومنها على وجه الخصوص الوجودية.
أما سارتر، فأطلق صرخته المدوية في مقالته "الوجودية إنسية" (L’existentialisme est un humanisme)، فأعلن أن الوجود يسبق الماهية، وأن الإنسان ينبغي له أن يستثمر حريته في بناء ماهيته التاريخية المتطورة، فيحقق ذاته تحقيقاً متدرجاً. ليست الوجودية هروباً من الواقع، بل اضطلاع حصيف بتحديات الزمن الراهن، والتزام رصين يقضي باستنقاذ الإنسان من متاهات الضلال الأيديولوجي. وليست فلسفةَ التشاؤم واليأس والقنوط والتوحد الأناني الانعزالي، بل فلسفة الالتزام الواثق والفعل التغييري الذي يحدد الإنسانَ بواسطة أعماله وإنجازاته وإسهاماته في التاريخ. وحده الفعل الملتزم ينشئ كينونة الإنسان، ويتيح له أن يحيا حياة مليئة طافحة بالأمل التاريخي المعيش. لا حقيقة تعلو على حقيقة الإنسان الفاعل في التاريخ. ولا عذر للإنسان المتلكئ المنكفئ المنعزل الذي يخشى الاضطلاع بمسؤولية حريته. فالناس محكومون بالحرية، كُتب عليهم أن يكونوا أحراراً. فلا مهرب من الحرية الخلاقة.
إلا أنه، في زمن الاضطراب السياسي والانحلال الأخلاقي، كان بعض المفكرين يأخذون على سارتر إضعاف الحس الإنساني المتطلب، وتحريض الناس على التفلت من كل أحكام الانضباط والانتظام. غير أنه كان مقتنعاً بأن الأزمنة المعاصرة التي نحت الله جانباً فأخرجته من ميدان التاريخ، مضطرة إلى ابتكار قيم جديدة تملأ فراغ السماء الخاوية من القوى المزيفة التي ظهر خبثُها العنفي في الاقتتال الدامي أثناء الحربين العالميتين. لا بد إذاً من الاعتماد على الإنسان الحر المبدع الخلاق القادر على نحت قيم إنسية جديدة يزين بها وجودَه التاريخي بواسطة أفعال التضامن والتعاطف والتآزر في معترك النضال الحياتي اليومي. بما أن الحياة مجردة من أي معنى قبلي سابق متقدم على حركة التاريخ، فإن الأجدى أن ينصرف الإنسان إلى ابتكار المعنى من صميم الاختبار الوجودي الحر الذي يحقق تعالي الإنسان وتجاوزيته، أي قدرته على الخروج من ذاته والانعتاق من أسر الإنجاز الجزئي، لكي يفوز بالهيئة الإنسانية الأكمل الممكن تصويرها في قرائن المحدودية التاريخية. في التجاوز يختبر الإنسان القلقَ الوجودي الذي يجعله لا يركن إلى ما يحققه، بل يستحثه على النضال نضالَ العازمين البواسل من أجل تحقيق كل الإمكانات المنطوية في ذاتيته الحرة. الإنسان كائن مشرعُ الآفاق لا ينغلق كيانُه على هيئة واحدة أو رسم واحد. وحده الموت ينهي سلسلة الإنجازات التي تجعل الإنسان موجوداً بكامل طاقاته المنجَزة. الموت مستودع الإنجازات الأرحب، يختم نضال الإنسان ختماً يرسم ماهيته المتحققة على مستوى فرديته الحرة.
الوجود مصنع الهوية الإنسانية
يستكشف سارتر صنفين من الوجودية: الوجودية المسيحية التي يجسدها فكر كارل ياسبِرس، والوجودية الملحدة التي ينادي بها هايدغر. غير أن هايدغر لا ينعت نفسَه بالمفكر الملحد، إذ إن فكره يتجاوز تصنيفات التدين والإلحاد المِتافيزيائية. ومن ثم، فإن سارتر يعلن أن الوجود يسبق الماهية، إذ إن الوجود مصنع الكائن الإنساني ينحت الشخصية نحتاً مغموساً في معترك الأوضاع الحياتية الشائكة المتدافعة المتضاربة. ليس من طبيعة إنسانية كان أرسطو قد ادعى أنها قائمة بحد ذاتها، وذلك قبل الاختبار الوجودي الذي يبتكر القيم من صميم الاختيارات التاريخية العيشية التي يلتزمها الإنسان. يعتقد سارتر أن الكائن الإنساني لا تحدده سمات قبلية سابقة متقدمة على وجوده اليومي، بل قرارتُه الذاتية التي بواسطتها يصنع ذاتَه. لا تحدد الطبيعة ولا الثقافة السائدة هوية الإنسان، بل نمط الوجود وأسلوبه وسبيله التاريخي. في سياق الفعل الوجودي الإبداعي هذا، ينبغي إدراك المفاهيم التي صاغها سارتر في الواقعانية والتجاوزية والاغتراب والأصالة وما شابهها.
أما هايدغر، فيحدد الذات الإنسانية بانتسابها إلى الكينونة، أي بكينونتها المنبسطة في مسالك الزمان، من غير أن تحمل في ذاتها ماهية سابقة على وجودها الفعلي. فالإنسان كائن مشرع الآفاق، يستمد كينونته من الإمكانات الغنية التي ينطوي عليها والتي تأتيها من مستقبله الآتي. لذلك يعتقد أن الحرية تتجلى أولاً على مستوى الكينونة. ليس الإنسان حراً إلا على قدر ما يختبر حرية الكينونة في اعتلانها وانحجابها. أما الحرية الإنسانية، فتنبثق في نظره من إدراك الإنسان عدميةَ هويته التاريخية الفاعلة العملية الملموسة. قد يوافق سارتر هايدغر على مثل هذا التعريف. ولكنه يخالفه في انتساب الحرية الأصلي إلى الكينونة. ذلك بأن الإنسان، في عرفه، صانع الحرية ومستثمرها الأول والأخير. ثمة اختلاف آخر بين الرجلين يظهر في إصرار هايدغر على تصور الحرية منسلكة في مقذوفية الأوضاع التاريخية التي منها يستخرج الإنسان إمكاناته المقبلة، في حين أن سارتر يبين أن مثل هذه الإمكانات لا تستغرق جميع الاختيارات الوجودية.
لا ريب في أن بضعة من هذه التعريفات والتناولات والتحليلات استلها سارتر من كتاب "الكينونة والزمان". غير أنه أخضعها لمقتضيات المذهب الوجودي الإنسي الذي كان ينادي به. لذلك حين أدرك هايدغر المنقلبات الخطيرة التي أفضت إليها تأويلات سارتر، أنشأ يعلن في رسالته الشهيرة أن الكينونة موضوع فكره الوحيد، لا الإنسان.
فكر الكينونة الزاهد وفكر الوجود الملتزم
وعليه، فإن هايدغر يرد على سارتر رداً واضحاً صريحاً في هذه الرسالة، ويحرر فكره من الوجودية المنتشرة في أُوروبا انتشارَ الزي الجديد المغري. ليست الوجودية الإنسية التي أعلنها سارتر بقادرة على استنقاذ الإنسان وتهذيب كيانه وشحذ مسؤوليته في زمن الضلال المِتافيزيائي. الإنسية مذهب إشكالي كسائر المذاهب الفلسفية الأخرى التي انبثقت من المِتافيزياء العقلانية الحسابة التي تنصب الذاتَ الإنسانية مرجعاً أساسياً في الوجود. لذلك يجب على الفكر أن يتجاوز هذه المذاهب، ويُعرِض عن العقل المستبد، ويزهد في الفاعلية الإنتاجية التي تفرض على الفكر أن يؤتي ثماره التغييرية الإصلاحية. في خضم هذه المنافسة، لا تستطيع الفلسفة أن تزاحم العلوم على صدارة الإنجاز الطليعي.
لا يستطيع الفكر أن يحقق دعوته إلا على قدر ما يجعل الإنسان يخشع أمام سر الكينونة الأرحب. فالوجود ليس خاصية من خصائص الواقع الإنساني، بل سكنى الإنسان في منارة الانفراج التحريري الذي تهبه الكينونة جميعَ الكائنات حين تعتلن على خفر وتواضع ورقة. الوجود الوحيد الذي يليق بالإنسان يجعله يقف موقف الاندهاش في منفسح الكينونة التي تفرض عليه مراسيمها وأحكامها وتصميماتها وقراراتها. الفكر المنشود ليس نظرياً ولا عملياً، لا إنسياً ولا لاهوتياً ولا عبثياً. إنه فكر في الكينونة، أو قل فكر الكينونة الذي يتيح للكينونة أن تكون، أي أن تنبسط، كما تتيح للعالم أن يتعولم، وللزمن أن يتزمَّن، وللإنسان أن يتأنسن. غير أن أنسنة الإنسان في فكر الكينونة لا تجعله سيد الكون ومالك الكائنات، بل راعي الكينونة، وحارس الحقيقة، وصائن التخوم القصية. ما من إنسية أرفع وأسمى وأنبل من الإنسية التي تتضع في حضرة الكينونة. لذلك لا يمكن هايدغر أن يقبل بإنسية سارتر التي تقيم الذات الواعية العاقلة في مقام المسؤول الأول والأخير عن مصائر الكائنات. ليس الإنسان صاحب الزمان، بل الكينونة والزمان يتواطآن في حركة التأتي السرية (Ereignis) على احتضان وجود الإنسان وإرشاده إلى شاطئ الخلاص حيث ينتظره إلهُ الأزمنة الأخيرة.
وعليه، فإن مقام الصدارة في أونطولوجيا هايدغر تحتله الكينونة، لا الإنسان، ولا الطبيعة، ولا الله. أما الإله الأخير الذي يشير إليه هايدغر، فلا يستطيع الإنسان أن يختبره إلا حين يهيئ للكينونة المنبسطَ التاريخيَّ اللائق بها. في أثناء الغيبة الإلهية، تستأثر الكينونة بسمات الخشوع والتقوى والمهابة. لا اعتلان للإله الأخير إلا حين تستقيم أحوال الكينونة، وتتلألأ أنوار المقدس، وتزدهر دعوة التواضع في مقام الإنسان الراعي.

إضافة تعليق جديد

لا يسمح باستخدام الأحرف الانكليزية في اسم المستخدم. استخدم اسم مستخدم بالعربية

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.

نص عادي

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • يتم تحويل عناوين الإنترنت إلى روابط تلقائيا

تخضع التعليقات لإشراف المحرر لحمايتنا وحمايتكم من خطر محاكم الجرائم الإلكترونية. المزيد...